ارتدّت التهديدات الأميركية ـ الإسرائيلية للبنان وسوريا تحت عنوان «تهريب صواريخ «سكود» من سوريا الى «حزب الله» عبر الحدود»، سلباً على مطلقيها، وتجلى ذلك من خلال الخطوة الكبيرة التي خطتها طاولة الحوار الوطني، مجتمعة، حيث قررت حصر جدول أعمالها بنقطة واحدة هي صياغة استراتيجية دفاعية لحماية لبنان من الأخطار والمطامع الإسرائيلية، وبالتالي، إخراج سلاح «حزب الله» من دائرة السجالات الإعلامية المفتوحة، التي تتحرّك في أغلب الأحيان، وفقاً لـ«أجندة» غير محلية.
واذا كان «حزب الله» قد نأى رسميا عن الردّ على هذه التهديدات، فإن بعض نوابه قد تولّوا التعبير عن موقف الحزب معتبرين الموقف الأميركي المتبني للموقف الإسرائيلي تهديداً للبنان «لن يؤثر على خيارنا والتزامنا بالدفاع عن بلدنا بكل الوسائل المتاحة»، وان لبنان يكون بخطر «عندما يفتقد قدرات دفاعية لإحباط اي عدوان إسرائيلي».
وفيما انضمت فرنسا الى حملة التهويل الأميركية الإسرائيلية، أعلنت دمشق رفضها للمزاعم الاسرائيلية، ورأت أن إسرائيل «تهدف من خلالها إلى المزيد من توتير الأجواء في المنطقة، وإلى خلق مناخ يهيئ لعدوان إسرائيلي محتمل، وذلك للتهرب من تلبية متطلبات السلام العادل والشامل»، فيما كان الطيران الحربي الاسرائيلي يشنّ سلسلة طلعات جوية في الأجواء اللبنانية، قللت مراجع سياسية وأمنية من خطورتها.
طاولة الحوار
على صعيد طاولة الحوار، فقد انعقدت الجلسة الثانية لهيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري في بعبدا وانتهت الى تثبيت بند الاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان كبند أساسي حصري على طاولة الحوار، والالتزام بنهج التهدئة السياسية والإعلامية، على ان تعقد الجلسة المقبلة بعد الانتخابات البلدية والاختيارية في الثالث من حزيران المقبل.
وتميّزت الجلسة بمناخ حواري هادئ، انما بمضمون سياسي حاد، حيث بادر فريق المعارضة الى تسجيل الكثير من النقاط من خلال شن هجوم منسق أربك الآخرين ووضعهم في موقع دفاعي، ذلك أن الرئيس نبيه بري قدّم مطالعة شاملة أيّدها رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ورئيس تكتل الاصلاح والتغيير النائب ميشال عون ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، والتحق بهم رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط.
ترافق ذلك مع رسالة وجّهها «حزب الله» الى بعض أطراف الحوار مفادها: «إما اننا نريد حواراً جدياً، موضوعه الاستراتيجية الدفاعية التي تشتمل على جوانب عسكرية وامنية وسياسية واعلامية وثقافية واجتماعية واقتصادية، واما اننا لا نريد حواراً جدياً، بل مجرد تراشق إعلامي واذا استمرّ هذا المنحى الأخير لدى البعض، فلسنا مستعدين للاستمرار في المشاركة في الحوار».
وبدا ان رسالة «حزب الله» التي نقلها النائب محمد رعد، قد وصلت بدليل ترجمتها في نص البيان الختامي من خلال التأكيد على حصر البحث بالاستراتيجية، والتوافق على تغليب الحوار الهادئ، وعدم إثارة أمور «توتر اللبنانيين» كما جاء في مداخلة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي أكد باسم الجميع «اننا نريد الحوار ولا شيء غيره»، واما اللافت للانتباه فتمثل في تكرار النائب سليمان فرنجية اسئلته حول مفهوم العمالة ومواصفات العميل، وقرنه بأمثلة متعددة أصابت «حفلة شاي مرجعيون» وكلام نائب رئيس المجلس النيابي فريد مكاري عن «جارتي لبنان» (إسرائيل وسوريا) وغيرها....
وقد قدّم بري سرداّ تاريخياّ للمسار العدواني الاسرائيلي على لبنان منذ العام 1923، مستعرضاً المجازر التي ارتكبت بحق ابنائه. وكان اللافت للانتباه في هذا السياق، ما قاله سمير جعجع عن ان اسرائيل لم تعتد على لبنان قبل العام 1948، فوعده بري بتزويده بكشف يتضمن ما يزيد عن 1200 خرق واعتداء اسرائيلي ضد لبنان في تلك الفترة.
