هو الوقت و«ضيقه»، والرهانات «الخاسرة» على تأجيل «محتّم» للانتخابات البلدية التي ستجعل من المعارك المتوقعة في قضاء الـ 45 بلدية، لا تشبه مثيلاتها في العامين 1998 و2004.
منذ قرع الجرس البلدي، استعجلت القوى السياسية في قضاء بعبدا للملمة «ما تيسّر» من عوامل التماسك لمواجهة الخصم «المفترض»، في انتخابات يصعب فيها، أقله حتى الآن، تحديد «ثوابت المواجهة» واعتماد معيار موحّد للفرز بين الحليف والخصم.
فالمعركة التي قد تكتسب طابع «تكسير الرؤوس» بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»، في بلدية «الحدث» مثلاً، قد تتحوّل في الحازمية الى رقصة «تانغو»، ينسّق فيها «العوني» و«القواتي» خطواتهما تحت شعار «الضرورات العائلية»... والنفوس المحقونة حتى حافة الانفجار في الشياح، على خلفية الصراع العائلي ـ السياسي بين «الغاريوسيين»، النائب ناجي غاريوس والمرشح السابق للانتخابات النيابية ادمون غاريوس قد تنفّسها، في ربع الساعة الأخير الذي سيسبق فتح صناديق الاقتراع، «إبرة» التوافق «المخدّرة»، فيلتقي الخصمان اللدودان على اللائحة نفسها، باسم التوافق «الآتي من فوق»...
لا يشبه استحقاق الثاني من أيار 2010 في قضاء بعبدا المشهد البلدي قبل ست سنوات. فقط خلافات البيت المسيحي قد تكون القاسم المشترك الوحيد، من الساحل، المسيحي والشيعي، وصولاً الى بلدات قرى الجبل المختلطة.
في استحقاق 2004، حضرت بقوة مصطلحات «لوائح السلطة والمعارضة»، ومعارك «إثبات الوجود» الذي شكّل «التيار الحر» عمودها الفقري، وسقوط التفاهمات ومحاولات الائتلاف بين «أمل» و«حزب الله» في الضاحية الجنوبية، والخلافات الدرزية ـ الدرزية... تراكمات و«انقلابات» المرحلة السابقة، أرخت بثقلها على بلديات القضاء السائرة اليوم بقوة عناوين الأمر الواقع نحو تكريس ثلاث معادلات أساسية:
ـ توافق شيعي ـ شيعي في بلديات الضاحية، سينسحب تنسيقا مع الرابية، يعطي للعماد ميشال عون كلمة الفصل في بلديتيّ حارة حريك والمريجة المسيحيتين.
ـ توافق درزي ـ درزي في قرى القضاء، سيتفرّع عنه وفق المتداول «مشاريع تحالف» فوق الطاولة بين محوري جنبلاط ـ ارسلان وبين «التيار الحر»، وأخرى قد تفرض تعاون الحد الأدنى مع «القوات اللبنانية». وسيفرض الثقل المسيحي لكل من هذين الطرفين نفسه على طاولة الخيارات التحالفية لـ«وليد بيك» مع أرجحية لـ«التيار».
ـ موزاييك مسيحي عنوانه العام «كسر عظم»، أما تفاصيله البلدية الصغيرة فقد تحمل «بذور» تحالفات ظرفية هجينة، بين الأضداد، تفرضها حيثيات المواجهة مع الخصم، والحساسيات العائلية التي تحتل موقعاً متقدماً على «خارطة الطريق» البلدية.
حتى الساعة، ثمة مؤشرت مقلقة تزعج أرباب المعارضة المسيحية. ففي مقابل ديناميكية لافتة لـ«القوات اللبنانية»، تسعى من ضمن أولوياتها لتكريس واقع انخفاض مستوى التأييد المسيحي لعون و«تياره البرتقالي»، والذي ترجم بلغة الأرقام في الانتخابات النيابية الماضية، فإن المشهد الحالي لا يوحي، أقله حتى الآن، بتضامن حلفاء «الصف الواحد». ثمة من يتحدث عن «سقوط» الأحزاب المسيحية المعارضة في فخ «الغرائزية العائلية» التي تبدّي مصلحة «الجبّ» على مصلحة «الخط السياسي». بمعنى آخر، تبدو القيادات المسيحية المعارِضة غير قادرة على لجم جنوح مؤيديها، لحجز مقاعدهم البلدية حتى ولو على لوائح... الخصم.
«حزب الله» معني بالدرجة الأولى بتقديم نموذج «أفلاطوني»، موجّه للحلفاء قبل الخصوم، في اللوائح التوافقية.
فقدان هامش المناورة لديه في ساحات المعارك المسيحية، لا يعفيه من دور الاشراف السياسي على «ورشة»، أكثر ما يهمّه فيها عدم تحميله مسؤولية تراجع أرقام حليفه «البرتقالي»، في انتخابات سيجد العماد ميشال عون من يحاسبه فيها على «كسور» الأرقام المسيحية.
