أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الحرمان العلوي منذ إعلان «لبنان الكبير» وحتى طاولة حوار بعبدا

الخميس 15 نيسان , 2010 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,020 زائر

الحرمان العلوي منذ إعلان «لبنان الكبير» وحتى طاولة حوار بعبدا

قد يصعب الحديث عن حجم الطائفة الإسلامية العلوية وتعدادها السكاني في لبنان، حيث أن عدداً كبيراً من أبناء الطائفة لجأوا خلال ثمانين عاماً منذ إعلان دولة لبنان الكبير مرورا بالاستقلال عام 1943 وصولاً الى إتفاق الطائف عام 1989، لتغيير مذاهبهم إلى مذاهب أخرى (سنة، شيعة وموارنة) للحصول على وظائف أو فرص عمل في مؤسسات الدولة اللبنانية التي لم تعط هذه الطائفة حقها على مدار العهود والجمهوريات السابقة، وما تزال حتى الآن تُحجم عن التعامل معها كشريك ومكوّن من مكوّنات المجتمع اللبناني القائم على توازن العائلات الدينية، كما تتعامل مع كثير من الطوائف التي وفدت الى لبنان وحصلت على امتيازات ومواقع متقدمة في الوظائف العامة، وجرى تمثيلها بوزراء ونواب ومدراء عامين، ودخلت إلى الحياة السياسية والعامة من أوسع الأبواب، في حين أن الطائفة التي وجدت في هذه المنطقة قبل نحو ألف عام خلال عهد بني عمار، ما يزال التهميش السمة الأساسية لها على كل صعيد...

تكتفي الطائفة العلوية بنائبين يمثلانها في الندوة البرلمانية، حصلت عليهما بموجب اتفاق الطائف الذي دخلت عبره للمرة الأولى في تاريخها الى الدولة اللبنانية، وهي تبقى موعودة عند كل استحقاق حكومي بمقعد وزاري، يظهر بعد كل تشكيل حكومة بأنه غير متوفر، ومحرومة من الدخول الى الوظائف العامة (موظفان علويان فقط في الدرجة الثالثة) وتعاني من الشغور في مراكزها الوظيفية في الفئتين الأولى والثانية التي حصلت عليها عرفاً بعد اتفاق الطائف.

ويواجه السواد الأعظم من أبنائها أزمات اجتماعية متعددة إن على صعيد حرمان مناطقهم في جبل محسن وقرى عكار من المشاريع الإنمائية والبنى التحتية والطرقات، أو على صعيد التهميش والفقر والبطالة والتسرب المدرسي والأمية، وغياب الأمن عندما تدعو الحاجة لذلك، حيث أُقحم قسم من الطائفة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وأُعيدت التجربة في العام 2008، بحروب عبثية صغيرة مع محيط يشبهها في كل ما تعانيه من حرمان وإهمال، لتحسين شروط هنا وللضغط على جهة سياسية هناك، وكانت الحصيلة مزيداً من الدم والدمار والأزمات الاجتماعية المفتوحة.

مع عودة الأمور الى نصابها واستقرار الوضع السياسي، لا سيما بعد اتفاق الدوحة وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وجدت الطائفة العلوية نفسها شريكة فقط في الغرم ولا مكان لها في الغنم، فوقعت أسيرة قانون انتخابي لم يراع تمثيل الأقليات، ثم استبعدت عن حكومة الوحدة الوطنية رغم أن التجاذبات التي رافقت تشكيل الحكومة انعكست رسائل متفجرة في جبل محسن، وصولاً الى عدم استدعاء أي ممثل عن الطائفة العلوية الى طاولة الحوار التي تضم ممثلين عن كل الطوائف الموجودة في المجلس النيابي باستثناء الطائفة العلوية، لتكتمل بذلك دائرة التهميش والحرمان وعدم الاعتراف بالدور والشراكة لطائفة يحمل أبناؤها في قلوبهم كثيراً من العتب والأسى والحزن على تغييب طائفتهم عن المشاركة في الحوار والقرار.

