بري وفي محاضرة ألقاها عن تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية في فندق البريستول، بدعوة من خريجي الجامعة الأميركية، أوضح أن "المادة 95 من الدستور كرّست الطائفية، وحكومة الاستقلال سنة 1943 حرصت على شجب الطائفية والتدليل على مساوئها وإبداء رغبتها بإلغائها".
وأوضح أن "الهدف السياسي للميثاق الوطني كان في الغاء الطائفية تدريجا غير ان تقاعس السلطات لايجاد التدابير للوصول الى هذا الالغاء لم يكن السبب الوحيد بمنع الغاء الطائفية"، مشيرا الى "عاملين منعا الغاء الطائفية: الأول في اختلاف انظمة الأحوال الشخصية، والثاني في اختلاف مفاهيم العروبة"، مذكرا بقول جورج نقاش الشهير "نفيان لا ينشآن أمة:Deux negations ne font pas une nations".
وتساءل بري في هذا الإطار "هل كانت الارادة الوطنية هي ابقاء المؤقت بشكل دائم؟"، مشيرا الى ما جاء في مختصر جلسة مجلس نواب في 30 أيلول 1947، "حيث قال رياض الصلح عن قانون الانتخابات البلدية "انا فخور بهذا القانون"، وكان المشروع استُرد لالغاء الطائفية فيه، واقر المشروع بالاجماع ثم عاد المجلس مرة ثانية ليقر مشروع المختارين بعد الغاء النصوص الطائفية من نصوصه".
وتابع: "أتبنى ما رآه هؤلاء الرجال القادة الأوائل، وأرى استحالة الاصلاح في الدولة قبل الغاء الطائفية كما ارى استحالة الغاء الطائفية في النفوس قبل النصوص، وهذا يعني الانتظار الى ما شاء الله، ويتبين ان بقاء المادة 95 بعد التعديل الأول لم يكن تبنياً للطائفية السياسية، وتوقف العمل بالمراحل التالية لعملية الغاء الطائفية بعد قانوني البلديات والمختارين، جاء بعد مستجدات متعددة، ولا بد لي من أن الفت الى واقعين ما زالا سائدين: توقف عملية الالغاء الذي أدى الى تنامي العملية الطائفية وهذا ترافق وما يزال مع ظاهرة تتمثل بقول الجميع ان الطائفية علة العلل، ولكن من النادر رؤية من يقدم شيئا من القطران لمكافحة هذا الجرب".
واستطرد "بدل ان تخف حدة الطائفية فقد توطدت بالتشريع. وبعد 33 سنة من صدور الدستور في العام 59 تمّ ادخال نص بالنسبة للموظفين، الأمر الذي جعل هذه المادة ثابتة وتم التعديل التالي في العام 1990: ان على المجلس النيابي المنتخب على أساس المناصفة، إتخاذ الاجراءات لإلغاء الطائفية السياسية وتشكيل هيئة وطنية تضم الى جانب رئيسي المجلس والحكومة ومهمتها دراسة طرق الغاء الطائفية".
وأشار الى أن "أول ما يظهر من هذا النص الزام المجلس النيابي تشكيل الهيئة التي تعمل على طرح افكار الغاء الطائفية السياسية"، موضحا أنه "ليس لأحد ان يواجه دعوتي لتشكيل هذه الهيئة بالقول: إن الوقت غير مناسب، لأنني اعتمدت على الدستور للدعوة الى تشكيل هذه الهيئة، وساعة انتخابي رئيسا للمجلس في العام 1992 واعدت الكرة في العام 1998 بتطبيق الدستور، واي بلد لا يطبق سياسيوه الدستور، يستحق الشفقة ويكون في غير ثبات واستقرار".
