أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مشروع موازنة 2010: انتزاع التوافق عـلى الخصخصة

الجمعة 16 نيسان , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,452 زائر

مشروع موازنة 2010: انتزاع التوافق عـلى الخصخصة

يعقد مجلس الوزراء جلسة له يوم الأربعاء المقبل للمباشرة بمناقشة أرقام مشروع قانون موازنة عام 2010 ومواده المئة والتسع والعشرين، وهي مواد تنطوي على تعديلات كثيرة وكبيرة للعديد من القوانين المرعية الإجراء غير المتصلة مباشرة بالموازنة ومفهومها الدستوري والقانوني، ولا سيما التعديلات المدرجة على قوانين ضريبية تشمل زيادات وخفوضات وإعفاءات وتسويات متشعبة، ومن الصعب قياس آثارها ووقعها المباشر على المؤسسات والأسر والأفراد.

وبحسب وزراء اتصلت بهم «الأخبار»، فإن مشروع القانون الوارد اليهم يحتاج إلى قراءة دقيقة وتفصيلية قبل إبداء الملاحظات عليه، إلا أن الانطباع الأولي، المبني على الأجواء التي رافقت إعداد هذا المشروع، وصولاً إلى صيغته الحالية، توحي بأن هناك توافقاً سياسياً، ولو جزئياً، على إمراره، وبالتالي فإن المناقشات ستتركز على تفاصيل تتصل بعمل كل وزير ومدى تطابق المشروع مع مطالبه وسياسته في وزارته أو القطاع الذي يشرف عليه... علماً بأن بعض التفاصيل قد تكون محور نزاع واسع لكونها تتعارض مع التوجّهات العامّة للبيان الوزاري والسياسات القطاعية التي يشتغل عليها أكثر من وزير، والتي سبق أن جرى التفاهم عليها في مرحلة إعداد المشروع وشُطبت من الصيغة الأخيرة من دون التشاور مع الوزراء المعنيين!

القطب المخفية

هذا التوافق السياسي الجزئي قضى بتأجيل طرح زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10% إلى 12% أو 15% إلى وقت لاحق، وتنفيذ الزيادة على ضريبة ربح الفوائد من 5% إلى 7%، وعدم المس بالرسوم المفروضة على صفيحة البنزين (نحو 9500 ليرة على كل صفيحة) التي سترتفع عائداتها الإجمالية من 999 ملياراً و157 مليون ليرة في العام الماضي إلى 1000 مليار و32 مليون ليرة في هذا العام...

وفي المقابل، قضى التوافق المذكور بإقرار مبدأ «الخصخصة» أو ما يُسمى إشراك القطاع الخاص، من دون أن تتضح معالمه وآلياته وانعكاساته على أرقام المشروع نفسه، إذ إن مجموع النفقات الملحوظة ارتفع بقيمة 2816 مليار ليرة، وهي القيمة نفسها التي طرحها فريق رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في جلساته مع ممثلي الكتل الأساسية (حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر) كمبرر لزيادة الضريبة على القيمة المضافة أو اعتماد خيار الخصخصة!

وما ينطبق على القيمة الإجمالية للنفقات، ينطبق أيضاً على الشق الاستثماري من هذه النفقات، الذي كان بمثابة الذريعة المباشرة للسعي المحموم إلى انتزاع التوافق على الخصخصة، فقد ارتفع مجموع الإنفاق الاستثماري من 819 مليار ليرة في العام الماضي إلى 2033 مليار ليرة، بزيادة 1214 مليار ليرة، وهي القيمة نفسها التي عرضها فريق الحريري سابقاً، بمعنى أن اعتماد خيار الخصخصة لم يخفض الإنفاق كما جرى التسويق له.

هذه الوقائع الواردة في مشروع الموازنة تطرح علامات استفهام جمّة في شأن الأهداف الفعلية التي كمنت وراء طرح زيادة الضريبة على الاستهلاك سابقاً، ومن ثم استبدالها بطرح الخصخصة. فهل هذا المشروع هو مجرد تمهيد لموجة مقبلة من الإجراءات المثيرة للإشكاليات؟

أم أن هناك «قطباً مخفية» تتصل بما يُروّج له حالياً عن أن الخصخصة تمثّل المخرج المتاح لأزمة السيولة الفائضة بالليرة لدى المصارف المحلية التي تناهز قيمتها نحو 13 مليار دولار؟ وهذا السؤال الأخير يزداد إثارة في ضوء الملاحظة الأهم على أرقام المشروع، إذ إن مجموع خدمة الدين العام وتسديد أقساط من هذا الدين مستحقة في العام الجاري لم يرتفع إلا بنسبة 7.4% فقط من 6087 مليار ليرة إلى 6540 مليار ليرة، أي إن الزيادة تقتصر على 453 مليار ليرة، علماً بأن وزارة المال تشارك مصرف لبنان، بكثافة، في امتصاص السيولة الفائضة عبر إصدارات سندات الخزينة التي راكمت فائضاً في حساب الخزينة يبلغ حالياً أقل بقليل من 10 آلاف مليار ليرة، تُسدّد الفوائد عليها من الموازنة، وعلماً أيضاً بأن مشروع الموازنة الحالي ينطوي على زيادة في الدين العام بقيمة العجز الكلي المقدّر بنحو 6056 مليار ليرة.

