اتفق المشاركون على أن هذه «الأساسيات» تحتاج إلى «إجراءات» تعهدوا أن تتبلور قبل الذكرى الـ٣٦، علماً بأن هذه الأساسيات ليست جديدة، واستخدامها في الأدبيات المدنية يعود إلى ما قبل الحرب الأهلية.
ليس بعيداً عن مجلس النواب، وفي المنطقة الواقعة بين الكنائس والمساجد المحيطة بعقارات شركة سوليدير، تحلم ألكساندرا عسيلي بإنشاء «حديقة السماح والغفران». هناك، يمكن «الموجوعين كافّة أن يصلوا ويرتاحوا ويسامحوا ويغفروا»، تقول عسيلي في اللقاء الذي جمع عدداً من الجمعيات المدنية بمبادرة من «تجمع وحدتنا خلاصنا»، أطلقت خلاله وثيقة «أساسيات تحصين السلم الأهلي في لبنان»، من قاعة مكتبة المجلس النيابي.
لكن منسقة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، وداد حلواني، لا تزال تسعى إلى تحقيق حلم آخر يراودها منذ ٣٥ عاماً تاريخ اندلاع الحرب الأهلية. حلواني فسّرت حلمها أمس على شكل سؤال إلى عسيلي خلال النقاش الذي أعقب التوقيع على الوثيقة من جانب ٣٨ جمعية وحركة مدنية. «هل تعتقدين أن الحرب التي أخذت زوجي ولم ترجعه إلى اليوم تجعلني قادرة على الذهاب إلى حديقة الغفران؟ هل سأغفر؟ يمكن أن تكون عظام العديد من الضحايا مطمورة تحت هذه الحديقة. أنا راغبة في التسامح، لكني لن أسامح من دون أن أعرف الحقيقة، والعمل الجاد للمسامحة والغفران يجب أن يصبّ باتجاه الضغط لكشف مصير المفقودين، لبنان الرسمي أعلن أنه ليس هناك مفقودون، بل مقابر جماعية، والمطلوب اليوم هو أن نتعامل بإنسانية مع هذه المقابر ليتحقق الحلم».
يعكس النقاش بين عسيلي وحلواني أن أساسيات تحصين السلم الأهلي لا يمكن أن تبدأ بوثيقة، بل من مسار آخر يرفض الجميع سلوكه.
الوثيقة التي تلاها المحامي زياد خالد هي «نتاج أشهر من العمل والتعاون»، بحسب بيان تجمع «وحدتنا خلاصنا»، وهو يهدف إلى بناء لغة وأهداف مشتركة بين جمعيات وهيئات المجتمع المدني في لبنان، والعمل على أساسها لتحصين السلم الأهلي في لبنان، وإلى تفعيل مساهمة المجتمع المدني في نشر أساسيات الوثيقة، ومتابعة الخطوات العملية الرامية إلى تطبيقها، والمشاركة مع صناع القرار في مناقشة السبل العملية لتحصين السلم الأهلي، كمساهمة مدنية في مسيرة بناء السلم الأهلي الدائم، ومعالجة آثار الماضي وتحقيق المصالحة الحقيقية.
وقد أعلنت الجمعيات المشاركة أن بنود «الوثيقة» ستكون من ضمن برنامج عملها الوطني مع المعنيين، فيما لفتت حسانة جمال الدين إلى أن المطلوب في ١٣ نيسان ٢٠١١ إنجاز ترجمة الأساسيات التي تضمنتها الوثيقة إلى آليات، وأن هذا الأمر يحتاج إلى سنة من العمل الجاد.
بدوره، لفت مكرم عويس منسق حملة «وحدتنا خلاصنا» إلى أن هذه الوثيقة مطلوبة اليوم، ما دام هناك أب لبناني يوصي ولده بعدم شراء شقة في منطقة معينة لأنه لا يوجد أحد ليحميه هناك في حال اندلاع حرب جديدة. أما أسعد الشفتري، صاحب الدور الأساسي في إطلاق الوثيقة، فأكد لـ«الأخبار» أن التوقيع عليها سيتوسع، وأن المطلوب هو تعميم النقاش الجاد حول سبل تحصين السلم الأهلي في المدارس والجامعات ومختلف القطاعات لأنه مسؤولية جماعية ومجتمعية يتحملها جميع الأطراف وبرعاية دستورية وقانونية.