وبعد استعراض مفصّل للمادة 95 من الدستور، أشار بري الى أنه "يتبين بوضوح ان مبادرتي لتشكيل الهيئة الوطنية لا تعني أن الغاء هذا الجانب من الطائفية يتحقق بمجرد تشكيل الهيئة، ومن المفيد ان نتصور كيف تكون الهيئة العتيدة التي يترأسها رئيس الجمهورية والثابت في تشكيلها انه سيضمن ممثلين عن جميع الطوائف والقوى السياسية وهذا التنوع سيكون ضمانة لسحب الخوف عن الطائفة والمذهب، خصوصا ان ما تتخذه الهيئة يكون بالاجماع". ورأى أن "هذا الخوف مفتعل ولا شيء يبرره، لا الحرص على المصالح الفئوية. والذين يطالبون باجراءات في المدارس قبل تشكيل الهيئة لم يقولوا كيف يمكن ذلك بظل الواقع الطائفي، والذين يعارضون تشكيلها لأن الواقع الطائفي اصبح مستشريا نقول لهم: إن تشكيلها ضروري لأن الطائفية مسترشية، ولقد ازدادت الطائفية بدل أن تخف".
ورأى بري أن "التمسك بعدم تطبيق المادة 95 من الدستور وتشكيل الهيئة فيه الكثير من الاستهانة بالتاريخ وبعقول الناس، فمهما كان ميزان التوافق بين الطوائف دقيقا فلا اصدق ان التطبيق سيكون دقيقا، ولا يمكن لحكم ساهر على الدستور ان يحفظ التوازن بين الطوائف".
واعاد سؤاله "هل سمعتم خلافا بين الطوائف في الانتخابات التي تحكمها الكوتا كنقابة المحامين؟"، لافتا الى ان "السؤال مطروح لأصحاب الضمير الوطني لا غيرهم".
وختم "عشتم وعاش لبنان مع الطوائف لا الطائفية".
وردا عن سؤال، أوضح أن "الهيئة الوطنية ليس بمجرد تكوينها تلغي الطائفية وهذا الأمر يمكن ان يستمر لثلاثين سنة، وعملها ان توازي بين النصوص والنفوس بالنسبة لهذا الموضوع، مثلا اعادة تنظيم الاعلام كي لا يكون للتفرقة اكثر، والوصول لكتاب تاريخ موحد، تحويل المؤسسات العامة كي تقوم بمنافسة المؤسسات الخاصة، العودة الى الخدمة الالزامية للجيش، الزواج المدني الاختياري والذي مرّ في لبنان وتوقف، قانون جديد للأحزاب".
وإعتبر أن "عدم انشاء الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية هو انقلاب على الطائف، فهذا أهم الاصلاحات التي وردت بالطائف".
وردا عن سؤال آخر، أوضح بري انه "فوجئت ان ليس فريقا واحدا له تحفظات على الغاء الطائفية السياسية واصبح المسلمون متمسكون ايضا بالطائفية، ووجدت أن الجو ما يزال دون اتخاذ قرار في المجلس النيابي للعمل على تشكيل الهيئة، فرأيت طرح الموضوع على الشعب، وعملية الغاء الطائفية سيأخذ على الأقل 30 سنة"، لافتا الى انه "بالامكان الوصول الى قانون مدني مع الابقاء على ارتباط كل شخص بدينه". ورأى أن "مشكلة لبنان ليست بتعدد طوائفه بل هذا التعدد غنى، إنما المشكلة تكمن في استخدام الدين لغايات سياسية وغير سياسية"، مؤكدا "عدم ذهاب الشخص الطائفي لا الى مسجد ولا الى كنيسة".
وأشار بري الى أنه "دائما كنت صريحا في هذا الموضوع فمن حضر الى السوق باع واشترى، واذا الأمر يتعلق بحصص فأنا مضطر للدخول بالحصص، والآن هناك حركة جديدة حول اختيار الموظفين والخطة التي حُضرت، أن يكون الاختيار على اساس الكفاءة"، مذكرا أن "أحد الناس المتحمسين هو أنا، واذا طبقنا هذا الأمر ستكون خطوة الى الامام، اذا مررنا عن هذه المرحلة أي التعيينات نكون تجاوزنا عقبة".
ودعا بري الى "وجوب التمييز بين المؤسسات العامة وبين الوظائف الادارية من داخل الملاك، فالقانون يعطي نسبة معينة داخل الملاك، واكثر التعيينات جاءت من المؤسسات، واذا طبقنا هذا البند، فسيكون للكفاءة حيّز كبير".