هي المرة الأولى في تاريخ العلاقات اللبنانية - السورية، منذ الاستقلال، التي تجمع فيها «الدبلوماسية» الدولتين في احتفال العيد الوطني الــسوري في بيروت.
مشهد «البيال» سيكون تتمة «طبيعية» للاحتفال الذي أقامته السفارة اللبنانية في دمشق في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني الماضي بمناسبة ذكرى الاستقلال اللبناني، حيث نظّم السفير اللبناني ميشال خوري وعقيلته حفلاً كبيراً في منزلهما في يعفور حضره عدد من الوزراء السوريين والسفراء العرب والأجانب المعتمدين في دمشق، إضافة الى شخصيات دينية واجتماعية، والسفير السوري في لبنان علي عبد الكريم والأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني - السوري نصري الخوري.
كان قد مضى ستة أشهر على تقديم السفير اللبناني أوراق اعتماده الى الرئيس السوري بشار الأسد.
ونحو أقل من عام على رفع علم لبنان أمام باحة السفارة في العاصمة السورية (16 آذار 2009) خلال احتفال متواضع لم يشارك فيه يومها أي مسؤول سوري، ولم تلق أي كلمات في المناسبة.
في تلك المرحلة كان رئيس الحكومة سعد الحريري ما يزال يكرّر الاتهام «السياسي» لسوريا بجريمة اغتيال والده رفيق الحريري راسماً «خط الندية» مع دمشق «دفعنا دماً لتقام هذه العلاقات. كل ما أطلبه من الحكومة السورية هو الندية... ممنوع التدخل في شؤون لبنان، والانتخابات القادمة (النيابية) ستثبت ذلك».
الأجواء اللبنانية - السورية المواكبة لاحتفال «عيد الجلاء» على الأراضي اللبنانية تختلف عن «ذكرى الاستقلال» على الأراضي الدمشقية.
ثمة إحاطة سورية استثنائية بـ«الحدث» الأول من نوعه، على ضوء متغيرات حاسمة. سعد الحريري وبشار الأسد تصافحا وتبادلا القبل في باحة قصر تشرين الرئاسي، وأقام «الشيخ سعد» ليومين في «قصر الضيافة» بصفته «ضيفاً رئاسياً». ثلاث جلسات «مصارحة ومصالحة» تمّت بين الرئيسين، كان من المفترض ان تستتبع بزيارة ثانية لرئيس الحكومة اللبناني الى دمشق للبدء «بترسيم» نقاط النزاع العالقة بين البلدين.
لكن «الرياح» الدمشقية التي أوحت في الفترة الماضية بعدم توافر الأجواء الصافية التي ستتيح لطائرة الحريري الخاصة ان تحط في وقت قريب في مطار دمشق الدولي، عادت وعدّلت مسارها الذي دفع رئيس الحكومة الى تأكيد حصول زيارته «خلال أسابيع»، لكنها مع ذلك بقيت في إطار التواريخ «المفتوحة»... قبل أن تستجد قضية «المفرزة الادارية السباقة» لرئيس الحكومة، ليتبين للسوريين أن تركيبتها لا تفي بالغرض المطلوب، أي انها لن تكون قادرة على مناقشة الملفات والاتفاقيات الثنائية نتيجة طغيان التكنوقراط عليها!
«الغيمة» التي ظلّلت مفاوضات التحضير للزيارة الثانية لرئيس الحكومة سعد الحريري الى دمشق، بدت منفصلة عن ورشة الاحتفال المركزية في «البيال». يولي السفير السوري في لبنان اهتماماً استثنائياً بأدق التفاصيل، حيث أشرف شخصياً على كافة التحضيرات من قبل طاقم السفارة. ومنذ البداية اتخذ القرار على مستوى القيادة السورية بعدم وضع «فيتو» على أحد لحضور المناسبة.
هكذا وعلى عكس احتفال السفارة اللبنانية في دمشق، فقد شملت الدعوات رؤساء الجمهورية والنواب والحكومة، و128 نائباً في البرلمان بمن فيهم كل نواب «القوات»، و 30 وزيراً في الحكومة، إضافة الى السفراء المعتمدين في لبنان، والعديد من القيادات والشخصيات السياسية والدينية، (بينها البطريرك نصرالله صفير)، والاجتماعية والاعلامية والنقابية...
وسيكون الرئيس أمين الجميل على لائحة المدعوين بصفته رئيس جمهورية سابقا، وليس كرئيس حزب. بهذا المعنى وصلت دعوات السفارة السورية الى «الكتائب» و«القوات اللبنانية» عبر ممثليهم في مجلس النواب والحكومة وليس الى رئاسة الحزب.
في المرحلة الأولى تم طبع 1500 دعوة، ثم 600 دعوة إضافية. ومن المرجّح أن يشكّل عدد الحاضرين ضعف الدعوات المطبوعة. وتشير المعلومات الى احتمال حضور رئيسي مجلس النواب نبيه بري والحكومة سعد الحريري شخصياً، للاستماع الى كلمة السفير السوري الوحيدة التي ستلقى في المناسبة، ثم المشاركة في قطع قالب الحلوى. وثمة سوابق ترجّح هذا الأمر. فرئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة سبق له ان شارك في حفل العيد الوطني السعودي، كما ان الرئيس بري شارك في شباط الماضي في العيد الوطني الايراني.
ومن المتوقع، كما يشير المواكبون للتحضيرات، ان يشهد احتفال العيد الوطني للجمهورية العربية السورية حضوراً كثيفاً قد يكون الأكبر في سجل احتفالات السفارات في لبنان. هذا في الشكل، أما في المضمون، فاحتفال «عيد الجلاء» في السابع عشر من نيسان (صودف يوم عطلة السبت وتم نقله الى يوم الاثنين في 19 نيسان) سيشكّل نوعاً من الاستفتاء، أغلب الظن أنه سيعكس حجم الحضور السوري بنسخته «المنقّحة» في لبنان، وإن من البوابة الدبلوماسية، ويكرّس واقع «تموضع» المعسكرات لصالح أكثرية جديدة ستولد رسمياً في «البيال»، وأقلية خارج القاعة الأرجح أنها ستكتفي بالتفرج...