ويمكن القول إن عدم تكريس أية حقوق للطائفة العلوية منذ عهد الاستقلال وحرمانها بشكل كامل من كل الوظائف الرسمية ومن أي تمثيل سياسي لها، وعدم إعطائها حق الاستقلال الديني من محاكم شرعية ومجلس علوي، حيث كانت المحكمة الشرعية السنية هي التي تنظر بقضايا الطائفة العلوية.. حمل كثيراً من أبنائها على مغادرة لبنان الى سوريا، والى بلاد الاغتراب، الأمر الذي دفع ببعض الغيورين من وجهاء الطائفة الى تأسيس حركة الشباب العلوي في بداية السبعينيات من القرن الماضي، وكانت أول حركة مطلبية في تاريخ الطائفة تنادي بحقوق العلويين، وقد زارت الحركة في حينها رئيس الجمهورية الراحل سليمان فرنجية، والإمام المغيّب موسى الصدر الذي أوصى باحتساب العلويين من حصة الشيعة في الوظائف الرسمية وبإنشاء المجلس الاسلامي العلوي والمحكمة الجعفرية الناظرة في قضايا الطائفة العلوية، لكن هذه التوصية لم تجد سبيلها الى التنفيذ لدى الدولة اللبنانية.

لم يسجل في تلك الحقبة دخول أي علوي الى الادارة اللبنانية باستثناء علوي واحد يدعى أحمد درويش شغل منصب رئيس دائرة المساحة في طرابلس إحتسب من حصة الشيعة وبمسعى من الرئيس الشهيد رشيد كرامي في العام 1978، اما في السلك العسكري فسجل لغاية عام 1982 دخول ثلاثة ضباط علويين الى الجيش اللبناني لجأوا الى تغيير مذهبهم، فدخل الاول سنياً والثاني شيعياً والثالث مارونياً، وبعد العام 1983 بدأ العلويون يدخلون الى الجيش كضباط بمذهبهم، لكن بأعداد ضئيلة جدا، وبمساع وجهود المراجع السياسية، أما التطوع في الجيش والقوى الأمنية الأخرى فكان مسموحاّ للعلويين برتبة جندي.

وبالرغم من حالة التهميش والابتعاد عن المواقع الرسمية في الدولة، لم يغب العلويون عن الحراك السياسي، أقله في مكان تواجدهم في طرابلس عموماً وفي باب التبانة (باب الذهب آنذاك) وجبل محسن الذي كان يشكل متنفس المدينة ومقر إقامة كبار عائلاتها من المسلمين والمسيحيين، ما سمح للعلويين بالتماهي مع سائر مكونات المجتمع الطرابلسي ضمن نسيج وطني واحد، وخاضوا جنباً الى جنب سلسلة نضالات، لا سيما ضمن حركة علي عكاوي (شقيق «أبو عربي») التي كانت بعض قواعدها من العلويين، فضلاً عن مشاركتهم في حركة 24 تشرين، وأحزاب البعث والشيوعي والقومي، وذلك لغاية دخول حركة فتح والحركة الوطنية اللبنانية في 5 حزيران من العام 1976 الى جبل محسن والذي تسبب بهجرة علوية إلى سوريا، ومع عودة المهجرين الى جبل محسن في تشرين الثاني من العام نفسه، وانطلاق الاشكالات الأمنية الناتجة عن الخلاف الفلسطيني ـ السوري، بدأ العلويون ينسحبون من بعض مناطق طرابلس ويتجمعون في جبل محسن.

لكن ذلك لم يقطع علاقة العلويين بأبناء المدينة ومنطقة الشمال فجرى تشكيل «جبهة المواجهة الوطنية» برئاسة النائب السابق طلال المرعبي، وفي العام 1980 تأسس «الحزب العربي الديموقراطي» وتولى الأمانة العامة فيه راشد المقدم لنحو سنتين ونصف السنة، قبل أن يتسلم النائب السابق علي عيد منصب الأمين العام وهو ما يزال في منصبه حتى الآن.

وقد انعكس الخلاف الفلسطيني ـ السوري مزيداً من الانفلات الأمني في المنطقة، التي شهدت حروباً ضارية خاضها الحزب العربي الديموقراطي مع المقاومة الشعبية في التبانة، ثم مع حركة التوحيد الإسلامي في التبانة والقبة، وكانت صفوف العلويين تضم مقاتلين من السنة، وكان التوحيد يضم في صفوفه عدداً من العلويين بما فيهم أحد المسؤولين العسكريين في التبانة، ما يشير الى أن كل ما جرى لم يكن على أساس طائفي أو مذهبي، بل نتيجة خلافات سياسية كانت تترجم بالحديد والنار بين أبناء المنطقة الواحدة، ويستغل المحرضون عليها التهميش العلوي وتغييب هذه الطائفة عن مواقع القرار، ويستفيد من فقر السنّة في منطقة مصنفة الأكثر حرماناً في لبنان والمنطقة.

