تملك شركة طيران الشرق الأوسط، التي يملك مصرف لبنان المركزي نحو 99% من أسهمها، ثلاث شركات، هي: الشرق الأوسط لخدمة المطارات (meas)، الشرق الأوسط للمناولة الأرضيّة (mig)، والشرق الأوسط لخدمات الطائرات (masco). لكل واحدة من هذه الشركات قصصها مع الفساد، وأبرزها قصة الـ meas.
أنشئت هذه الشركة (meas) عام 1998، وتمتعت ـــــ بحكم واجباتها وحقوقها ـــــ بطابع أمني، فهي المسؤولة عن كاميرات المطار وسنتراله وضبط المداخل والمخارج ومراقبتها، ما حوّلها مع تصاعد الدور الحيوي للمطار إلى خزان رئيسي للمعلومات. وقد عُيّن العميد المتقاعد أسامة دمج أول رئيس لمجلس إدارتها ومديراً عاماً يتبع مباشرة لرئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط، محمد الحوت. وعيّن كل من النائب غازي يوسف ونبيل نصّار وشوقي قازان أعضاء في مجلس الإدارة. وجرى التعاقد مع ستة مهندسين من خارج ملاك الشركة لترؤس الدوائر التقنية. فيما تركزت إدارة هذه الشركة عملياً في يد العميد دمج ومدير العقود والمشاريع، سعيد بلعة.
عام 2003 اختلف العميد دمج مع الحوت بشأن آلية الدفع لمتعهد أعمال النظافة طوني سعادة، فقدم استقالته ليخلفه نبيل نصّار الذي توفي بعد نحو 5 سنوات. فاستفاد الحوت من انهماك البلد بالانتخابات ليعيّن النائب غازي يوسف رئيساً لمجلس إدارة شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات ومديراً عاماً، علماً بأن يوسف نائب ولا يحق له وفق نظام مجلس النواب شغل منصب كهذا. وأضاف الحوت في الوقت نفسه عضوين إلى مجلس الإدارة، هما صلاح عيتاني القريب من تيار المستقبل، وجورج معوض القريب من القوات اللبنانية.
واللافت هنا أن عيتاني الذي يقضي معظم وقته خارج لبنان، فوّض إلى غازي يوسف الإنابة عنه في مجلس الإدارة. واستكملت تلك التعيينات بتعيين الحوت ويوسف الموظف محمد شاتيلا مديراً للمشاريع في شركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات، وفوّضوا إليه الإدارة العملية للشركة. ويتردد في الشركة، بين الموظفين، أن يوسف أعطى ختم المدير العام لشاتيلا الذي أشرف خلال العام الماضي على انطلاقة مرحلة جديدة في الشركة على مستويي التوظيف والهدر.
فقد وظّف نسيب أبو حمد (يتجاوز عمره الخامسة والسبعين) بأجر يبلغ أربعة ملايين وخمسمئة ألف ليرة، من دون تحديد واضح لماهية وظيفته. ووظف بدري الحاج بصفة سكرتير مدير المشروع بأجر يبلغ ثلاثة ملايين وسبعمئة وخمسين ألف ليرة، وجهاد حبوش لقاء الأجر ذاته للقيام بوظيفة غير محددة أيضاً. يضاف إلى هؤلاء، أمين محمود (مليون وخمسمئة ألف ويعمل مراقباً للحمالين)، ملاك الزخوري (مليون ومئة ألف ويعمل تقنياً مسؤولاً عن الإسعافات الأولية)، محمد نوفل (مليون ليرة ويعمل مراقباً للحمالين)، عمر شحادة (850 ألفاً ويعمل مغيّر محابر). إضافة إلى نحو عشرين موظفاً تفيد بيانات توظيفهم بأنهم يعملون في السنترال والحراسة وتشغيل الجسور المتحركة. فيما يؤكد بعض الموظفين القدماء في المؤسسة أن وظائف هؤلاء وهمية، وتوظيفهم بمثابة تنفيعة انتخابية.
