أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

آخر رهانات إسرائيل: المحكمة الدوليّة

الإثنين 12 نيسان , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,606 زائر

آخر رهانات إسرائيل: المحكمة الدوليّة

في الوقت نفسه، لا تريد المواجهة ولا ترغب فيها، لكنها ستسعى إلى احتواء المقاومة من خلال بدائل غير عسكرية، ومنها المراهنة على المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لم تعد الحرب على لبنان خياراً إسرائيلياً سهلاً. تدرك تل أبيب أنّ قرار الحرب من عدمه، لم يعد مركّزاً على قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق الأهداف المرسومة للحرب، أو الخروج بانتصار أو شبه انتصار حيال المقاومة. باتت تل أبيب تدرك، أكثر من ذي قبل، أنّ قرار الحرب مرتبط أيضاً بحسابات الربح والخسارة، وقدرة إسرائيل على تحمّل أثمان أيّ مواجهة مع حزب الله.

ما تجمّع لدى المقاومة من قدرات عسكرية نوعية، جرى الإعلان بصورة غير مباشرة عن جزء منها في الفترة الأخيرة، من شأنه أن يقلّص خيارات إسرائيل العدائية، ويدفعها إلى الإقرار، كما أقرت بالفعل، بـ«وجود ردع فاعل ومتبادل» بين الجانبين، وحديث المصادر العسكرية الإسرائيلية قبل أيام يشهد على ذلك: «تخشى تل أبيب تعاظم قدرة حزب الله، وتعمل على ألّا تصل الأمور إلى مواجهة بينهما، فالقوة التدميرية التي تجمّعت (في لبنان)، أوجدت بين الجانبين توازن ردع» غير مسبوق.

واعتراف تل أبيب بالردع المتبادل، يعني من ناحية عملية، أنّ هامش المناورة والقدرة الموجود لدى الجيش الإسرائيلي، الذي يُفترض به أن يمكّنه من شن اعتداءات على لبنان، بات مقلّصاً أكثر بكثير من ذي قبل... ما يدفع تل أبيب إلى الارتداع عن لبنان، ويمنعها من تفعيل خيارات نظرية، كانت تظن في مراحل سابقة، أنها قادرة عليها ضد المقاومة، ومن ضمنها آخر النظريات «الحربية»، المتمثّلة بالتهديد باستهداف البنية التحتية للبنان، وهي النظرية التي أُحبطت أخيراً، في أعقاب المعادلة الردعية الجديدة: ضرب البنية التحتية الإسرائيلية بما يشمل المنشآت العسكرية، رداً على ضرب البنية التحتية اللبنانية.

لكن هل يعني قصور إسرائيل العملي عن شن اعتداء على لبنان، أن تلتزم بعدم الحراك الفعلي ضد المقاومة؟ بالتأكيد لا. ستسعى إسرائيل إلى السير بين الخطوط الحمراء التي فُرضت عليها، وهذا واضح من خلال ما تقوم به إلى الآن، رغم أنّ مستوى الحافز لشن اعتداءات مرتفع لدى تل أبيب إلى حدود غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه، ستسعى أيضاً إلى العمل ومحاولة كسر هذه الخطوط، وهذا ما تحاول القيام به كما يرشَح من الأنباء المقتضبة في الآونة الأخيرة. بمعنى، أنها ستسعى إلى معالجة مكامن الخلل لديها، إن استطاعت ذلك، في موازاة العمل على إيجاد السبل الكفيلة بكسر مكامن القوة لدى المقاومة أو تحييدها، وخاصةً النوعية منها... أيضاً يعني ذلك، أن أساس الجهود الإسرائيلية ضد المقاومة في هذه المرحلة، تحديداً، تتّسم بكونها جهوداً استخبارية بامتياز.

في هذا الإطار، تبرز أهمية العمل على كشف شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان، إذ إنّ تفكيك هذه الشبكات، يسهم في إضعاف القدرة الإسرائيلية على الحرب الابتدائية، فالمنسوب المرتفع من المعلومات الاستخبارية التي قد تتجمّع لدى إسرائيل عن القدرات النوعيّة للمقاومة، ومن ثم الظن بالقدرة على استهدافها قبيل أيّ عدوان تقرّر إسرائيل أن تشنّه على لبنان أو خلاله، قد يدفعان تل أبيب إلى الاعتقاد أنّ الأثمان المقدّر أن تدفعها في الحرب المقبلة محدودة ومحمولة نسبيّاً قياساً على ما مضى، ما يغري صاحب القرار الإسرائيلي، بشن عدوان على لبنان، هو قاصر عنه حالياً.

يعني ذلك، أنّ لكشف شبكات التجسس الإسرائيلية، أهمية مضاعفة في هذه المرحلة عن أيّ مرحلة سابقة، ما دامت المواجهة بين الجانبين باتت حرباً استخبارية، والغلبة فيها تحدّد بالفعل من في يده الأوراق الفاعلة والمؤثّرة التي تمكّنه من شن الحرب ـــــ من جهة إسرائيل، أو صدّ الحرب ومنعها، من جهة المقاومة.

