ينظر القواتيون إلى هذه الأحداث الأخيرة بتهكّم حيناً وبامتعاض حيناً آخر، مقارنين بين تعاطي القوى الأمنية مع الإشكالات القواتية وتعاطيها مع الإشكالات التي تكون «برعاية» أو في مناطق سيطرة القوى الأخرى.
بالنسبة إلى معراب والمسؤولين فيها، بدأت الصورة تتوضّح شيئاً فشيئاً: المطلوب هو رأس القوات أو على الأقلّ «تركيعها»، وذلك من خلال الأداء الأمني والسياسي والإعلامي الموجّه. يشيرون إلى عشرات الاعتقالات في صفوف الشباب القواتي لقضايا «أكثر من سخيفة» في مناطق المتن وكسروان وجبيل، وإلى توقيف مسؤولين فيها لمجرّد «التنكيل السياسي»، كما حصل في تنورين، وإلى تضخيم أي إشكال يكون متورّطاً فيه قواتيون، وكان آخرها حادثة «عيون أرغش». وثمة تأكيد في الوسط القواتي لوجود محاولات سورية، عبر حلفائها الكبار والصغار، لعزل القوات وإبعادها عن الحلفاء والسياسة عموماً. ولم يعد هذا الأمر يقتصر على الشعور والتحليل، بل بات، بالنسبة إلى القواتيين، مقروناً بخطوات ومواقف شبه علنيّة عبّر عنها لبنانيون مقرّبون من
سوريا.
إلّا أنّ القواتيين يبدون واثقين بأن لا عودة إلى المرحلة الممتدة بين عامي 1993 و1994، ويعتقدون أنّ اليوم لا عزل القوات ولا القضاء عليها ممكنان. فيشيرون إلى أنّ القضاء والمحاكم والإعلام ليست ممسوكة من قبل الأجهزة، كما كانت في تلك
المرحلة.
ويتحدّثون بثقة عن ثبات تحالفهم مع الرئيس سعد الحريري وتيّاره، فيكررون في جلساتهم عبارات حليفهم المستقبلي، مثل «التحالف المعمّد بالدم»، و«وحده الموت يفرّقني عن حلفائي»، ويشددون على أنّ الحريري لن يقدّم أي تنازل يطال حلفاءه، ولن يرضخ لأي مطلب يدعوه إلى التخلّي عن الحلفاء، وأوّلهم رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية. وهو ما يدفع معراب إلى وضع المزيد من الثقة في علاقتها مع السعودية، إذ يشير قواتيون إلى أنّ العلاقة بالمملكة أكثر من ممتازة.
وينقل مطّلعون على أجواء الرياض ـــــ معراب أنّ المملكة متمسّكة بالعلاقة والتواصل وتقاطع المواقف مع القوات اللبنانية. وفي هذا الإطار، يشير مطّلعون على الأجواء إلى أنّ المسؤولين السعوديين عبّروا أكثر من مرّة عن هذا الأمر.
وينقل المطّلعون أنّ السعوديين رفضوا إيحاءات سورية عديدة بضرورة إبعاد الرئيس الحريري عن سمير جعجع، مضيفين أنّ المسؤولين السعوديين رفضوا الطرح السوري تلقائياً. مع العلم بأنّ المطّلعين على أجواء معراب يؤكدون وصول أكثر من رسالة إلى مقرّ رئيس الهيئة التنفيذية القواتية، مفادها أنّ سوريا ليست حاقدة على سمير جعجع ولا ترى مانعاً من حلّ العقبات، إلّا أنّ هذه الرسائل التي وصلت عبر زوار لبنانيين لسوريا، «من نواب ووزراء سابقين وحاليين»، لم تلقَ التجاوب القواتي اللازم. وكان ناقلو هذه الرسائل يؤكدون أن في مقدور المسؤولين السوريين تنسيق العلاقات مع القوات، مشددين بحسب المطّلعين على أنّ «علاقة سوريا بالنائب ميشال عون لا يمكن أن تكون عائقاً إذا كان هناك نيّة قواتية للتواصل مع سوريا». فردّ القواتيون، بحسب مقرّبين منهم، بأن العلاقة مع سوريا يجب أن تكون عبر المؤسسات، مؤيّدين زيارة سعد الحريري الوحيدة إلى دمشق، ومشيرين إلى أنّ الرئيس مثّلهم في ذاك اللقاء.
وفي سياق آخر، يؤكد مطّلعون على الأجواء السورية عدم علمهم بهذه الرسائل، مشدّدين على أنّ العلاقة بين دمشق ومعراب «مستحيلة، لأكثر من سبب ودافع». وفيما يرفض هؤلاء المطّلعون الإشارة إلى مكامن الخلل في إمكان إيجاد تواصل سوري ـــــ قواتي، أكد أمس الوزير السابق وئام وهّاب أن «القوات غير موجودة في الحسابات السياسية السورية كلاعب أساسي، وهي مجرد لاعب محلّي محدود القدرة، وسوريا لا تتخذ من القوات خصماً ولا ترى أن من يتّخذ «القوات» حليفاً هو عدوّ لها».
وفيما يوضح هذا الموقف «الوهّابي» أن سوريا لا تكترث ولا تتأثر بأي حركة قواتية، بما يعنيه أيضاً أن القوات غير جديرة بتنظيم حملة عليها، تجري نقاشات عديدة في المجالس المقرّبة من دمشق بشأن تأثيرات عمليات الضغط على القوات، إذا وُجد هذا الضغط. قسم يرى فيه خدمة مجانية لمعراب، إذ يصوّرها في قالب الفريق المضطهد، بينما قسم آخر يرى أنّ هذا الأمر لن يزيد القوات قوّة، لكون الجمهور بات يعرف تفاصيل المشروع القواتي وتاريخه، مشيرين إلى أنّ المسيحيين أكدوا في استحقاقات عديدة عدم انجرارهم وراء هذا الخيار.
لم يتبنّ أو يعترف أحد بعد بحملة على القوات اللبنانية، والأيام المقبلة كفيلة ببتّ هذا النقاش. لكن في المقابل ثمة من القواتيين من يؤكد: «لن نمضي في أي تسوية تعارض قناعاتنا»، ما يفتح الأبواب مجدداً على مشهد شبيه بمطلع تسعينيات القرن الماضي، لكون القوات لن تتمكّن من الصمود في وجه تسوية عامة يشارك فيها حلفاؤها المحليّون والإقليميّون. لتنحشر مجدداً في «بيت اليِك».