قراءة سريعة في نص الوثيقة تبين أنها لا تختلف عن مئات النصوص السابقة من «التمسك بمبدأ الوحدة بين جميع أطياف الشعب اللبناني كخيار حضاري لا غنى عنه» إلى «احترام الاختلاف في الرأي وتأكيد التعدد والتنوع كعنصر إيجابي في تحصين السلم الأهلي». مروراً بـ«إصلاح النظام السياسي والإدراي واعتماد طرق الديموقراطية الحقة ومبادئها».
قانون الانتخابات شملته الوثيقة بعطفها، فطالبت، كالعادة، بأن يكون «عادلاً ويحفظ حقوق الجميع في التمثيل الصحيح».
عدنان ملكي ممثل الجمعية اللبنانية لديموقراطية الانتخابات الذي وقع على الوثيقة، أعاد التذكير بأنه لا قيمة عملية للمطالبة بقانون عادل بوجود طبقة سياسية تتقاذف الإصلاحات الانتخابية بين مجلسي الوزراء والنواب، ومن ثم ترميها في الأدراج. وسأل كيف يمكن أن تكون المحاسبة الانتخابية جزءاً من أساسيات السلم الأهلي؟
ومن تفعيل دور المؤسسات الدستورية وأجهزة الرقابة والمحاسبة إلى التصدي لظاهرة الفساد الإداري والمالي واعتماد الشفافية، إلى الإصلاح الاقتصادي والإنماء المتوازن مروراً باعتماد قانوني عصري للأحزاب ينظم طبيعتها الديموقراطية والتعددية ومراقبة تمويلها وإنفاقها. مصطلحات لا يكاد يخلو تعليق سياسي أو مقال رأي من ذكرها، عدّتها «الوثيقة» من أساسيات السلم الأهلي، وطالبت بتمكين الشباب اللبناني من أخذ المبادرة في تنفيذها.
جمعيات عديدة وقّعت على الوثيقة تبدو خارج السياق العام للعمل الأهلي، ولا تنشط إلا في ذكرى الحرب الأهلية، ومنها حركة التسلح الخلقي التي قال ممثلها في اللقاء، علي زعرور، إن «تحصين السلم الأهلي يكمن في تفعيل المواطنة وتطوير السلوك الفردي باتجاه اعتناق مبادئ المحبة والصدق والطهارة ونكران الذات».
فيما شملت التواقيع حركات عدة منها حركة اللاعنف، حركة لنلتقي، وحملة إلى السلام سر. واللافت أيضاً، توقيع الوثيقة من جانب مؤسسة «أديان» التي نظمت أخيراً لقاء جمع رجال دين مسلمين ومسيحيين في كنيسة سيدة الجمهور للاحتفال بعيد سيدة البشارة الذي أقره مجلس الوزراء عيداً وطنياً موحداً لجميع اللبنانيين.
وتحدّثت الوثيقة عن «الحد من السلوك الطائفي»، ما يعني عملياً الاعتراف بأن السلوك الطائفي هو جزء من أساسيات السلم الأهلي وفق وجهة نظر الحرصاء عليه، وأن أقصى طموحهم هو الحد منه. أما موضوع البحث عن مدخل لإلغاء الطائفية السياسية، ورغم وروده في دستور الطائف، فهو خارج نقاش حتى المجتمع المدني الذي التقى تحت قبة البرلمان أمس.
عطفاً على موضوع الطائفية، خلت الوثيقة من أي إشارة إلى رجال الدين ودورهم في تحصين السلم الأهلي، علماً بأنها تضمنت فقرة تطالب «بنبذ العنف والتشدد في معالجة ظاهرة انتشار السلاح الفردي بين المدنيين». لكن هذه الفقرة بدت مستعصية التطبيق أخيراً بعد تصريحات من قبيل: «علينا جميعاً أن ندافع كل واحد منّا عن حقّه».