بعد توقف العدوان الإسرائيلي على لبنان صباح 14 آب 2006، واعتبار الرئيس السوري بشار الأسد في اليوم التالي أن «المقاومة تنتج الانتصار»، وانتقاده من سمّاهم «أشباه الرجال» في النظام العربي الرسمي، خرج في 17/8 /2006 رئيس الحكومة سعد الحريري (النائب حينها) ليشنّ هجوماً هو الأعنف له تجاه الأسد ونظامه، عندما رأى أن «خطاب الأسد خطاب نكران الجميل للعرب وخطاب التحريض على الفتنة في لبنان»، معتبراً أن «النظام السوري يتاجر بدماء أطفال قانا وغزة وبغداد ليستدرج الفتنة إلى لبنان وفلسطين والعراق، حتى بات قصر المهاجرين يستحق أن يُسمى قصر المتاجرين».
بعد مرور نحو ثلاث سنوات ونصف على ذلك الموقف، وما شهدته الفترة التي تلته من تطورات محلية وإقليمية غيّرت الكثير من مسار الأحداث والاصطفافات السياسية، رأى الحريري بعد زيارته الأولى إلى دمشق (20/12/2009) والتقائه بالأسد، في تصريح حمل أكثر من دلالة فسّرت باعتباره صفحة جديدة قد فتحت بين الطرفين، أنه «لم أرَ إلا كل إيجابية من قبل الرئيس الأسد في كل المواضيع التي تهم اللبنانيين والعلاقة بين البلدين. نريد بناء مستقبل أفضل بين البلدين، وأن نعمل على حل الأمور في ما بيننا بطريقة غير استفزازية، وإنما بكل هدوء وصراحة. يجب علينا أن نرى الجزء الملآن من الكوب لا العكس، وأن نعمل على حل الأمور بين بعضنا البعض بطريقة غير استفزازيّة».
هذا التبدّل في المواقف بفعل عامل الزمن وتقلب الظروف لم ينسحب على الحريري وحده، بل إن أغلب فريقه السياسي سار على المنوال نفسه، وإن كان بعضهم في مواقفه يطلق ضربة على الحافر وأخرى على المسمار، بشكل يعبر عن مدى الارتباك في تعاطيهم مع السوريين من جهة، ووجود تبادل أدوار داخل تيار المستقبل من جهة أخرى، مع أن بعض فريق الحريري حاول تفسير ذلك التناقض بأنه «ديموقراطية التنوّع الموجودة داخل التيار!».
النائب سمير الجسر مثلاً سار على المنوال نفسه. فهو أكد (7/3/2009) «أننا لسنا على عداء مع سوريا أو مع الشعب السوري، لكن نحن على خلاف مع النظام السوري، وجلّ ما نطالب به هو علاقة ندّيّة مع سوريا، علاقة متساوية أسوة بعلاقتها مع الأردن والمملكة العربية السعودية والعراق وتركيا». ورأى (5/2/2010) أن «لا مشكلة مع سوريا ومع الشعب السوري، لكن النزاع قائم بيننا وبين النظام السوري»، وأن «المسألة ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تجد جذورها العميقة، في نظام الوصاية، ومسألة التجديد والتمديد التي تُعدّ صيغة من صيغ الهيمنة على البلد».
لكن بعد زيارة النائب وليد جنبلاط إلى سوريا، رأى الجسر (6/4/2010) «نحن أصلاً في تيار المستقبل بادرنا إلى هذا الأمر انطلاقاً من قناعتنا بأن سوريا هي عمقنا الاستراتيجي ومجالنا الحيوي. وهذا الأمر لا نريده أن يقتصر علينا، بمعنى تحسين العلاقة بين سوريا والرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل، بل يجب أن يطال كل المكوّنات السياسية في لبنان».
النائب أحمد فتفت يعدّ مثالاً آخر أكثر وضوحاً على هذه النقلة. فهو كان قد شدد (28/11/2008) على أن «عزاءنا لن ينتهي قبل أن تعلن الحقيقة، ويعلن من قرر، من خطط ومن نفذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري».