واكد بري ان المقاومة اثبتت جدواها في تحرير الارض وبالتالي، صارت الحاجة اليها غير مرتبطة بزوال الاحتلال الاسرائيلي او ببقائه.
واذ رفض بري نظرية الحياد واتفاقية الهدنة، اعترض على رؤية القوات اللبنانية للاستراتيجية الدفاعية، واكد ان المقاومة حق مشروع طالما ان هناك احتلالاً لشبر واحد من الارض، وسأل «هل نترك الجيش اللبناني وحده من اجل ان يواجه اسرائيل ام اننا جميعاً معنيون بالوقوف الى جانب الجيش ... ان المقاومة هي تعبير عن وقوف الناس مع الجيش».
وخلص الى اقتراح تشكيل لجنة مصغرة من قيادة الجيش والمقاومة للبحث في آلية التنسيق في ما بينهما على قاعدة ان سلاح المقاومة لا علاقة له بالشأن الداخلي على الإطلاق، ودوره ينحصر بتحرير الارض وردع العدوان، وبعد التحرير يتم وضع تشريع ينظم وجود المقاومة في المناطق الحدودية تتكامل وتنسق مع الجيش في الدفاع عن الارض والوطن.
وفيما اعترض سمير جعجع على مضمون مداخلة بري، دافع عنها النائب ميشال عون، وقال «من حقي أن أتسلح وأن أدافع عن أرضي بكل الوسائل والإمكانات المتاحة». أضاف «المقاومة تواجه الاحتلال الإسرائيلي بالتنسيق مع الجيش ولا بديل راهناً عن سلاح المقاومة، وهذا ليس تعنتاً، بل هي مقتضيات الواقع، لا يوجد بديل راهن لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي».
واما النائب جنبلاط، الذي سيقوم بزيارة خاصة الى دمشق اليوم برفقة زوجته ووزير الأشغال والنقل غازي العريضي، فقد جاءت مداخلته في سياق التموضع السياسي الجديد، فدعا إلى إخراج سلاح المقاومة من التداول، وقال: «يجب ان ينتبه الجميع إلى أن إثارة موضوع سلاح المقاومة في الإعلام، لا يخدم مصلحة البلاد ويؤدي الى توتير وتشنج سياسي ومذهبي وطائفي».
ودعا جنبلاط الى الاستفادة من التجربة السابقة، رافضاً حيادية لبنان، ومؤيداً اتفاقية الهدنة، وشدد على معالجة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، والأخذ في الاعتبار الحقوق المدنية للشعب الفلسطيني. وتمنى ألا نعتبر كل حادثة أمنية وكأنها مؤامرة. هناك حوادث أمنية يجب أن نعطيها حجمها، وأن نضعها ضمن حجمها، من عيون ارغش وحتى قوسايا.
وفيما لفتت المداخلة الهادئة جداً للرئيس سعد الحريري وتأكيده على ضرورة الحوار وأهميته، في مقابل نبرة حذرة للرئيس فؤاد السنيورة برزت في تحذيره من الفخ الإسرائيلي، وفي إظهار توجّسه من التضخيم الإسرائيلي لموضوع «وصول السلاح الى المقاومة»، وسجل اعتراضه على تسريب المعلومات من داخل الحوار على صورة ما جرى في الجلسة الأخيرة، وقال ان احداث قوسايا لا يمكن المرور عليها مرور الكرام ولا يجوز أن يستمر السلاح الفلسطيني من دون معالجات.
وعلمت «السفير» ان نقاشاً دار حول موعد الجلسة المقبلة للحوار، على خلفية «طرح» بأن يتم التأجيل إلى ما بعد الانتخابات البلدية والاختيارية، على أن يتم تحديد الموعد آنذاك، الأمر الذي رفضه رئيس الجمهورية الذي أصرّ على تحديد موعد لكي لا نعطي إشارة سلبية، فكان تحديد موعد الثالث من حزيران المقبل.
دمشق: المزاعم الإسرائيلية تمهّد لعدوان
من جهة ثانية، نفت دمشق المزاعم الاميركية والاسرائيلية حول نقلها صواريخ «سكود» الى حزب الله. ونقلت وكالة الانباء الرسمية «سانا» عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية، قوله إن «إسرائيل تطلق منذ فترة حملة تصريحات تزعم بأن سوريا تقوم بتزويد «حزب الله» في لبنان بصواريخ «سكود». ان سوريا إذ تنفي بقوة هذه المزاعم، ترى أن إسرائيل تهدف من خلالها إلى المزيد من توتير الأجواء في المنطقة، وإلى خلق مناخ يهيئ لعدوان إسرائيلي محتمل، وذلك للتهرب من تلبية متطلبات السلام العادل والشامل».
