عندما طرقت «السفير» أبواب الاستمارة الأميركية الموجهة إلى قوى الأمن الداخلي، قبل شهر ونيف، أرادت أن تؤشر إلى حجم الانكشاف السياسي والأمني، والى ضرورة أن تحسب أي جهة لبنانية حسابا لأي ارتجال يمكن أن يتسلل من خلاله الأميركيون ومن بعدهم الجانب الإسرائيلي، من أجل استهداف الأمن الوطني اللبناني مهما كانت المسميات المعطاة للتسلل.
لم يكن مقدرا أن تصبح الاستمارة المتعلقة بمكافحة المخدرات أو بالتدريب، جزءا لا يتجزأ من بروتوكول أمني بين حكومتي لبنان والولايات المتحدة، والأصح «اتفاقية أمنية» نظرا لما يحتوي عليه من شروط ومضامين مفخخة تمس كرامة كل مواطن لبناني مهما كان لونه الطائفي أو المذهبي أو المناطقي أو السياسي.
ولم يكن مقدرا أيضا أن يتوالد من وراء ذلك، عنوان من هنا أو من هناك، لنصبح أمام نموذج فادح للاستسهال والتوغل في الخطأ ومحاولة التلطي وراء العصبيات...
اليوم، وأمام الاجتماع الذي يفترض أن يكون الأخير للجنة الإعلام والاتصالات النيابية، تقدم «السفير» نموذجين جديدين، هما في صلب البروتوكول ـ الاتفاق الأمني، أولهما يدل، من خلال مضامين بعض الملحقات والمتون التدريبية، على مسعى أميركي واضح للتأثير على «العقيدة الأمنية» لمؤسسة قوى الأمن الداخلي، وثانيهما، يؤشر إلى جزء من الأهداف الأميركية غير الخفية أبدا، ولو تم تمويهها بعناوين «البارد» أو «الساخن».
وإذا كان المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، قد أحسن صنعا، باستباقه مقابلة الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله التلفزيونية الأخيرة، وتوجيهه رسالة في التاسع والعشرين من آذار المنصرم الى مدير مكتب انفاذ القوانين الدولية في السفارة الأميركية تاديوس كونتك يطالبه فيها بشطب فقرات في الكراسات التدريبية «تمس بالحس القومي والشعور الوطني لدى ضباطنا المتدربين»، فإن «السفير» حصلت على ثلاثة نماذج كان يتم تدريسها لكل الضباط اللبنانيين الذين شاركوا في دورات أعطيت لهم في بيروت أو الأردن على أيدي ضباط أميركيين.
ولنفترض أن الأميركيين قد سمعوا كلمة اللبنانيين وشطبوا اليوم ما نفترض أنهم سايروهم بشطبه، لكن ماذا عن المفعول الرجعي لعشرات الدورات التي شارك فيها عدد لا نعرفه من الضباط اللبنانيين على مدى ثلاث سنوات، وما هي العقيدة التي كان يتم تشريبهم إياها؟
لدى مراجعة سياق بعض المتون التدريبية، يرد في متن أحدها تحت عنوان «مدخل إلى الإرهاب»، ما تسميه الأدبيات الأمنية الأميركية، بـ»أحداث دولية شملت احتجاز رهائن وعمليات إنقاذهم» ويتبين أن الحديث هنا عن «عمليات إرهابية» نفذتها «منظمات إرهابية» (مجموعات فدائية فلسطينية) لأسر جنود إسرائيليين.
وفي المقابل، وعلى سبيل المثال لا الحصر (والأمثلة كثيرة)، يحاول المتن التدريبي تجنب الإشارة إلى مسؤولية إسرائيل عن تنفيذ عمليات استهدفت قياديين مقاومين مثل غالب عوالي.
وهنا، تكتفي «السفير» بعرض ثلاثة نماذج كما وردت في كراسات التدريب باللغة الانكليزية وتمت ترجمتها الى العربية على الشكل الآتي حرفيا:
÷ 14 تموز 2004، غالب عوالي: كان غالب عوالي أحد كوادر «حزب الله» وقد اغتيل في انفجار عبوة ناسفة زرعت أمام منزله في بيروت. في رثاء الأمين العام لـ «حزب الله» له، اشاد بعوالي «شهيدا لفلسطين»، موضحا بذلك، أن عوالي، كان ناشطا في عمليات المجموعات الفلسطينية. وقد ادعت مجموعة سنية تعرف بجند الشام، مسؤوليتها عن الاغتيال، الا أن «حزب الله» وجه أصابع الاتهام الى اسرائيل.
