أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

سوريا عام 2010 كمصر عام 1973، فهل من يفهم في "اسرائيل"

الجمعة 16 نيسان , 2010 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,543 زائر

سوريا عام 2010 كمصر عام 1973، فهل من يفهم في "اسرائيل"

يشعر اسرائيليون كثير اليوم بـ "مقدمة العاصفة"، ويعلمون أن هذه الصواريخ، مثل مسدس "انطون تشيخوف"، ستطلق بيقين من قواعدها حينما يحين الوقت، وهم يدركون ـ لكنهم يكبتون  ذلك تماما ، ان اسرائيل بعد هجوم كهذا على لب لبابها، ستكون دولة مختلفة تماما.

لا شك بعد كل ذلك في أنه ستنجم جميع تلك الاسئلة والحيرات التي كان يفترض ان تثور الان قبل أن يكون الأمر متأخرا. فرئيس سورية بشار الاسد يحذرنا منذ أشهر طويلة مما يستقبل، في واقع الأمر وبحديث مباشر صريح. فمن جهة يتحدى الاسد ويمكن بحسب التقارير الصحفية من نقل وسائل "تخل بالتوازن" هي بمنزلة "المحظور" الى حزب الله في لبنان، ومن جهة ثانية يكشف عن حس سخرية تاريخية ويتبنى أحيانا حرفيا تحذيرات رئيس مصر أنور السادات التي تجاهلناها آنذاك.

قد لا يكون عجبا أن صيغت تصريحات الاسد في الرابع والعشرين من آذار 2010 في مقابلة صحفية مع محطة تلفاز "المنار"، كصدى مقلق للغة التي استعملها السادات في صيف 1971 قبل نشوب حرب يوم الغفران بسنتين. "نحن في وضع لا حرب ولا سلام، وهو وضع مؤقت سينتهي إما الى السلام وإما الى الحرب"، قال الأسد في تصريح لم يحظ ولو بعنوان رئيس واحد في اسرائيل. اما السادات فقد أعلن في خطبة خطبها في الثالث والعشرين من تموز 1971 احتفالا بثورة الضباط الاحرار – بعد أقل من يوم من اعلانه "سنة الحسم" في العلاقة باسرائيل – أننا "لن نوافق على وضع لا سلام ولا حرب، لان معنى ذلك ان تحتفظ اسرائيل بالاراضي العربية الى الابد".

ويجب أن نتذكر أن كليهما، الأسد الشاب والسادات، أتى بعد "عظماء الجيل" في سورية ومصر – جمال عبدالناصر في  القاهرة وحافظ الاسد في دمشق – وتولى كلاهما الحكم خلافا للتوقعات وبالصدفة فقط، وملنا الى الاستهانة بهما منذ اللحظة الاولى: بالأسد لكونه طبيب عيون، وهاويا سياسيا وبلا قوة حضور، وبالسادات لكونه، بحسب الحكايات، مهرجا قرويا ومدمنا للمخدرات ومحبا للنازيين.

وعندما اقترح كلاهما من جهة التوصل الى اتفاق سلام على أساس انسحاب اسرائيلي الى حدود 1967، رفضناهما باحتقار لاننا فضلنا آنذاك شرم الشيخ بلا سلام على عكس ذلك، ويوجهنا التوجه نفسه نحو هضبة الجولان اليوم.

وعندما هدد السادات بالتضحية بمليون جندي، استهان بذلك رئيس الاركان آنذاك دافيد اليعزر، في مطلع 1973 بقوله إن مصر "لا أمل لها في انجاز عسكري ما" اما وزير الخارجية افيغدور ليبرمان فقد تنبأ قبل نحو من شهرين، بأن نتيجة الحرب مع سورية ستكون خسارة حكم عائلة الاسد. وكما قال موظف اسرائيلي رفيع المستوى لوكالة الانباء يو.بي.اي في الرابع من كانون الثاني 1972: "قد تقنع هزيمة أخرى العرب بأنهم لن يستطيعوا املاء شروط علينا".