الساحل المسيحي
يضم الساحل المسيحي، البقعة الأكثر تسييساً في قضاء بعبدا، كبرى البلديات: الشياح (18 عضواً)، الحدث ـ سبنيه ـ حارة البطم (18 عضواً)، فرن الشباك ـ عين الرمانة ـ تحويطة النهر (18 عضواً)، كفرشيما (15 عضواً)، بعبدا ـ اللويزة (15 عضواً)، الحازمية (12 عضواً)، وادي شحرور السفلى (12 عضواً)، وادي شحرور العليا (12 عضواً)...
تتنوع المقاربات البلدية في هذه البلدات المسيحية، نافضة الغبار العالق في ثنايا مشهد الـ 2004، حين جاهر «التيار الوطني الحر» يومها بإسقاط ورقة التين عن «المعارضة المزيّفة»، كما سماها آنذاك، التي سارت في تحالفات تحت وفوق الطاولة مع «سوق» السلطة الانتخابية...
اليوم يتحصّن «البرتقاليون» بورقة شيعية رابحة، لكن يصعب عليهم صرفها في عقر دارهم حيث الكلمة الأولى للصوت المسيحي «المسيّس». «القوات اللبنانية» تسعى لتحالفات مموّهة، باتت خبيرة فيها، تعتمد شعار «الغاية تبرّر الوسيلة»، والغاية اقتناص مقاعد بلدية ورؤساء بلديات، حتى لو اضطرها الأمر الى الوقوف خلف اسماء «خدماتية» دسمة، وتجيير انتصارها لاحقاً في رصيد معراب.
«تيار المردة» الذي يسجّل بداية حضور متواضع في بعبدا، يجاهر بدعم «التيار الحر»، ويسعى لايصال أعضاء بلديين، يعكسون تمدّده في جبل لبنان... لكنه في الوقت عينه لا يخفي دهشته من بعض التحالفات «الشاذة» التي «تركَب في بعض المناطق»، وتوحي بانفصام في شخصية حليفه «البرتقالي». يرى نفسه، في بعض الأحيان لاعباً دور «صمام الأمان»، كي لا تفلت الأمور من عقالها. أحزاب «الوعد» و«الكتلة الوطنية» و«الأحرار» و«الكتائب»... تصارع لحجز مقاعد، مستظلة عباءة العائلات.
في فرن الشباك تختلط التركيبة العائلية بتركيبة الفرز السياسي في المنطقة. رئيس البلدية الحالي ريمون سمعان (رئيس اتحاد بلديات الساحل) مرشح ثابت، اختارت «الكتائب» والقوات» الاصطفاف خلفه، محاولين جر المعارضة الى معركة قد تكون خاسرة، مع العلم بأن «التيار الوطني الحر» هو صاحب الثقل السياسي الأكبر في بقعة يسعى أخصامه لتطويقه فيها. لكن المشهد حتى الساعة غير واضح، مع الحديث المتزايد عن مرشحين من أصحاب الـ «بروفيل العوني» يسعون لحجز مقاعد لهم على لائحة سمعان!.
في الشياح كما في الحدث، نائبا «التيار» ناجي غاريوس وحكمت ديب، يواجهان عملياً تحدي تكريس الشرعية الشعبية في عقر الدار. في الشياح، وفي حال عدم السير في توافق «اللحظة الأخيرة»، الذي قد يضع المرشح السابق ادمون غاريوس، رئيساً للائحة مدعومة من «التيار الوطني الحر»، فإن الأمور سائرة نحو معركة «كسر عظم» بين لائحة صهر النائب ميشال المر مدعومة من «القوات اللبنانية» في مواجهة لائحة «برتقالية» مدعومة من النائب ناجي غاريوس. هي مواجهة آل غاريوس على أرض الشياح، التي قد تكون الأقسى في ساحل المتن الجنوبي.
لا تجد مصادر قواتية «أي رابط بين تحالفات المتن التي قد ينسجها النائب ميشال المر مع العونيين وبين ظروف المعركة في الشياح»، وتؤكد «على التفاهم التام مع المرشح إدمون غاريوس، الذي سيأتي تتمة للتنسيق بينهما في الانتخابات النيابية الأخيرة». ولا يمانع القواتيون في هذا السياق في وضع يدهم مع «التيار» في الشياح، لكن بناءً «لمواقف جدية ومسؤولة وليس بالاستناد الى ما يطلقه نائب البلدة من مواقف وشعارات تدخل في إطار البروباغندا البلدية».