ويلاحظ هنا أن كلاماً طائفياً حادّاً يتردد على ألسنة الكثير من الموظفين، ويبدو واضحاً التوتر على خلفية طائفية في علاقة الموظفين بعضهم ببعض. حيث يردد بعض الموظفين المجاهرين بانتمائهم إلى الطائفتين الشيعية والمسيحية أن ثمة قراراً لتفريغ الشركة من كل من لا ينتمون طائفياً (أو سياسياً) إلى الطائفة السُّنية. ويروي أحد الموظفين في هذا السياق أن شركة الـifc التابعة للبنك الدولي أعدت دراسة قبل سنوات لإصلاح شركة طيران الشرق الأوسط، فاقترحت تخفيف الأعباء عن الشركة عبر الاستغناء عن أصحاب الأجور العالية، وإبعاد غير المنتجين وإعادة هيكلة الإدارة. لكن، بعد نحو 10 سنوات، يتبين أن الأخذ بنتائج الدراسة ترجم صرفاً لنحو 600 موظف شيعي، 500 موظف مسيحي، 200 موظف سُني و150 موظفاً درزياً، تمهيداً لإعادة توظيف أو تعاقد مع نحو 1400 موظف، معظمهم من الطائفة السُّنية أو مقربون جداً من تيار المستقبل. والأسوأ، يقول أحد الموظفين، هو تآكل حقوق الموظفين في شركات طيران الشرق الأوسط. وبحسبه، أسقطت كل حقوق الموظفين، سواء بالزيادات السنوية أو بالإجازات أو بالتدرج الوظيفي أو بزيادة الأجر 8% كل سبع سنوات، ولم يعد هناك حماية معنوية للموظفين الذين يخافون على رؤوسهم إذا تصدّوا لأيٍّ من النافذين في الشركة.
هذا على صعيد التوظيف، أما الفساد في الشركة فيبدأ من أن كل المديرين في شركة طيران الشرق الأوسط والشركات المنبثقة عنها يستعملون سياراتهم، إلا محمد شاتيلا الذي استأجر لنفسه سيارة تبلغ كلفة إيجارها 1600 دولار شهرياً (بلغ مجموع فواتير البنزين التي تدفعها الشركة العامة لسيارة شاتيلا تسعمئة وستين ألف ليرة في شهر أيلول 2009، وفق فواتير موثقة). وفي موضوع استئجار السيارات أيضاً، استأجر شاتيلا للشركة 12 سيارة بكلفة 750 دولاراً للسيارة الواحدة، فيما القسط الشهري لهذا النوع من السيارات لا يتجاوز مئتين وخمسين دولاراً إذا ما اشتُريت.
ولدى أحد الموظفين كدسة كبيرة من الفواتير التي تظهر أن شركة meas تكلف إحدى الشركات الخاصة، أعمال صيانة للمخازن وإزالة المخالفات والأحجام الصلبة من دون الحصول على إذن من دار الهندسة أو مجلس الإنماء والإعمار أو الطيران المدني، خلافاً للقانون. والبارز في هذه الفواتير التي تتراوح مبالغها بين أربعة عشر ألف دولار وعشرين ألفاً أنها تظهر إزالة للأحجام الصلبة من أرض المطار على نحو شبه يومي. ولدى أحد الموظفين كدسة أخرى من الفواتير لأعمال يؤكد أنها لم تنفذ أبداً.
وإذ يجمع بعض الموظفين المعطيات في انتظار يوم الحساب، يبرزون مثالاً على عملهم الجدي: استدرجت شركة طيران الشرق الأوسط لخدمة المطارات عرضاً من شركة «إكسبرسو» الألمانية على العربات المخصصة لحمل الحقائب، فأبدت الشركة استعدادها لتوفير 500 عربة لمطار بيروت بكلفة تبلغ 250 يورو للعربة الواحدة، فسارعت «الشرق الأوسط» إلى الموافقة على العرض.
