رجّح هذين الاحتمالين من بين كوارث أخرى، حوالى خمسة وعشرين مشاركاً في الورشة، يمثلون جمعيات أهلية ووزارات معنية رسمية لبنانية، في تمرين هدف إلى تحديد نوع الكوارث المحتمل أن يتعرض لها لبنان ووضع لائحة الفرضيات.
التمرين نفسه، ومن دون أن يقصد أو يعي معد التمرين، أي الدكتور زناري الوافد من مصر، كشف عن مدى القلق الكامن الذي يعيشه اللبنانيون، ليس فقط من عدوان إسرائيلي على لبنان، ولكن أيضا من نزاع داخلي مسلح تكون المذاهب والطوائف وقوده.
وعليه، تصدّر الفرز الديموغرافي على أساس الهوية الطائفية رأس التداعيات المحتملة للكارثة - الحرب، وعادت مفردات خطوط التماس، وتصنيف الجمعيات العاملة على أساس انتماءاتها وولاءاتها، إلى التداول.
وعلى صعيد التخوف من نزاع مسلح داخلي، دار نقاش حول أداء المجتمع اللبناني ككل، في حال وقوع عدوان إسرائيلي على لبنان، وعما إذا كانت تجربة الاحتضان الوطني للنازحين التي تميز بها لبنان خلال عدوان تموز 2006 يمكن أن تتكرر اليوم، نظراً لحدة الانقسام التي اعترت المجتمع نتيجة الأحداث التي استجدت، ومنها السابع من أيار العام 2008.
يأتي ذلك على مستوى الدلالات التي طفت على هامش الورشة، فماذا عن تمارين أداء الجمعيات المعنية؟
بعد شرح لماهية الورشة قدمته منسقة المشروع سماح ماضي، وزع الدكتور زناري مغلفات على أعضاء ثلاث مجموعات عمل، طالباً من كل منها جمع القصاصات التي يحتويها كل مغلف ليشكل ورقة كاملة من قياس «أي 4».
يبدأ الأفراد الخمسة والعشرون الذين تتألف منهم مجموعات العمل، كل على حدة، بجمع قصاصاتهم لتجميع الورقة المطلوبة، قبل أن تتبين استحالة إنجاز المهمة من دون تبادل الأجزاء بين أعضاء المجموعة الواحدة.
جاء رد فعل المشاركين الذين تحمسوا لإنجاز التمرين، شبيهاً بتفاعل المجتمع المدني اللبناني مع أي تحد على المستوى الوطني: حماسة لإنجاز المهمات المطلوبة والتركيز بداية على العمل الفردي لكل جمعية، ومن ثم إدراك أهمية التنسيق وتبادل الخبرات، وخصوصاً التعاون لتحقيق الهدف المنشود. وبذلك، توصلت المجموعتان اللتان تعاون أفرادهما إلى تجميع الورقة، فيما فشلت في ذلك المجموعة الثالثة التي لم يتبادل أعضاؤها القصاصات.
تنطلق الورشة التي نظمتها «جمعية غوث للإغاثة والطوارئ»، وهي الممثل الرسمي للجنة الإغاثة والطوارئ في اتحاد الأطباء العرب، من أن الأداء العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية اللبنانية، خلال الكوارث والأحداث الجسيمة التي وقعت في لبنان، يشهد بحيوية المجتمع المدني اللبناني ودوره الفعال في إغاثة ومساندة المتضررين والمتأثرين بالحوادث على أنواعها.
ويمكن القول إن دور الجمعيات الأهلية اللبنانية تاريخياً لم يقتصر على الشراكة المكملة لعمل الحكومة والسلطة الرسمية في لبنان من وزارات وإدارات معنية، بل تخطاه إلى تعويض غياب الدولة وإهمالها في أحيان كثيرة.
في المقابل، يُسجل أن عمل الجمعيات الأهلية، بغض النظر عن تصنيفها نقدياً ما بين جدية وأخرى نفعية وهامشية أو حتى وهمية، ظل محكوماً، رغم التجربة العريقة للعمل الأهلي اللبناني، بعفوية ردود الأفعال غير المستندة إلى خطة طوارئ وطنية ورسمية، تجدول الأولويات من آليات الاستعداد والعمل والتدخل وصولاً إلى تداعيات الكوارث، وفقاً لنوعياتها والفئات المتضررة بنتيجتها.