في العام 1991 دخلت الطائفة العلوية إلى الدولة اللبنانية رسمياً، وباتت جزءاً من التركيبة النيابية والوظيفية، فحصلت على نائبين في مجلس النواب واحد في طرابلس وآخر في عكار، وعلى عدد قليل من الوظائف في الإدارة في الدرجتين الأولى والثانية، ولم تنجح الطائفة او أي من نوابها او مسؤوليها في الاستفادة من الوجود السوري في تعزيز مواقعها أو في زيادة عدد مراكزها في الوظائف أو في حصولها على وزير في الحكومة اللبنانية، وذلك رغم انتمائها السياسي المباشر إلى سوريا واحتسابها لبنانياً من حصتها، ويقول بعض الذين حاولوا طرح هذه المسائل مع القيادة السورية، أنهم سمعوا كلاماً واضحاً بعدم التدخل في ذلك، ما أبقى الحصة العلوية ضئيلة ضمن الإدارات اللبنانية.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إن كثيراً من المراكز الوظيفية التي يشغلها علويون شغرت منذ سنوات ولم يصر إلى ملء هذه الشواغر عبر التعيين لتبتعد الطائفة مجدداً عن مواقعها المتقدمة في الفئتين الأولى والثانية ضمن الإدارة.
ويسجل اليوم وجود مدير عام البريد الذي يمارس مهامه، في حين تبقى سائر المراكز شاغرة، ففي السلك الخارجي هناك مركز سفير بدلاً من النائب خضر حبيب الذي قدم استقالته قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة، دون وجود أي موظف علوي في الفئات الأخرى ضمن هذا السلك، حيث يتم التعيين فيه عن طريق مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية.

وفي السلك الإداري، هناك مدير عام بدلاً من الدكتور خليل شتوي الموضوع بالتصرف، وهناك منصب محافظ بعد استحداث محافظتي عكار وبعلبك ـ الهرمل انسجاماً مع نص المادة 95 من الدستور.

وفي المؤسسات العامة، يوجد مدير عام إحدى المؤسسات العامة بدلاً من مدير عام مجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية الكبرى لمدينة بيروت حاتم عيد، ولم يعد لهذا المجلس أي وجود بعد دمجه بمجلس الإنماء والاعمار، إضافة الى عضوية مجالس الإدارة في كل من مصلحة استثمار مرفأ طرابلس بدلاً من النائب السابق مصطفى حسين، ومعرض رشيد كرامي الدولي بدلاً من الدكتور نصر خضر.

أما في الفئة الثانية فثمة مراكز لم يذكر الدستور ملؤها وفقاً للتوزيع الطائفي والمذهبي، إنما جرى العرف في لبنان على أن يراعى هذا الموضوع عند التعيين الذي يتم وفقا لأحكام المادة 11 من نظام الموظفين بالترفيع، وحصة الطائفة العلوية من هذه المراكز هي سبع وظائف كلها شاغرة، وأهمها مركز قائمقام، مدير ورئيس مصلحة.

وفي السلك العسكري، خصوصاً في الجيش اللبناني، هناك عدد لا بأس به من الضباط العلويين، لكن هؤلاء الضباط لا يشغلون مواقع قيادية هامة (المخابرات، الشرطة العسكرية، الحرس الجمهوري، المحاكم العسكرية)..

أما في المجلس الاسلامي العلوي فقد عانت الطائفة الأمرين لانتزاع الاعتراف به، وهو المجلس الذي أوصى الامام موسى الصدر بإنشائه في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، وقد أنشئ المجلس في العام 1995 بموجب قانون رقم 449، وأبصر النور في العام 1999عندما شكل النائبان السابقان أحمد حبوس وعبد الرحمن عبد الرحمن لجنة قائمة بمهام المجلس مدتها ثلاث سنوات وكلف رئيسا لها هو بدر ونوس (النائب الحالي)، وبعد انتهاء مدة ولاية اللجنة في العام 2002 تولى أمين السر محمد عصفور تسيير شؤون المجلس الادارية.