وكانت السفارة السورية في واشنطن، ذكرت في وقت سابق ان الاتهامات الاسرائيلية محاولة «لصرف الاهتمام العالمي» عما تقوم به اسرائيل من بناء استيطاني واحتلالها لأراض عربية وترسانتها النووية المفترضة و«مواصلتها التسلح» بأسلحة اميركية. ورأت ان هذه الاتهامات تهدف ايضاً الى «زيادة وتيرة التوتر في المنطقة، وتبرير هجوم إسرائيلي، والقضاء على أي اقتراح للسلام، وفرض املاءاتها على سياسات السيطرة على السلاح في المنطقة في وقت تخزن هي أكثر الأسلحة تطوراً وفتكاً».
وكانت وسائل الإعلام الاسرائيلية قد نقلت عن مسؤول إسرائيلي، قوله ان صواريخ «سكود» كانت تهرّب الى «حزب الله» على مدى الشهرين الماضيين، في وقت قال نائب وزير الدفاع الاسرائيلي ماتان فيلنائي «أفضل عدم الدخول في التفاصيل، لكن كل ذلك يعكس الواقع الذي يحيط بنا مع أعداء يفعلون كل شيء ليعززوا انفسهم، واسرائيل عليها ان تكون مستعدة». وتابع «سنقوم في نهاية الشهر المقبل بتدريب عسكري لمواجهة هذا الواقع كما فعلنا العام الماضي».
وفي باريس، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية ان فرنسا ستعتبر قيام سوريا بنقل صواريخ «سكود» الى «حزب الله» «أمراً مثيراً للقلق» إذا ما تأكد. ودعت مساعدة المتحدث باسم الوزارة كريستين فاج «الى الاحترام التام لقرار مجلس الامن الرقم 1701 بكل مندرجاته».
وأضافت فاج «أذكركم بأن هذا القرار ينصّ على حظر الاسلحة الى لبنان اذا لم تسمح بها الحكومة اللبنانية او اليونيفيل». ورأت أنه «نظراً الى وجودنا في لبنان، وخصوصاً وجودنا العسكري في إطار قوة اليونيفيل، فإن هذه المسائل الأمنية غالباً ما تطرح مع الأطراف المعنية بهدف توفير الظروف لجو من التهدئة».
وكان قائد المنطقة الوسطى في الجيش الاميركي الجنرال ديفيد بتراوس، دخل يوم الثلاثاء الماضي على الخط، قائلاً في «معهد وودرو ويلسن» الاميركي، ان اسرائيل «قلقة من تزويد إيران لحزب الله وحماس بصواريخ بعيدة المدى، صارت أكبر فأكبر». واعتبر ان مشكلة العالم مع ايران تتعدّى بكثير برنامجها النووي، اذ تقوم طهران «بتمويل وتدريب حزب الله في لبنان، وحماس في قطاع غزة، و(كان هناك) اعتراض لأسلحة من أنواع مختلفة، ووسائل مساعدة أخرى في طريقها (إليهما)». وتابع «كل هذه الأمور تثير القلق.. لدى شركائنا في اسرائيل».
الى ذلك، رفض حزب الله التهديدات الصاروخية, وقال النائب حسن فضل الله لوكالة «رويترز»، إن «الموقف الاميركي هو تهديد للبنان»، مضيفاً «ان هذه الضغوط الاميركية والتهويل الاسرائيلي لن يؤثرا على خيارنا والتزامنا الدفاع عن بلدنا بكل الوسائل.. ان هذا التدخل الأميركي الذي تبنى الموقف الإسرائيلي بالكامل، هو محلّ إدانة ورفض من قبل لبنان».
ورأى فضل الله ايضاً، ان الموقف الاميركي الذي حذّر لبنان من «خطر شديد» بسبب التقارير عن الصواريخ، «يثبت، مرة أخرى، ان الادارة الاميركية تتجاهل الحقائق والوقائع لجهة استمرار الاحتلال الاسرائيلي والاعتداء على السيادة اللبنانية وخرق القرارات الدولية على مرأى الأمم المتحدة لأن ما يهمها هو إسرائيل وليس أي شيء آخر».
وقال عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب نواف الموسوي إن لبنان يكون بخطر عندما يفتقد قدرات دفاعية لإحباط اي عدوان اسرائيلي. وأوضح لـ«المنار»، تعليقاً عما يقال عن تزويد سوريا لحزب الله بصواريخ سكود، ان هذه المزاعم دعاية سياسية اسرائيلية تلقفتها اميركا وتعاطت معها وفق قواعد حماية امن اسرائيل. وأكد أنه أياً كانت الضغوط فإن شيئاً لن يحول دون مواصلة المقاومة تعزيز قدراتها.