لكن اللافت أن فتفت لم يسر في مواقفه على نحو تصاعدي، بل إنها كانت أشبه بالبورصة التي تشهد هبوطاً وتصاعداً حاداً خلال وقت قياسي. فخلال زيارته إلى أوستراليا (19/2/2009)، قال «لا مشكلة لنا مع سوريا، بل لدينا مشكلة سوريا مع لبنان، وحين تتطور نظرة النظام السوري إلى لبنان تتغير الأمور، لأنه لا يوجد عداء تاريخي مع سوريا ولأن ما يجمع البلدين أكثر مما يفرقهما»، قبل أن يصرح بعد ذلك بثلاثة أيام (22/2/2009): «نحن عرب ولا يزايدنّ أحد علينا. نحن من قاوم العدو الإسرائيلي بوحدة الشعب والحكومة والمقاومة سنة 2006. ونحن ضحّينا كثيراً من أجل القضية الفلسطينية العادلة لتحرير الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية وحق العودة، فيما سوانا في استكانة تشبه الموت لولا بعض الضجيج الإعلامي وهدوء على جبهة مرتفعات محتلة تشبه هدوء المقابر منذ سنة 1973»، مضيفاً: «يريدون الحرب والدمار في لبنان والهدوء في الجولان. يريدون المقاومة في لبنان كغطاء لمفاوضات يجرونها على ضفاف البوسفور مع إسرائيل. متآمرون يلبسون ثياب العفة القومية والإسلامية. أين كانوا يوم دمّر لبنان سنة 2006، بل أين كانوا حين ذبح الفلسطينيون في غزة لأسابيع خلت؟ كفى كذباً ورياءً. كفى عفة مزيفة».
لكن فتفت وفي موقف يعكس تحوّله في مواقفه المعلنة أخيراً، أشار (6/4/2010)، إلى أنه «لا مشكلة لدى القاعدة الشعبية لـ«تيار المستقبل» في تقبّل العلاقات الجديدة مع سوريا»، معتبراً أن «مؤشرات العلاقة بين الدولتين إيجابية جداً وخصوصاً في الزيارة الأولى للرئيس سعد الحريري إلى دمشق»، متوقعاً ظهور المفاعيل على الأرض بعد الزيارة الثانية».
ومع أن فتفت تجاهل وجود تململ في قواعد التيار من التوجه الجديد في العلاقة مع السوريين، فإن مسؤول اللجنة الخماسية في التيار أحمد الحريري لفت (7/4/2010)، إلى أنه «عند أي تحول سياسي يحصل تكون هناك مجموعة مقتنعة وأخرى نعمل على إقناعها، وما نلمسه من خلال التماس مع الجمهور أننا تخطينا مرحلة كبيرة في إطار صفحتنا الجديدة مع سوريا».
لكن توفيق سلطان الذي يعدّ أحد المقرّبين من الحريري، رأى في موقف لافت له، أثار تعليقات كثيرة دعت إلى «نبش» المواقف التي كانت تطلق تجاه السوريين تمهيداً لإعادة إطلاقها مواكبة للمتغيرات، (5/4/2010) أن «علاقة طرابلس بالداخل السوري والساحل السوري أكبر وأمتن من العلاقات المميزة المقننة بالاتفاقات بين البلدين، وهي تراهن على نهوضها من كبوتها لأن سوريا هي الرئة التي يتنفس منها الشمال، وهي إلى الأمس مكتومة الأنفاس».
الحريريً: سأزور دمشق قريباً
أكد الرئيس سعد الحريري، أمس، أنّ التطرّف والأسلحة النووية «تهديدان عالميان، والسبب وراءهما هو الفشل المستمر في إنهاء النزاع العربي ـــــ الإسرائيلي والظلم الكبير الذي لحق بالشعب الفلسطيني»، مشدداً على أنّ «الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تُظهر أنها مهتمة بتحقيق سلام عادل وشامل مع العالم العربي، رغم العرض الحقيقي للسلام الذي قدمته 50 دولة إسلامية وأكثر من 1,3 مليار عربي ومسلم، من خلال الموافقة على مبادرة السلام العربية».
كلام الحريري جاء خلال إفطار أقامه منتدى «نويفا إيكونوميا» الإسباني، على شرف الحريري، وحضره وزير الخارجية الإسباني، ميغيل أنخيل موراتينوس، ومجموعة من المسؤولين الإسبان. وأشار الحريري إلى أنّ تضييع فرص السلام يغذّي قيام متطرفين جدد «والقهر أرض خصبة للمتطرفين، ولا نستطيع الفصل بين محاربة الإرهاب والسعي إلى تحقيق العدالة والسلام والحرية». أضاف: «التحديات السياسية والتهديدات الأمنية العالمية التي نواجهها اليوم تتطلب حلولاً عالمية تتطلب بدورها تضافر الجهود والتعاون»، معتبراً أنّ «الفشل في تحريك عملية السلام هو قنبلة موقوتة وأكثر خطورة من تخصيب اليورانيوم».
ولفت الحريري إلى أنّ «قيادة إسبانيا لقوات اليونيفيل أمر عزيز على قلبنا، والعلاقة بين لبنان وإسبانيا تاريخية، وتشهد نقطة تحول من خلال اضطلاع إسبانيا بدور سياسي أكبر في لبنان، وعلينا العمل على تطوير العلاقات الاقتصادية بين بلدينا».