وفي العام 2003 تم انتخاب الهيئتين الشرعية والتنفيذية دون انتخاب رئيس ونائب رئيس، وفي العام 2005 استصدر النائبان بدر ونوس ومصطفى علي حسين قراراً من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة قضى بتكليف الدكتور كمال إبراهيم بدلاً من محمد عصفور لتسيير أعمال المجلس، وتم توقيف العملية الانتخابية.

وبعد فترة تم تحديد موعد جديد لانتخاب الرئيس ونائبه، وجرى التأجيل نتيجة ضغط سياسي، لكن أعضاء الهيئتين الشرعية والتنفيذية لم يمتثلوا للقرار فأجروا الانتخابات وفاز الشيخ أسد عاصي رئيساً ومحمد عصفور نائباً للرئيس بالتزكية، دون أن تعترف حكومة الرئيس السنيورة بنتيجتها، لكن الامر تغير في العام 2009 تحديدا قبيل الانتخابات النيابية، حيث جرت انتخابات المجلس بحضور ممثلين عن الحكومة وباشراف الهيئة القضائية، وتم انتخاب الشيخ عاصي وعصفور أيضا بالتزكية، ليولد رسمياً أول مجلس إسلامي علوي في لبنان بعد عقود طويلة من النضال والمعاناة، ومن المفترض أن يشهد المجلس قريباً إعادة تنظيم وهيكلية ما يؤدي الى تطور عمله.

في العام 2008 أعاد التاريخ نفسه في جولات عنف جديدة شهدتها منطقة جبل محسن ـ التبانة على خلفيات سياسية، ما يشير بوضوح الى أن تعاطي الدولة والقوى السياسية مع هذه المنطقة المحرومة لم يتغير لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون، ويبدو أن المطلوب أن يبقى الزيت جاهزاً ليصب على النار، فتمعن الدولة في حرمان منطقة تضم عشرات الآلاف من المواطنين السنة والعلويين، وتستبعد الطائفة العلوية بكاملها عن طاولة الحوار...

في واحدة من الجلسات التي يستضيفها النائب السابق أحمد حبوس للنقاش في هموم الطائفة العلوية وترتيب أوضاعها وتدارس أسباب تغييبها عن طاولة الحوار، أجمع الحاضرون على أن تغييب الطائفة العلوية عن الحوار هو استكمال لسياسة التهميش التي بدأت قبل عقود من الزمن، ومحاولة لدفع أبناء هذه الطائفة الى الانغلاق والتطرف، مؤكدين أن أحداً من أبناء الطائفة ما كان ليعترض على من سيختاره رئيس الجمهورية لتمثيل الطائفة على طاولة الحوار، لأن المهم في هذا الاطار ليس الشخص وإنما حضور الطائفة ضمن هذه الطاولة التي تضم كل الطوائف الممثلة في المجلس النيابي.

يتساءل أحد الحاضرين: هل استبعاد الطائفة العلوية عن طاولة الحوار هو للحؤول دون إعطائها وزيراً في الحكومات المقبلة أو في حال شهدت البلاد تعديلاً وزارياً؟ ام أن الأمر ينحصر في إبقاء هذه الطائفة ضمن دائرة التوتر الأمني وبالتالي يتم استبعادها عن موقع القرار الرسمي؟ ولماذا لا تستقوي هذه الطائفة بحلفائها في الداخل والخارج لتنال حقوقها وتحمي نفسها؟

يجيب أحد الحاضرين: إن الطائفة العلوية لا تستقوي بأحد على الاطلاق، وهي موجودة منذ نشوء لبنان، شأنها في ذلك شأن سائر الطوائف، وهي تعيش تحت سقف القانون، وتعتبر الجيش اللبناني ضمانة أمنها، صمام امان واستقرار الوطن، ويوم حصلت المواجهات في طرابلس أعلنت الطائفة العلوية أنها تعمل تحت عباءة مفتي طرابلس وفوّضته التحدث باسمها، وهي لن ترضى أن يهمشها أحد او أن يصادر حريتها او أن يستبعدها عن أي موقع لها الحق في ان تكون فيه...

يعلو النقاش ويحتدم، ويدخل الحاضرون في تفاصيل التفاصيل المتعلقة بالطائفة، ليصل الجميع الى خلاصة القول: «إن الدولة اللبنانية مقصرة كثيراً مع الطائفة الاسلامية العلوية»...

Script executed in 0.19880700111389