وإذا كان معلوماً أن هناك خطة طوارئ وطنية مع آليات عملها مقترحة ومهملة في أدراج المجلس النيابي، فقد كان لسعي «غوث» أن يوضح مدى الحاجة للخطة مع لحظ التخبط الذي يعتري عمل الجمعيات كرد فعل عفوي لدى وقوع أي كارثة من الكوارث.
ويشكل النقاش حول مشروع إعداد العناوين الأولية للخطة في فندق «كراون بلازا» في بيروت أمس، اللبنة الأولى في إعداد مسودة الخطة، تمهيداً لنقل النقاش إلى مدن طرابلس وصيدا وصور، من دون تبرير واضح لإقصاء محافظتي جبل لبنان والبقاع، حيث تمنى المنظمون أن تتلقف المبادرة جمعيات أخرى في المناطق المغيبة.
وكان للتجارب التي عرضها ممثلو الجمعيات أن توضح أن التجربة الأساس والمؤثرة في عملهم الحديث تتركز على عدوان تموز، والعبر التي استخلصت منها وكيفية الاستعداد لكوارث مماثلة.
روت ممثلة «اتحاد المقعدين اللبنانيين» رسمية الهندي كيف ترك الكثير من الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وحدهم في المناطق المستهدفة في عدوان تموز 2006، نتيجة انعدام التجهيزات والبنى التحتية التي تسهل إجلاءهم، مشيرة إلى أن أحد هؤلاء الأشخاص بقي 24 ساعة في صندوق سيارة بعدما نسيه من أجلاه من منطقة العدوان.
وبالتالي، يركز الاتحاد، من خلال المعوقات التي برزت خلال التجربة السابقة، على استدراك تكرارها عبر التحضر لكيفية التصرف والاستعداد لمواجهة حالات مشابهة.
وعرض ممثل الصليب الأحمر اللبناني مروان الأعور لتجربتهم في العدوان والكوارث الأخرى، ومنها أحداث مخيم نهر البارد، ليذكّر باستشهاد مسعفين من الجمعية وبضرورة احترام الشارة التي تطالب بها الجمعيات التي تعنى بإخلاء وإسعاف المصابين والضحايا.
وتوقف ممثل «وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين - الأونروا» عند ضرورة أن تنسق الجمعيات العاملة وتضع قائمة بالاحتياجات ليصار إلى طلبها من الجهات المانحة، بحيث لا تأتي التبرعات بعيدة عن الحاجات الأساسية للفئات المستهدفة، كما حصل في عدوان تموز وحرب البارد.
وكان للتمثيل الفلسطيني عبر «منظمة التحرير» و«جمعية الهلال الأحمر» أن «يترك أثره الإيجابي لدى الفلسطينيين»، كما قال ممثل المنظمة بلال طه، حيث تشكل الورشة واحدة من المناسبات النادرة التي يسأل فيها عن أولويات المجتمع الفلسطيني وخططه واحتياجاته في حال وقوع الكوارث.
وأبرزت النقاشات الوقت الذي يستغرقه الوصول إلى صيغة تعاونية شاملة على مستوى الجمعيات الأهلية والحكومة ممثلة بوزاراتها وإداراتها المعنية، وعلى رأسها تشكيل غرفة عمليات مركزية جامعة، وتنسيق الجهود منعاً للازدواجية التي طبعت الأداء العام في خلال العدوان، من دون أن يقلل ذلك من أهمية الاحتضان والمساندة المنجزين.
تحدث في افتتاح الورشة رئيس جمعية «غوث» النائب عماد الحوت عن الهدف من الورشة و«ضرورة مواجهة الكوارث المفاجئة»، مسجلاً الإرباك الذي حصل في التعاطي مع كارثة تحطم الطائرة الإثيوبية «رغم جدية لبنان في التعاطي معها».
وعرض الحوت لإعلان «العقد الدولي للحد من الكوارث الطبيعية واستحداث الاستراتيجية الدولية للحد من الكوارث».
وعرّف الحوت بالجهات المؤثرة والفاعلة عند الكارثة بمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والحكومة ومؤسساتها والمنظمات غير الحكومية، مشيراً إلى ضرورة أن تمتاز الخطة «ببساطة التعبير والاستذكار وسهولة الاتباع والتنفيذ وسرعة التوزيع والتطبيق والجدوى وقابلية التنفيذ والإثبات ومرونة المراجعة والتحديث». وشدد الحوت على ضرورة أن يستند التخطيط للتعامل مع الكوارث إلى الاستعداد (ما قبل الحدث) والمواجهة (أثناء الحدث) والمتابعة والتقييم واستخلاص النتائج (ما بعد الحدث).