المشكلة التي سبّبها وجود الاتفاقية الموقّعة في عام 2007 بين الحكومتين اللبنانيّة والأميركية، والمتضمنة منح هبة مشروطة لقوى الأمن الداخلي بقيمة 50 مليون دولار، باتت في طريقها إلى الحل.
فرئيس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، النائب حسن فضل الله، قدم إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، أمس، تقريراً عن النقاشات التي دارت في اللجنة بشأن الاتفاقية والملحق التابع لها، إضافة إلى التقرير الفني الذي قدمته وزارة الاتصالات حول خطورة المعلومات التي كانت السفارة الأميركية قد طلبت تأمينها من شركتي الهاتف الخلوي. وقال فضل الله لـ«الأخبار» إن اختلاف الآراء داخل لجنة الاتصالات على توصيف الاتفاقية لم يمنع أعضاءها من الاتفاق على وضع القضية في عهدة الرئيس بري.
وأشارت مصادر مطلعة على أجواء عين التينة إلى وجود مناخ سياسي يسمح إما بإلغاء هذه الاتفاقية أو تعديلها، لأن إبقاء الأمر على ما هو عليه سيؤدي إلى ترك باب للخلاف مفتوحاً. ولفتت المصادر إلى أن مواقف رئيسي الجمهورية والحكومة والنائب وليد جنبلاط تسهل أمر التوصل إلى حل يؤكد رفض لبنان للتصنيف الأميركي للإرهاب.
لكن تعديل الاتفاقية أو إلغاءها لن يكون أكثر من خطوة أولى على طريق وضع حد للتدخل الأميركي في الأجهزة الأمنية اللبنانية.
وبحسب مصدر أمني معني، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الطرف اللبناني. ويضرب المصدر مثلاً على كلامه الدورات التي تجرى في الأردن. الخطوة الأولى لهذه الدورات تبدأ بكتاب يرسله الملحق الأمني في السفارة إلى الجهاز الأمني اللبناني المعني (الأمن الداخلي مثلاً)، طالباً تزويده بلائحة تضم أسماء ضباط من رتب يحددها هو، من أجل المشاركة في دورة في المركز الأردني ــــ الدولي لتدريب الشرطة (JIPTIC)، من دون تحديد المضمون التفصيلي لمواد التدريب. بناءً على ذلك، ترسل المديرية المعنية لائحة بهذه الأسماء إلى وزارتها، التي تعطي موافقة مبدئية، قبل إرسال اللائحة إلى السفارة الأميركية. وفي كثير من الأحيان، تُفاجأ المديرية المعنية بأن السفارة ترفض اسمَ واحدٍ، أو أكثر، من الضباط المقترحين، من دون تحديد السبب. مباشرة، تستبدل المديرية الاسم من دون أي نقاش مع الأميركيين.
وأسباب «الفيتو» الأميركي على بعض الضباط غير معروفة. فالممنوعون من التدرب، بمشيئة أميركية، متعددو الانتماءات السياسية والطائفية والمذهبية، فضلاً عن منح الأجهزة الأمنية للسفارة حقَّ وضع الفيتو على أسماء الضباط اللبنانيين، فإن أكثر ما يُشعر هؤلاء بالإهانة هو أن دخولهم إلى الأردن لا يحتاج إلى تأشيرة من السلطات الأردنية، إلا ان المديريات التي يعملون فيها أعطت الأميركيين سلطة منح هذه التأشيرة.
ويؤكد عدد من الضباط المعنيين حدوث هذا الأمر في أكثر من دورة، آخرها تلك الموجودة في الأردن حالياً، والتي رفضت فيها السفارة الأميركية اسم أحد الضباط. وبحسب مسؤول أمني رفيع، فإن تعديل الاتفاقية أو إلغاءها لن يكون حائلاً دون استخدام السفارة الأميركية لهذا «الأسلوب المهين من التعامل مع الأمن اللبناني». فبعض الأجهزة ترسل ضباطها وأفرادها للتدرب على أيدي الأميركيين في الأردن، من دون وجود اتفاقية بين الطرفين. وعلى سبيل المثال، ترسل المديرية العامة للأمن العام ضباطاً من صفوفها للتدرب في الأردن، جنباً إلى جنب مع زملائهم العاملين في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وآخر الدورات المشتركة كانت تلك التي أنهيت في آذار الفائت، وكانت تضم 5 ضباط من الأمن العام ونحو 13 من الأمن الداخلي.
وعندما يُسأل المسؤولون المعنيّون في الأجهزة الأمنيّة عن سبب إرسال الضباط والأفراد للتدرب في الخارج، يردّون ذلك إلى أن سنوات الحرب وقلّة اهتمام الحكومات المتعاقبة بتعزيز الأجهزة الأمنية أضعفت القدرة التدريبية لدى هذه الأجهزة التي تضطر للجوء إلى الدول المتقدمة.
إلا أن أحداً لا يمكنه تبرير إرسال ضابط من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل المشاركة في «البرنامج الإقليمي حول السياسة الأميركية الخارجية». فالقول إن المشاركة اللبنانية في مؤتمر مماثل «ضرورية لشرح وجهة نظر لبنان مما يطرح فيها وعدم ترك الساحة للإسرائيليين»، لا يبرر مشاركة الأمن الداخلي، إذ إن هذا الأمر من واجبات وزارة الخارجية اللبنانية. أضف إلى ذلك أن الميول السياسية للضابط المنتدب وخبرته السياسية، لا تبشران بأنه سيدلي بكثير من الملاحظات حول السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. وخلاصة الأمر أن مشاركة مماثلة «لا تعدو كونها «تنفيعة» للضابط المذكور، وإمعاناً في السماح للأميركيين بالدخول إلى عقول الضباط اللبنانيين».
ويلخص مسؤول أمني الواقع بالقول إن بعض الأجهزة تخشى الغضب الأميركي، لأن ذلك سيمنع عن مديرياته المساعدات، فيما السلطة السياسية لا تؤمن للأجهزة مستلزمات الأمن. وبذلك، «يتحول جوزف شليطا، رئيس مكتب الأمن الدبلوماسي في السفارة، إلى المندوب الأمني السامي في لبنان. يجول على مكاتب الأجهزة الأمنية والقضائية من دون حسيب أو رقيب. لا يمر لا عبر وزارة الخارجية، ولا عبر الوزارات الوصيّة على الأجهزة».