وسرعان ما ادّعى بعض الموظفين في رسالة للشركة نفسها أنهم شركة من جنوب أفريقيا، وطلبوا نوعية العربات نفسها التي طلبتها شركة طيران الشرق الأوسط لخدمة المطارات، فأتى رد الشركة الألمانية بأنها مستعدة لتوفير 350 عربة بكلفة تبلغ 200 يورو للعربة الواحدة. ولدى أحد الموظفين في الشركة مراسلات موثقة بهذا الخصوص.
يشار هنا إلى أن بعض الموظفين الذين يجمعون هذه المعطيات يجهلون أين يذهبون بها، وخصوصاً أنه لا شيء يردع من في موقع الاتهام عن طردهم من العمل، واتهامهم لاحقاً بأنهم يكيلون الاتهامات لأسباب شخصية ولأنهم طردوا من وظائفهم بسبب فسادهم. وكان النائب غازي يوسف قد حاول استيعاب احتجاج بعض الموظفين على هدر الأموال في شركة طيران الشرق الأوسط للخدمات عبر إبلاغهم نيته تكليف شركة تدقيق النظر في الاتهامات.
لكن سرعان ما تبين أن يوسف طلب من شركة Deloitte & Touch، المتخصصة أصلاً في التدقيق بالحسابات (التي لم يتبين لها في السنوات القليلة الماضية حصول أي هدر في شركة طيران الشرق الأوسط)، وضع تصور جديد لهيكلية الشركة، بما في ذلك إعادة النظر في مهمات رؤساء الدوائر ومسؤولياتهم وكيفية التنسيق والعمل في ما بينها، ما أثار امتعاض بعض الموظفين الذين استغربوا كيف يطلب من شركة تدقيق في الحسابات أن تضع تصوراً جديداً لهيكلية الشركة، وسألوا عن الرابط بين اتهامهم بعض المسؤولين بإهدار المال العام والهيكلية الجديدة. ما اضطر يوسف، في 22 شباط 2010، إلى إعادة تكليف الشركة نفسها التدقيق في «جميع حسابات شركة الشرق الأوسط لخدمات المطارات وفواتيرها ابتداءً من 1 كانون الثاني 2009 والتدقيق في صحة تسلم الأعمال والالتزامات التي جرت خلال هذا العام لجهة تنفيذها». لكن المفارقة الجديدة هذه المرة، بحسب أحد الموظفين في الشركة، كانت تنسيب معظم المتهمين بالفساد إلى لجنة التدقيق.
خضار وبطاقات مجانيّة وسيارة مصفّحة
قبل نحو ثلاثة أسابيع شكت شركة طيران الشرق الأوسط إلى القوى الأمنية سرقة موظف يعمل في تحميل الطعام في الطائرات بضعة كيلوات من الخضار، فأوقف هذا الموظف وهو يقبع في سجن رومية منذ نحو أسبوع ينتظر المحاكمة.
هذا الحرص من الشركة على البندورة والخيار وأرغفة الخبز تقابله لامبالاة تجاه هدر بملايين الدولارات، يبقى المسؤولون عنه من دون محاسبة لتمتعهم بالنفوذ. فقد أهدى رئيس مجلس الإدارة ـــــ المدير العام لشركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت، إلى حاكم مصرف لبنان سيارة BMW مصفحة ضد الرصاص يبلغ ثمنها 410 آلاف دولار دفعت من أموال الشركة (وفق شيك مسحوب من البنك اللبناني الكندي، رقمه 5013 وسحب بتاريخ 20/2/2008).
وبالتالي، ذهبت أموال من الشركة كان يفترض أن تحول إلى المصرف المركزي إلى شراء سيارة لحاكم المصرف، علماً بأن الهدر في الشركة الرابحة من أعلى الهرم إلى أسفله. فحين يكون المتهمون بالسرقة مقربين من تيار المستقبل، كما حصل مع ثلاثة من أربعة اتهموا ببيع بطاقات تسهّل لمن يشتريها الحصول على رحلات مجانية، يطلب منهم الاستقالة بدل محاسبتهم لاستعادة الأموال التي حصّلوها على حساب الشركة.