كل ذلك يدفع إلى طرح سؤال محوري عمّا إذا كان اللبنانيون قد خضعوا لعملية «بلف» موصوفة في الفترة الماضية، عبر ابتزازهم بطرح زيادة هائلة على الضريبة على القيمة المضافة من دون أن تكون هناك حاجة فعلية لذلك، وهو ما يثبته المشروع الحالي، وثم عبر طرح الخصخصة لوضعها في جيب من يسعى إليها من دون أن تكون هذه الأداة ضرورية الآن، بل ضرورية لاحقاً لإمرار الصفقات السوداء عندما تجهز المشاريع المطروحة لذلك، وهذا قد يحصل في هذا العام أو في العام المقبل، لكن من خارج الموازنة ومن دون أي صلة بها.

ولعل أبرز دليل على ذلك أن المشروع الحالي يلبي مطالب وزير الطاقة والمياه جبران باسيل بإقرار اعتمادات لتجهيز نحو 700 ميغاواط إضافية من الإنتاج الكهربائي عبر قانون برنامج بقيمة 1772 مليار ليرة يمتد على 4 سنوات، بدءاً من 414 ملياراً في هذا العام، فضلاً عن 177 مليار ليرة لمشاريع المياه، وهو ما كان مطروحاً في الأصل، وهذا يسري أيضاً على برنامج وزير الأشغال العامّة والنقل غازي العريضي للطرق البالغة كلفته 344 مليار ليرة... فكيف ستجري الخصخصة؟ وأين؟ لعل هذا هو اللغز الذي يحتاج إلى تفكيك واكتشاف.

الموازنة بالأرقام

بانتظار المزيد من الدراسة والتمحيص لمشروع الموازنة، إن الأرقام التي يتضمنها تنطوي على زيادة في الإيرادات من 12705 مليار ليرة محققة في العام الماضي إلى 13779 مليار ليرة في هذا العام، بزيادة 1074 مليار ليرة، وما نسبته 8.4%، فيما ارتفعت النفقات الإجمالية من 17478 مليار ليرة إلى 20294 مليار، بزيادة 2815 ملياراً وما نسبته 16.1%.

انطلاقاً من هذه الأرقام، سيبلغ العجز الكلّي نحو 6056 مليار ليرة بالمقارنة مع 4470 مليار في العام الماضي، أي بزيادة 1586 مليار ليرة وما نسبته 35.4%، لترتفع نسبة هذا العجز من الناتج المحلي الإجمالي من 8.59% إلى 10.74%.

وتبني وزارة المال توقّعاتها على أساس نمو اسمي للناتج المحلي يبلغ 8.36%، ومعدّل تضخّم يقل قليلاً عن 4%، أي إن النمو الحقيقي سيكون بحدود 4.5%، وسيرتفع الدين العام (المعترف به رسمياً) من 77024 مليار ليرة في نهاية العام الماضي إلى 83182 ملياراً في العام الجاري، بزيادة 6158 مليار ليرة وما نسبته 8%، إلا أن نسبته من الناتج ستتراجع تراجعاً طفيفاً من 147.98% إلى 147.47%.

تجدر الإشارة إلى أن مجموع الاعتمادات الملحوظة في الموازنة (دون نفقات الخزينة) بلغ 18652 مليار ليرة بالمقارنة مع 16305 ملياراً في العام الماضي، أي بزيادة قدرها 2,347 مليار ليرة، وما نسبته 14.39%، توزعت على الشكل الآتي:

ـــــ النفقات الجارية ارتفعت من نحو 9045 مليار ليرة إلى نحو 10062 بزيادة 1017 مليار ليرة وما نسبته 11.25%.

ـــــ اعتمادات الإنفاق الاستثماري ارتفعت من نحو 819 مليار ليرة إلى نحو 2033 ملياراً، بزيادة 1214 ملياراً وما نسبته 148.21%.

ـــــ الإنفاق الأولي (أي من دون خدمة الدين العام) ارتفع من نحو 9864 مليار ليرة إلى نحو 12095 ملياراً بزيادة 2231 ملياراً وما نسبته 22.62%.

ـــــ خدمة الدين ارتفعت من نحو 6441 مليار ليرة إلى نحو 6557 ملياراً، بزيادة 116 مليار ليرة وما نسبته 1.80% فقط.

وبلغ مجموع إيرادات الموازنة (من دون إيرادات الخزينة أيضاً) نحو 12977 مليار ليرة بالمقارنة مع نحو 11389 مليار ليرة كانت متوقّعة في مشروع قانون العام الماضي، أي بزيادة قدرها 1588 مليار ليرة، وما نسبته 13.94%.

ويقدّر عجز الموازنة الكلي بنحو 5675 مليار ليرة بالمقارنة مع 4916 مليار ليرة في مشروع موازنة عام 2009، أي بزيادة قدرها 759 ملياراً وما نسبته 15.44%، وستبلغ نسبة العجز إلى مجموع الإنفاق نحو 30,43% بالمقارنة مع نحو 30,15% في العام الماضي.