التحدي نفسه ينتظر النائب حكمت ديب في بلدته الحدث. العونيون يتحدثون هنا عن «مواجهة قاسية» بين رئيس البلدية الحالي الدكتور انطوان كرم المدعوم، كما يؤكد خصومه، من «القوات اللبنانية»، وبين لائحة يترأسها جورج عون. في الحازمية توحي التحضيرات بشيء من «السوريالية». على لائحة رئيس البلدية الحالي جان الأسمر، الذي يأخذ عليه أخصامه قربه من «القوات»، سيتواجد على لائحته رئيس هيئة «التيار الوطني الحر» السابق في الحازمية شربل أبو صافي. في اللائحة المقابلة بيار عكره العوني اختار مسؤولاً قواتياً نائباً له هو انطوان جبور. المشهد نفسه يبدو أنه يسلك طريق كفرشيما وعاريا وفرن الشباك، فيما تخوض «القوات» معركة مريحة في بسابا...
قرى الوسط والجرد
مهّد التوافق الجنبلاطي ـ الارسلاني «المبدئي» في الجبل الطريق أمام انتخابات بلدية، لن تأخذ طابع الحدة الذي رافق استحقاق 2004. لكن المواكبين للتركيبات التحالفية، يجزمون بأن الأمور لن تكون بسهولة «التوافق اللفظي»، بالنظر الى الحساسيات السياسية والعائلية بين المؤيدين للخط «الاشتراكي» و«الديموقراطي».
ويأخذ طابع المواجهة في الجبل ثلاثة أوجه:
ـ درزي ـ درزي، تحت الخيمة التوافقية، في بلديات رأس المتن (15 عضواً وتوصف بالخزان الاشتراكي)، قرنايل (12، بلدة النائب فادي الأعور)، كفرسلوان (12، معروفة بتمازجها الجنبلاطي والارسلاني والقومي)، قبيع (12)، القرية (9)، القلعة (9)، رويسة البلوط (9)....
ـ درزي ـ مسيحي حيث يجد جنبلاط نفسه أمام سيناريوهين اثنين: إما الضغط للإتيان برؤساء بلديات مسيحييين «تحت كنفه» بالتوافق مع القوى المسيحية بانتظار كلمة السر، وإما استقطاب أسماء بلدية مسيحية تعكس تمثيل أحزابها في مناطق تواجدها. وأهم بلديات هذا المحور، العبادية (15 عضواً)، (ترشيش 12، ذات طابع مسيحي ـ سني تتأثر بالمناخ الاشتراكي)، فالوغا (12)، بزبدين (12)، الشبانية (12)، بمريم (9)، شويت (9)... وتعطي بلدات العبادية وبزبدين وفالوغا (كل واحدة منها تضم نحو 1500 صوت)، المؤشر الأكثر دقة على الأرض عن مدى التوافق الجنبلاطي مع قوى المعارضة المسيحية، فيما يبدي عدد من قواتيي المنطقة امتعاضهم من «حالة ضياع»، سببها الأساس الموقف «الملتبس» للنائب جنبلاط، ويعمل القواتيون في هذا السياق على «ضمّ» مرشحين كتائبيين تحت مظلتهم تأميناً لمواجهة متكافئة مع «التيار البرتقالي».
ـ مسيحي ـ مسيحي في بلديات حمانا (15 عضواً. تضم نحو 100 صوت درزي، وتعتبر معقلاً للصراع بين آل فرحات وآل يونس، لكن لأول مرة قد تشهد البلدية لوائح مختلطة بين العائلتين)، (عاريا 12)، العربانية والدليبة (9)، راس الحرف (9)، حاصبيا (9)، قصيبه (9)... ستكون اللوائح العائلية، المطعّمة بالأهواء السياسية «نجمة» قرى الجبل المسيحية.
الماكينات الانتخابية
لا ترصد العين المجردة في قضاء بعبدا ظهوراً جديا للماكينات الانتخابية. وباستثناء الماكينة الانتخابية المستنفرة لـ«حزب الله»، فإن البقية تتكئ على حماسة ناشطيها «بالمفرّق» لترتيب التحالفات على الأرض واستنهاض الهمم لدى القواعد. يقول أحد مسؤولي لجنة البلديات في «التيار الحر» «شكلّنا لجاناً للبلديات في كل الأقضية تضم فاعليات من التيار ونوابا حاليين ومنسقي مناطق، لدينا برنامج إنمائي سنعلن عنه في 16 نيسان الحالي، وكل من يتبناه سيكون الى جانبنا». يضيف «هناك بلديات الطابع العائلي يفرض نفسه فيها. وبلديات أخرى التفاهمات فيها ممكنة، وأخرى لن نتوانى عن تحويلها الى أرض معارك حقيقية ممسكين بالعصا الاصلاحية، بغض النظر عن نتائج الربح والخسارة». وتؤكد «القوات»، على لسان أحد مسؤوليها، على المقاربة الإنمائية بالدرجة الأولى للاستحقاق البلدي، ثم المحلية والسياسية، بالاستناد الى خصوصيات كل بلدة، بحيت ستقود هذه الخصوصيات، كما يضيف المسؤول، الى إمكان حصول تحالف مع «التيار الحر»، لأسباب محلية وإنمائية.