إلا أن الأثر الوحيد الذي تركته هذه الدعوات هو «البرودة» الكاملة التي تخيم على عاصمة الشمال في هذا الخصوص، إلى درجة أنه لم يسجل حتى الآن أي تحرك علني للمرشحين، باستثناء أولئك الذين يطمحون في الوصول إلى منصب مختار ما في أحد أحياء المدينة.
ومع أن إعلان أبرز القوى السياسية في طرابلس مواقفهم الداعية إلى التوافق وتجنيب مدينتهم معركة كسر عظم محلية، فإن مخاوف عدة برزت من احتمال أن يكون كل ما يقال مجرد جس نبض، وأن افتراق «عشاق» التوافق سيكون حتمياً لدى مجرد بحثهم في كيفية ترجمة دعواتهم على الأرض، لأن «الشياطين» ستخرج سريعاً من بين أيديهم عند دخولهم في التفاصيل وفي كيفية توزيع الحصص والكوتا عليهم في المجلس البلدي، ما دفع مصادر متابعة إلى وصف الدعوات إلى التوافق بأنها «مفخخة»، و«مجرد مواقف عمومية تلقى لملء الوقت».
وفيما تلقى دعوات التوافق بعضاً من الارتياح في أوساط معينة، على أساس أن إجماع القوى السياسية الفاعلة في طرابلس (الرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي، الوزير محمد الصفدي وتيار المستقبل) سيجنّب المدينة متاعب كثيرة، فإن تساؤلاً يسود مختلف الأوساط في طرابلس عن الأسباب التي دعت هذه القوى إلى مد يدها بعضها لبعض اليوم، بينما لم تفعل ذلك قبل أشهر قليلة في الانتخابات النيابية؟
أغلب الأوساط المقرّبة من هذه القوى تشير إلى أن التطورات السياسية المهمّة التي طرأت بعد الانتخابات النيابية محلياً وإقليمياً، دفعت باتجاه انفتاح أقطاب هذه القوى بعضهم على بعض (لقاء كرامي مع رئيس الحكومة سعد الحريري مثلاً)، وأسهمت في فتح نوافذ كثيرة كانت مغلقة، وإحداث ثقوب في جدران سميكة تجمّعت بفعل الخصومات السياسية وتراكمها في السنوات الأخيرة.
فمن يطّلع على المواقف التي أعلنتها القوى السياسية المذكورة أخيراً، يظنّ لوهلة أنها تعيش وئاماً وشهر عسل سياسياً، لكنها تبدو للمراقبين والعارفين بتفاصيل الأمور غير عملية، وأنها ليست سوى مناورات تهدف إلى دفع الآخرين لكشف أوراقهم باكراً، وهو أمر لا يرجح له أن يتبلور قبل منتصف الشهر المقبل، على مسافة قرابة أسبوعين من موعد الانتخابات البلدية في محافظة الشمال في 30 أيار المقبل.
في ظل أجواء كهذه، تشير مصادر سياسية إلى قيام وسطاء بين هذه القوى بنقل أفكار لترجمة التوافق الذي أعلنوه على أرض الواقع. ومن هذه الأفكار أن تضم اللائحة التوافقية 4 مقاعد للأقليات (2 للعلويين، وواحد لكل من الأرثوذكس والموارنة)، وأن توزع بقية المقاعد الـ20 الباقية بالتساوي بين القوى السياسية المعنية، على أن يكون من ضمنها تمثيل الإسلاميين بعضوين، واحد للجماعة الإسلامية وآخر لجبهة العمل الإسلامي.
إلا أن المصادر المذكورة تشير إلى جملة نقاط ترى أنها تمثّل عوائق كبيرة أمام قيام ائتلاف فضفاض في طرابلس، وأن القوى السياسية المعنية تتعمد تجاهلها وعدم مقاربتها حتى لا تتهم من أخصامها أو حلفائها على السواء بأنها أفشلت مساعي التوافق، وكي لا تعطيهم فرصة لاستهدافها أو تأليب الرأي العام عليها.
ومن أبرز هذه النقاط:
1ــ تراجع عامل الثقة بين ائتلاف طرابلس الذي نشأ في الانتخابات النيابية العام الماضي بين ميقاتي والصفدي والمستقبل، وهو برز في أكثر من محطة أخيراً، يضاف إليها تراجع التقديمات المالية والخدماتية من ميقاتي والمستقبل، وانحسار الدور السياسي للصفدي. ففيما تحالفت هذه القوى في انتخابات نقابة المهندسين أخيراً، فإن تصدّعاً بدأ بالظهور بينها نتيجة توجّه ميقاتي لدعم الدكتور عمر عياش المدعوم من قوى المعارضة في انتخابات نقابة الأطباء مطلع الشهر المقبل، بينما يدعم تحالف 14 آذار الدكتور فواز البابا.
2ــ تداول الأوساط السياسية المختلفة عن أن كرامي يهيّئ نفسه لاحتمال عدم قيام ائتلاف في طرابلس، وأن يخوض معركة انتخابية يرى أن له مصلحة فيها، وخصوصاً بعد ظهوره السياسي والإعلامي البارز أخيراً، والذي استدعى الانتباه والاهتمام، وأنه بخوضه معركة في طرابلس يملك فرصة لاستعادة دوره ووزنه في معقله، وفي إعادة إمساكه بقرار بلدية طرابلس الذي كان تاريخياً يدور في فلك آل كرامي. فإذا قرر كرامي خوض المعركة الانتخابية فإنه سيجمع حوله إلى جانب قاعدته معظم المبعدين والمتضررين من لائحة الائتلاف، بلدياً واختيارياً، وسيلقى دعماً من قوى المعارضة في طرابلس.
3ــ في حال توافق القوى السياسية الفاعلة على لائحة موحدة، فإن توافقها على اسم رئيس المجلس البلدي المقبل لن يكون متوافراً بسهولة، وقد يتحول ذلك إلى لغم يطيح الائتلاف كله؛ عدا عن أن توزّع أعضاء المجلس البلدي بين هذه القوى سيعني غياب الانسجام والتفاهم بينها.
4ــ يختلف الاستحقاق البلدي في طرابلس عن الاستحقاق النيابي شكلاً ومضموناً. ففي الانتخابات النيابية كانت طرابلس دائرة واحدة إلى جانب الميناء والقلمون، بينما في الانتخابات البلدية فإن هذه المدن الثلاث تتوزع كل دائرة بمفردها. وفي هذه الحال، فإن أصوات العلويين في طرابلس مثلاً، حيث يتركز وجودهم، سيكون لها تأثير مضاعف.
فإذا أخذ بعين الاعتبار كيفية اقتراع العلويين العام الماضي، إن كان بتصويتهم لكرامي من جهة، أو بحجبهم أصواتهم عن ميقاتي وتجييرها للصفدي من جهة أخرى، في إشارة حملت تفسيرات ومضامين إقليمية متشعبة، يمكن وضع تصوّر مبدئي للشكل الذي سترسو عليه الانتخابات البلدية والاختيارية في طرابلس أواخر أيار المقبل.