من وجهة نظر المطوّرين تبدو الأمور متّجهة قليلاً صوب الهدوء بعد «موجة الجنون» خلال السنوات الأخيرة، ولكن حذار نقل تجربة بيروت السيئة إلى المناطق المحيطة بها... لأن ذلك سيقضي على أي فرصة للبنانيين المقيمين بتأمين حقّهم في السكن.
قبل ثلاثة أشهر اشترى مصطفى أحمد أرضاً في منطقة الدبيّة بهدف التملّك وفقاً للموجة المسيطرة على السوق. والآن يعرض عليه المهتمّون ثلاثة أضعاف السعر الذي اشترى على أساسه. يعمل أحمد في سوق العقارات في لبنان منذ 8 أشهر على رأس شركة «Mercury»، بعدما خاض غمار سوقي دبي ولندن.
تحدّث عن تجربته في منتدى العقار والتمويل الذي عُقد في فندق فينيسيا في بيروت الأسبوع الماضي، وحذّر من أنّه «يجب مواجهة الجشع المسيطر في السوق والمتمثّل بأسعار الأراضي المضخّمة وأسعار المنتجات العالية جداً».
فسوق العقارات في لبنان تشهد، وفقاً لجميع المشاركين في هذا المنتدى، موجة من الخوف المتبادل: مالكو الأراضي خائفون من البيع الآن لأنّ الأسعار سترتفع مستقبلاً لذا يرفعون الأسعار رفعاً خيالياً، والمطوّرون خائفون من انعكاس الشراء عند هذه الأسعار على ربحيّة محفظتهم.
وهذا يترك المستهلك العادي عند عتبة التردّد، إن كان أساساً يستطيع الشراء بعد «الارتفاع الجنوني الذي حصل خلال السنوات الأخيرة» بحسب المدير العام لشركة «Qualco» للتطوير العقاري روجيه كرم.
فماذا يمكن توقّعه في السوق خلال المرحلة المقبلة؟
يشير كرم إلى أنّه منذ فترة تشهد السوق ركوداً نسبياً على صعيد أسعار الشقق. ويعود ذلك إلى وصول تلك الأسعار إلى مستواها الأقصى، على حدّ تعبير المدير العام لـ«المجموعة الاستشاريّة العقاريّة»، فيكتور نجاريان.
ولكن الحديث هنا يتعلّق ببيروت الإدارية التي لن يعود هناك عقار للاستثمار فيها خلال 5 سنوات، وفقاً لما يشير إليه نجاريان. فالانتقال إلى أطراف العاصمة لا يزال إلى حدّ ما «متعارضاً مع ثقافة اللبناني»، يقول مصطفى أحمد الذي اشترى شقة فخمة مساحتها 450 متراً مربعاً بـ400 ألف دولار في عام 2007، وأصبح سعرها الآن 1.4 مليون دولار!
وتخلق في هذا الإطار مسألتان خاصّتان بسوق العقارات والمساكن اللبنانيّة: الأولى هي نوعيّة المساكن التي يتجه المطوّرون للتركيز عليها خلال المرحلة المقبلة وهامشها السعري، والثانية تتعلّق بالتوزّع الجغرافي والتوجّه الجديد الذي سيتحوّل نمطاً (Real Estate Trend) يحكم مالك الأرض والمطوّر والمستهلك إلى حين حلول مرحلة جديدة.
التصحيح والسعر المطلوب
يوافق معظم المطوّرين والمحلّلين في السوق على أنّ السوق اللبنانيّة شهدت بعد الحرب تصحيحاً حتمياً، وهكذا مع موجة إعادة الإعمار بدأت الأسعار ترتفع تدريجياً لتصل إلى مرحلة الذروة خلال السنوات الأربع الماضية، وتحديداً بعد حرب تمّوز 2006.
ويبدو أن مرحلة هذا التصحيح انتهت نسبياً، ومرجّح جداً بقاء الأسعار ثابتة في المدى المنظور.
وفي خضمّ تلك المرحلة تركّز الطلب كثيراً على الشقق ذات المساحات الواسعة، وتضخّمت الأسعار تدريجياً. أمّا الآن، بعدما حدث نوع من الإشباع في تلك الفئة، يسير النمط صوب الشقق الصغيرة.
وهذا يعني أن الطلب الآن يتركّز على الشقق التي تتفاوت مساحتها بين 100 متر مربّع وصولاً إلى 200 متر مربّع، بحسب مصطفى أحمد، لذا سيتجه المطوّرون لبناء تلك الشقق التي يتراوح سعرها بين 200 ألف دولار و400 ألف دولار.