أمّا النفقات المتوقعة من خارج الموازنة، التي تتضمن نفقات الخزينة إضافة إلى تلك المرتقبة بموجب قوانين خاصة، وكذلك النفقات من أصل القروض والهبات المتاحة، فتبلغ نحو 2665 مليار ليرة، بالمقارنة مع نحو 2159 مليار ليرة أُنفقت في عام 2009، أي بزيادة قدرها 506 مليارات ليرة وما نسبته 23.44%.

وكما في السنوات السابقة، تستحوذ النفقات الجارية على الجزء الأكبر من اعتمادات الموازنة (53.92%)، إذ يبلغ مجموعها نحو 10062 مليار ليرة، ويمثّل بند الرواتب والأجور وملحقاتها ومعاشات التقاعد ما نسبته 55.98% من إجمالي الإنفاق الجاري وما نسبته 30.18 في المئة من إجمالي الاعتمادات. وقد ارتفعت هذه الاعتمادات بمبلغ 163 مليار ليرة، نتيجة الاتجاه إلى إتمام تعيينات الفئة الأولى وملء الشواغر في الإدارات وتطويع 4 آلاف عنصر في قوى الأمن، الذي قد تبلغ كلفته 45 ملياراً لما بقي من عام 2010، فضلاً عن كلفة إعطاء درجات إضافية لأساتذة التعليم الابتدائي والمتوسط التي قد تبلغ 45 ملياراً، وكلفة التقديمات الاجتماعية والعطاءات للعاملين في القطاع العام الناتجة من تثبيت 10600 عنصر في قوى الأمن الداخلي التي تبلغ 24 ملياراً، وزيادة اعتمادات تعاونية الموظفين والجامعة اللبنانية وزيادة المساهمة في صندوق تعاضد القضاة وزيادة كلفة معاشات التقاعد وتعويضات الصرف بما يقارب 60 ملياراً.

خيارات التمويل

تقول وزيرة المال في تقديم مشروع الموازنة إنها اعتمدت الخيارات الآتية لتمويل الإنفاق الزائد:

أولاً: تمويل بعض المشاريع الاستثمارية من القروض الميسرة التي تحصل عليها الدولة من الدول والصناديق المانحة، إضافة إلى لحظ اعتمادات في صلب الموازنة لتمويل بعض المشاريع، ومن أهمها تمويل إنتاج ما يقارب 700 ميغاواط وصيانة الطرقات وتأهيلها وتوفير الوصلات الأساسية للنهوض بقطاع الاتصالات.

ثانياً: إشراك القطاع الخاص، وخاصة في قطاع الاتصالات، وقطاع الكهرباء حيث الحاجة الملحة تفوق 1500 ميغاواط، وكذلك قطاع النقل إن لناحية تطوير شبكة الطرقات وتأهيلها والنهوض بالنقل العام وسكة الحديد وتطوير المرافئ وسواها... وبناءً عليه، فإن الحكومة عازمة على إقرار مشاريع القوانين التي تخول الدولة القيام بعملية التشركة لبعض القطاعات، ولا سيما قطاع الكهرباء وإشراك القطاع الخاص في مشاريع التنمية.

ثالثاً: الاستمرار في وتيرة خفض الفوائد.

رابعاً: تعزيز حصيلة الإيرادات الضريبية، ولا سيما:

ـــــ زيادة الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 5 في المئة إلى 7 في المئة،
ـــــ زيادة رسوم التسجيل العقاري من 5 في المئة إلى 7 في المئة للشطر الذي يزيد على 750 مليون ليرة،
ـــــ رسم 3 في المئة على الفروقات الإيجابية الناتجة من عملية إعادة تقويم استثنائية للأصول الثابتة والعقارات والموجودات لدى الشركات.
ـــــ إخضاع العقارات المبنية الشاغرة لضريبة الأملاك المبنية.
وفي المقابل، يتضمن المشروع إلغاء رسوم وضرائب أخرى، منها:
ـــــ الإعفاء من رسوم التسجيل في المدارس الرسمية ورسوم الامتحانات.
ـــــ زيادة التنزيل على رسم الانتقال للورثة من الدرجة الأولى، أي زيادة مبالغ الإعفاء على الحصة الإرثية نحو ثلاثة أضعاف.
ـــــ زيادة المبلغ غير الخاضع لضريبة الأملاك المبنية للمالك الذي يسكن منزله إلى 9 ملايين ليرة بدلاً من 6 ملايين.
ـــــ خفض الغرامات على الضرائب والرسوم بنسبة 90%، بما فيها غرامات البلدية وأوامر التحصيل وغرامة رسوم السير ووكالات بيع السيارات.
ـــــ إلغاء ضريبة المبيعات على المؤسسات السياحية الصغيرة غير الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة.
ـــــ إعفاء السيارات الصديقة للبيئة (Hybrid) من الرسوم الجمركية.

Script executed in 0.18746399879456