في موازاة الجهود الاستخبارية ضد المقاومة، كمقدمة ضرورية لأيّ حرب ضدها، تواصل إسرائيل مساعيها للبحث عن بدائل غير عسكرية، في «الوقت المستقطع» إلى حين تحقّق الجهوزية المفروضة من ناحية عملية، لشن اعتداءات على لبنان. من بين هذه البدائل، إشغال المقاومة في ساحتها الداخلية، وإرباك كل ما يرتبط بمنابع القدرة لديها.

راهنت إسرائيل في السابق على إضعاف حزب الله نتيجةً للانقسام الداخلي الذي أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، وكان الأمل قائماً ومعلناً إسرائيلياً، أن تستطيع بعض القوى اللبنانية، التي سارعت إلى التموضع ضد المقاومة، احتواء حزب الله أو حتى اجتثاثه... لكن النتائج كانت مخيّبة لآمال هذه القوى، ولإسرائيل بطبيعة الحال... تلقّت تل أبيب في هذا الإطار خيبتَي أمل واضحتين:

الأحداث الشهيرة في السابع من أيار عام 2008، التي ذكّرت كل الأطراف في الداخل وفي الخارج بحدود القدرة المقلّصة جداً لدى أعداء حزب الله، في الساحة الداخلية اللبنانية، وما يمكنها فعله باتجاه ضرب المقاومة أو إرباكها؛ أمّا خيبة الأمل الثانية، فكانت في أعقاب نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي خسرتها المعارضة، والتي عادت وثبّتت عدم إمكان ضرب حزب الله داخلياً أو إرباكه، مهما كان توزع ميزان القوى الشكلي، ومراكز الاطراف في الحكم أو في المعارضة.

آخر تطلّعات إسرائيل في مشاغلة حزب الله، كما برز أخيراً، التطلع إلى المحكمة الدولية الناظرة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والأمل أن تمثّل أداة مشاغلة فاعلة ضد حزب الله... إذ ترى تل أبيب، كما يعتقد آخرون أيضاً، أنّ المحكمة هي أحد الخيارات البديلة عن الخيارات العسكرية، وهي خيار مغرٍ بناءً على تعقيداتها وحساسيتها في الساحة الداخلية اللبنانية، ما يعني المراهنة عليها في أن تسبّب إرباكاً لحزب الله وحرفاً لأولوياته، على نقيض من صيغ ومشاريع المشاغلة الداخلية الأخرى، التي لم تنتج سوى خيبات أمل.

قد يكون التنبّؤ القائم على معلومات مسبّقة، هو الذي مكّن القناة الأولى الإسرائيلية في التلفزيون الإسرائيلي، قبل أيام، أن «تجزم» باتجاهات التحقيق لدى المحكمة الدولية، فبحسب تقرير أعدّته القناة بتاريخ 01/04/2010، في أعقاب الحديث عن «استدعاء شهود من حزب الله»، فإن «قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، خرجت لتطرق باب حزب الله في هذه المرحلة، وفي توقيت غير مريح بالنسبة إليه... وإذا جرى إثبات براءة سوريا من تهمة الاغتيال، لغياب الأدلّة، فإن كلّ الاتهام سيسقط على حزب الله، ولبنان سيكون في مهبّ الريح...»، أي إمّا سوريا هي المتّهمة، وإما حزب الله، ولا ثالث لهما.

إذاً فإن الأمل في تل أبيب، والتنبؤ والمعلومات المسبّقة، تشهد أنّ الاتهام «سيسقط على حزب الله»، والنتيجة المتوقّعة إسرائيلياً، هي «خراب لبنان». هذه هي المراهنة الإسرائيلية الحالية، في غياب الحل العسكري لمعضلة المقاومة.

لكن هل «التنبّؤ والأمل» باتهام حزب الله، بديل مؤقت لليأس في المدى المنظور، عن شن حرب واسعة يمكن المراهنة عليها إسرائيلياً، لإنهاء حزب الله والقضاء عليه، أم أنّ الاتهام، في حال حصوله، مقدّمة ضرورية لأصل الحرب والمواجهة المقبلة مع المقاومة...

يمكن القول إن تل أبيب تراهن على اتهام المحكمة نتيجةً لليأس وعدم القدرة على تحقيق الأهداف ضد حزب الله بطريقة مباشرة وبوسائل عسكرية، لكن في الوقت نفسه، وعلى المدى البعيد، يخدم الاتهام الوجهة الثانية، إذ يمكن إسرائيل أن تراهن على أنّ اتهام المحكمة سيهيّئ الأرضية لشنّ اعتداء واسع النطاق من جانبها على حزب الله، في مرحلة لاحقة، قد ترى تل أبيب أنها باتت خلالها قادرة بالفعل على المواجهة العسكرية المباشرة مع المقاومة.

Script executed in 0.18489599227905