وفي هذا الإطار يحذّر روجيه كرم من أنّه «إذا لم نركز على ما يحتاجه السوق حالياً فإننا سندخل متاهة». ويقول إنّ السوق ستبقى نشطة من حيث النموّ، غير أنّ ارتفاع الأسعار لن يكون دراماتيكياً مثلما كان خلال الفترات السابقة.
ولكن هل الاستثمار في ذلك النوع من المساكن محال في منطقة بيروت حيث العقارات المحدودة؟
أين أشتري؟
يرى المطوّرون الآن أنّ الأرض التي تمثّل خصوبة مهمّة حالياً أصبحت المناطق المحيطة بالعاصمة. فوفقاً لمصطفى أحمد: «نحن كمطورين ننقل تركيزنا إلى خارج بيروت». ويقصد مناطق مثل الدوحة أو حتّى أبعد من ذلك.
وتؤكّد على هذا الطرح الأرقام التي نشرتها أخيراً نقابة المهندسين التي أظهرت أنّ محافظة جبل لبنان حظيت بـ55% من الرخص (من حيث المساحة) الممنوحة خلال أوّل شهرين من العام الجاري. وقد ارتفعت المساحة التي تغطّيها الرخص بنسبة 37% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ولكن رغم حتميّة التزام المطوّرين بالطلب السائد في السوق، يبقى الخوف قائماً من أنّ الفورة التي شهدتها بيروت قد تشهدها المناطق المستهدفة حالياً. «وقد يحدث ذلك فعلياً إذا لم ننتبه» يتابع أحمد.
وإمكانات حدوث ذلك واردة فعلاً مع الارتفاع الحاصل في أسعار الأراضي الذي سيؤدّي إلى ارتفاع سعر الكلفة وبالتالي سعر البيع، إلا إذا اختار المطوّرون الاستغناء عن هوامش أرباحهم.
وهنا يمكن التطرّق إلى الهوامش التي يطرقها المطوّرون حيث أفادت بعض الأرقام المتداولة بأنّ هامش المردود (نسبة الأرباح) وصل إلى 100% خلال السنوات الماضية. غير أنّ تلك النسبة تراجعت وفقاً للمطوّرين أنفسهم.
فبحسب فيكتور نجاريان يتراوح المردود الاستثماري بين 25% و35% سنوياً. ويفيد مصطفى أحمد بأنّ المردود هو عند 30%.
ولكن رغم التراجع في المردود فإنّ الطلب لا يزال فائضاً عن العرض، ما يطمئن المستثمرين ويحفز استمرار شراء الأراضي وتوظيف الأموال.
ويصل فائض الطلب في بيروت، وتحديداً في ما يتعلّق بالشقق الفخمة، لدرجة أنّ 20% من المشاريع السكنيّة تُباع قبل أن تبدأ عمليّات الحفر حتّى، حسبما يشير نجاريان الذي تدير شركته محفظة بقيمة ملياري دولار بزيادة 100% عمّا كانت عليه قبل أربع سنوات.
إذاً فالسوق العقاريّة في لبنان متّجهة بحسب هذا النمط: الأسعار في بيروت ثابتة مع احتمال ارتفاع طفيف، الفورة المقبلة هي في المناطق المحيطة بالعاصمة، العرض المقبل يتركّز على المساكن الصغيرة والمطوّرون سيبقون متحمّسين للاستثمار.
% 90
هي حصّة اللبنانيّين من سوق الشقق الفخمة. وهذا الطلب غطّى الفرق الذي خلّفه خوف الخليجيّين من الشراء بعد حرب تمّوز 2006 وفقاً لفيكتور نجاريان.
3 مليارات دولار
قيمة القروض السكنيّة في ميزانيّات المصارف، بحسب مستشار مدير بنك لبنان والمهجر، فهيم المعضاد، وتتجه هذه القيمة إلى الارتفاع في ظل فائض السيولة.
بلبلة الإيجارات
شدّد المدير العام لشركة لـ«Sodeco Gestion»، جو كنعان، على أنّ سوق الإيجارات لا تحظى بالاهتمام المناسب. وهي مسألة عزاها رشيد حسن إلى المستوى المطلوب للعائد على الاستثمار. غير أنّ المردود لا يقاس دائماً بالكلفة، بحسب روجيه كرم. فيما لفت فيكتور نجاريان إلى أنّ أعلى نسبة تشغيل للمساكن المفروشة للإيجار تبلغ 85% سنوياً، وهي تسجّل في الأشرفيّة... وهذا دليل على وجود بلبلة حقيقية في سوق الإيجارات!