صحيح ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو صرح عشية الانتخابات عندما أتى ليغرس اشجارا عن أن "هضبة الجولان ستكون اسرائيلية الى الابد، وانها ذخر استراتيجي وانه يجب على اسرائيل الحفاظ عليها لتدافع عن نفسها وعن مواطنيها" – لكنه في الحصيلة العامة يعبر بذلك عن توجه أكثر رفاقه في الائتلاف، وعن تصور أكثر اعضاء الكنيست، وعن الرأي العام الدائم في اسرائيل وعن الاتفاق الوطني الشامل الذي يكاد يبلغ بحسب استطلاعات الرأي الاجماع.

لا ينبغي ان ننسى ان وزير الدفاع ايهود باراك، الذي هو اليوم المؤيد الرئيس حول مائدة الحكومة للتقدم السياسي مع سورية، أحجم في آخر دقيقة في شيبرد ستاون، في كانون الثاني 2000، عندما استجاب حافظ الاسد المريض جميع مطالب اسرائيل حتى في الشؤون الامنية، وحتى في قضايا الماء وقضايا التطبيع. استقر رأي باراك آنذاك على اللعب بالزمن الذي لم يبق للاسد المحتضر – على حسب شهادة مارتن اندك – بسبب استطلاعات للرأي العام تنبأت بمعارضة شعبية كاسحة لوجود السوريين في طبرية. وكل ذلك قبل خيبة كامب ديفيد وخيبة الانسحاب من لبنان وجراح العمليات الانتحارية وخيبة الأمل من الانفصال من غزة، التي أبقت تأييد السلام بلا فرق عسكرية وثورة الاتفاق مع مصر كذكرى غامضة فقط.

وينبغي ألا ننسى انه هضبة الجولان في الثلاث والاربعين سنة التي سيطرنا عليها فيها قد أصبحت من اسرائيل أكثر من اسرائيل نفسها، وقد أصبحت ما يشبه صيغة مثالية من اسرائيل كما نريد أن تكون، بلا فلسطينيين وبلا انتفاضات لكن مع مناظر خلابة وأنبذة شهية وسكان ودودين، مع خيول وتماسيح وتزلج في جبل الشيخ. في هذه الظروف، يسهل الاقتناع بأنه لا يوجد من يتحدث اليه ولا يوجد ما يتحدث فيه ولا داعي لذلك أيضا لان وضعنا – كما قالت غولدا مئير وقادة الجهاز في الاسابيع التي سبقت السادس من تشرين الاول 1973 – لم يكن قط أفضل مما هو اليوم.

ومع ذلك كله، يؤمن وزير "الدفاع" ورئيس الاركان ورئيس أمان بأن الاسد يريد احراز سلام كامل عوض انسحاب كامل، وينسب الثلاثة أهمية استراتيجية عليا لتسوية تبعد خطر الحرب الشاملة، وتدفق اسفينا بين دمشق وطهران، وتضعف حماس حزب الله، وتقوي المعتدلين في العالم العربي. بل ربما تنهي حالة الطريق المسدود مع الفلسطينيين.
ولربما يجب أن نذكر السائس القلق، مع جميع التغييرات الواجبة، بـ 64 في المائة من الجمهور عارضوا الانسحاب من سيناء عشية الاتفاق مع مصر، قياسا بـ 68 في المائة أيدوا ذلك بعد التوقيع من الفور.

عشية يوم الذكرى، لا يعفى أحد من محاسبة النفس حتى أولئك الذين سيبقى رأيهم صلبا. لان التسوية المرحلية التي وقع عليها اسحاق رابين في تشرين الثاني 1975 شابهت على نحو عجيب الاتفاق الجزئي الذي اقترحه السادات في شباط 1971، ولم يكن اتفاق سلام مناحيم بيغن في 1979 مختلفا اختلافا جوهريا عن التسوية الشاملة التي اقترحها السادات قبل ذلك بثماني سنين، بيد أنه بين ذلك قتل 2656 جنديا، كثيرا منهم من أبناء جيلي الذين كانوا – ولا يكن عندكم ظل شك – جواهر التاج وواسطة العقد. التاريخ لا يتكرر أبدا في الحقيقة لكنه لا يوجد اليوم شيء يخيف أكثر من امكان أن يكون الأسد مثل السادات قبل على حق في تشخيصه أن "الاسرائيليين لا يفهمون سوى القوة"، أو ان حكمتها، للاسف الشديد تكون متأخرة دائما".

Script executed in 0.19880890846252