وبشأن محاولات إسرائيل تأخير تسلّم الجنرال ألبيرتو أسارتا قيادة اليونيفيل أجاب: «إن إسرائيل تحاول ألا تقوم بأي خطوة إلى الأمام تتعلق بعملية السلام»، معدّداً بعض الخطوات الإسرائيلية الاستفزازية، ومؤكداً تمسّك لبنان واحترامه للقرار 170صص1 وتطبيقه.
أضاف: «للمرة الأولى نرى أن الإدارة الأميركية تنظر بعناية إلى هذا النزاع، وقد عيّن الرئيس أوباما منذ اليوم الأول لتولّيه مهماته السيناتور جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط، وهو ما يمثّل إشارة واضحة على جدية أميركا بأن هذه الإدارة ملتزمة فعلاً بعملية السلام، وأشعر أن الرئيس أوباما هو الشخص المناسب لهذه المهمة وهو عاقد العزم على المضيّ في عملية السلام، لكنه في حاجة إلى الاتحاد الأوروبي». وشدد الحريري على أنّ كبح التجاوزات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين يتطلب «خطوات من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي... ويجب الضغط على إسرائيل عبر وقف بعض المساعدات لها».
وعن كلام وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، بأن هذا النزاع قد يؤدي إلى نشوب حرب، قال: «أعتقد أن الوزير المعلم لم يخرج ويدلي بهذا التصريح من دون سبب، إذ إن ما حصل هو أنه كانت هناك سلسلة تهديدات إسرائيلية ضد لبنان وسوريا والمنطقة»، مضيفاً إنّ أي بلد يُهدد سيردّ بالطريقة نفسها. وتحدث الحريري عن العلاقة بين لبنان وسوريا والمحادثات التي جرت مع الرئيس بشار الأسد. ورأى أنه «لدفع هذه العلاقة قدماً، نحن بحاجة دائماً إلى التعاطي مع هذه العلاقة بعيداً عن الإعلام لوجود مسائل حساسة ومهمة جداً بين البلدين، وأعتقد أن المسائل المشتركة التي نتفق عليها هي أكثر بكثير من تلك التي نتباين بشأنها».
أضاف: «لقد أظهر الرئيس الأسد إيجابية كبيرة جداً خلال المحادثات، وسأزور سوريا قريباً جداً للتوقيع على عدد من اتفاقيات التعاون بين البلدين، وسنطلق عملية ترسيم وتحديد للحدود، وأنا أؤمن بهذه العلاقة. لقد كان ذهابي إلى سوريا خطوة مهمة، وقد قمت بها لأنني أؤمن بأننا بحاجة إلى بناء علاقة أفضل بين البلدين، ونحن ملتزمون تماماً بهذه المسألة وأعدكم بأننا سنحقق ذلك». وعن الوضع الداخلي في لبنان، شدد الحريري على ضرورة الحفاظ على حكومة الوحدة الوطنية، مشيراً إلى وضع أولويات الناس في مقدمة اهتمام هذه الحكومة.
وظهراً، لبى الحريري دعوة إلى مأدبة غداء أقامتها على شرفه غرفة التجارة والصناعة واتحاد المستثمرين الإسبان، فأعاد الحريري التشديد على ضرورة التعاون الاقتصادي بين البلدين، فقال: «تهدف زيارتي إلى تعزيز العلاقات القوية القائمة بين بلدينا، وقد تعززت هذه النظرة خلال الاجتماعات التي عقدناها مع المسؤولين. وجرى الإعراب على نحو واسع عن وجود مصلحة في مزيد من التعاون بين القطاعين العام والخاص في كلا البلدين». وأشار الحريري إلى أنّ الاقتصاد اللبناني «استطاع تخطي الظروف السياسية والأمنية الصعبة، إضافة إلى التحديات الخارجية التي فرضتها الأزمة المالية العالمية». ولفت إلى وجود «تحسن ملحوظ على صعيد الاقتصاد الكلي مع ازدياد التدفقات الخارجية والمحافظة على الاستقرار في الأسعار». واستفاض الحريري في الحديث عن إعادة هيكلة القطاع العام ومؤسساته، معتبراً أنّ «الهدف الأساس من سياستنا الاقتصادية الجديدة هو الحفاظ على الأداء الاقتصادي القوي ومعدلات النمو المرتفعة». وتوجّه إلى رجال الأعمال الإسبان بالقول: «لبنان هو بوابتكم المثالية نحو المنطقة، ونحن نرحّب بتجربتكم ومعرفتكم وإبداعكم».