÷ 21 تشرين الثاني 2006، بيار الجميل: بيار الجميل نائب ماروني في البرلمان اللبناني. اعترض مسلحون الطريق أمام سيارته وأطلقوا عليه النار من مسافة قريبة. وقد وقعت هذه الجريمة في خضم مواجهة محتدمة بين صانعي القانون الذين يطالبون بالمحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري من جهة وبين الأطراف الموالية لسوريا من جهة أخرى، وعلى رأسها «حزب الله» الذي يسعى الى عرقلة قيام هذه المحكمة. وقد اتهم تحالف 14 آذار سوريا بالوقوف وراء الاعتداء.
÷ 19 أيلول 2007، أنطوان غانم: أنطوان غانم نائب في البرلمان اللبناني عن حزب الكتائب المنتمي الى تحالف 14 آذار والمناهض للتدخل السوري في لبنان. وقد اغتيل قبل أيام معدودة على مباشرة البرلمان انتخاب رئيس للجمهورية، وقد اعتبر الكثيرون اغتياله الذي وقع في أعقاب سلسلة الاغتيالات التي استهدفت النواب الآخرين المعادين لسوريا، محاولة لعرقلة الانتخاب لصالح كتلة الرئيس اللبناني الحالي (إميل لحود) المؤيد لسوريا» (الى هنا انتهى عرض النماذج الثلاثة).
أما النموذج الثاني، فلا يقل خطورة عن سابقه، إذ يبدو جليا أن الأميركيين يتسللون تحت عنوان
«البروتوكول» (الأمني) وملحقه التعديلي، من أجل استدراج قوى الأمن نحو صياغة منظومات وأدوار أمنية لا تتفق إلا مع «الأجندة الأمنية» الأميركية في لبنان.
والدليل أن البند الثاني في الملحق التعديلي الذي بوشر العمل به في شباط 2009، وأقر بمفعول رجعي في مجلس الوزراء في كانون الثاني الماضي، يتضمن الآتي: مشروع محافظة قوات الأمن على النظام في مجتمع مخيم نهر البارد.
وما جرى تمريره، في مجلس الوزراء، على انه «هبة لتعزيز تواجد قوى الأمن الداخلي في مخيم نهر البارد عن طريق بناء مركز لإنشاء فصيلة أو مخفر».. يظهر عند التطبيق، بوصفه «مشروعاً امنياً متكاملا»، يتجاوز مخيم نهر البارد إلى المناطق المحيطة ببيروت، يتم تنفيذه بإشراف أميركي مباشر.. بحسب ما تؤكده المراسلات بين مدير مكتب إنفاذ القوانين في السفارة الأميركية في بيروت تاديوس كونتك والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ومنها مراسلة وجهها كونتك إلى عدد من كبار ضباط قوى الأمن الداخلي، بعد أشهر عدة على توقيع اللواء ريفي الملحق التعديلي للاتفاقية.
في 12 شباط 2010 (قبل ان يتم إعادة إقرار هذا التعديل في مجلس الوزراء بتاريخ 13/1/2010).
في مراسلته، يشرح تاديوس كونتك، «انه للمضي قدما في مشروع ضبط الأمن في المجتمع، تم الاتفاق على أن تشــكل قوى الأمن الداخلي فريقين:
ـ الفريق الأول:»يضع خطة عمل محددة لبلدية العبدة (قضاء عكار)، التي تضم مخيم نهر البارد والمناطق المحيطة.
ـ الفريق الآخر: يضع خطة عمل محددة لمشروع ضبط الأمن في محيط بيروت»،
بحيث تحدّد خطتا العمل، اللتان ينبغي أن تنجزا في غضون ثلاثة أسابيع، الحاجات على مستوى التدريب والمساعدة التقنية والمعدات لكل مشروع ، فضلا عن المسح الأولي المطلوب وحملات التوعية الموجهة للمواطنين».
ويوضح تاديوس في كتابه «نحن مستعدون للمساعدة في هذين المشروعين عبر تأمين المدربين، وتقديم الدعم في جهود المسح والحملات الموجهة الى المواطنين».
والسؤال الموجه لأصحاب العلاقة ومن دون استفاضة وتحليل: ما علاقة حفظ النظام في مخيم نهر البارد، بـ «مشروع ضبط الأمن في محيط بيروت» وما هو المقصود بـ «محيط بيروت»، هل المقصود تل الزعتر أم برج حمود أم الضاحية الجنوبية لبيروت أم المخيمات الفلسطينية، وماذا يعني أن يساعد الأميركيون في تنفيذ الخطة (المسح والتدريب والتوعية)، وهل يمكن أن يطلع اللبنانيون على مضمون الخطة بعد سنة من وضعها موضع التنفيذ، خاصة أن الفريق الأميركي تعهد بانجازها في غضون ثلاثة أسابيع من تاريخ التوقيع الأول (في شباط 2009).
وفي انتظار الأجوبة، علمت «السفير» أيضا أن تقرير اللجنة الفنية التي شكلها وزير الاتصالات شربل نحاس، الذي سيقدم اليوم أيضا الى لجنة الاعلام والاتصالات، تبنى مضمون جواب وزير الاتصالات السابق جبران باسيل، لجهة اعتبار الاجابة من قبل شركتي الاتصالات الخلوية على الاستمارة الأميركية «نوعا من المس بالأمن القومي».
فضيحة الأدوية تتفاعل
الى ذلك، تفاعلت، امس، قضية شحنة الادوية الفاسدة الرابضة في مرفأ بيروت والتي كشفت عنها «السفير»، لما تؤشر اليه هذا الفضيحة المستجدة، معطوفة على فضائح أخرى، من انكشاف في الامن الصحي والاجتماعي للبنانيين، في وقت ما زالت أولويات السياسيين بعيدة عن «اولويات الناس» التي كانت الحكومة الحالية قد وعدت بإيلائها كل الاهتمام.
ومن المقرر ان يتم اليوم الكشف على محتوى الـ «كونتينر» المحمّل بالادوية المزورة التي تم استيرادها من باكستان، علما بان الجهة المستوردة كانت قد حاولت تمرير البضاعة في مرة سابقة من دون ان تفلح. وقد وجهت الجمارك دعوة لحضور عملية الكشف إلى كل من وزارة الصحة، لكونها الجهة المسؤولة، والمستورد «ر. ص.»، وشركة المرفأ، والوكالة البحرية التي تملك سفينة الشحن، مع الاشارة الى ان المعلومات تفيد بان الـ «كونتينر» يحوي 131صندوقا من الادوية المزورة.
وعلى خط مواز، أظهر تقرير الاهراءات في مرفأ بيروت وجود حشرات في حمولة باخرة القمح الاوكرانية، التي ما زالت بدورها تنتظر على رصيف المرفأ، علما بان التقرير المخبري الرسمي بصددها سيصدر اليوم، فيما أعلن وزير الزراعة حسين الحاج حسن خلال دخوله جلسة مجلس الوزراء أمس عن انه اصدر قرارا بترحيل باخرة القمح الفاسد وهو يبحث في كيفية تغريم اصحابها.
وقال الرئيس نبيه بري لـ «السفير» تعليقا على ضبط حمولتي الادوية والقمح الفاسدتين ان المطلوب الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بالامن الصحي والاجتماعي للناس، مشددا على ضرورة المعاقبة السريعة لكل من يتحمل مسؤولية تجاوز هذا الخط الاحمر، لان العقاب هو السبيل الوحيد للردع وإعطاء عبرة للآخرين، منبها الى وجوب عدم لفلفة هذا الملف الذي يجب ان يسلك دروبه القانونية والقضائية حتى النهاية، أيا تكن هوية المرتكبين ومن يغطيهم.
وأكد وزير الدفاع الياس المر ان أحدا لم يتصل به لتأمين تغطية سياسية للمتورطين في صفقتي القمح والادوية الفاسدتين، مشددا على انه لن يقبل أي مراجعة، فهناك قوانين يجب ان تطبق لأن هذه المواد سامة، وهؤلاء الأشخاص سيحاسبون أيا كانوا وأينما كانوا، وهذا الموضوع غير قابل للمراجعة، ولا يوجد أي دليل على غطاء سياسي من احد لهذا الموضوع.
وأكد وزير الصحة محمد جواد خليفة ان «الوزارة على علم بشحنة الأدوية الفاسدة منذ مطلع آذار الماضي، وان قيادة الجيش أبلغتها بالأمر منذ نحو أسبوع، وبموجب هذا التبليغ كلّفت الوزارة التفتيش الصيدلي الاطلاع على الموضوع، علماً بأن لا سلطة للوزارة بترحيل أي بضائع»، مشدّداً على «متابعة الموضوع بدقة».