عندما تبلّغت دمشق من بيروت بذهاب الوفد الإداري الأول إليها في 14 نيسان، ترك تأليفه استياءً لدى القيادة السورية. لم يطل الوقت حتى أصدر الرئيس بشّار الأسد تعليمات بإلغاء الاجتماع المقرّر بين وفد لبناني وآخر سوري لمراجعة تقنية للاتفاقات الثنائية بين البلدين. اتصل رئيس الحكومة محمد ناجي العطري بالأمين العام للمجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني نصري خوري، وأبلغ إليه قرار الحكومة السورية، بناءً على توجيهات الأسد، إلغاء الزيارة.
للتوّ نقل خوري الرسالة إلى الحريري. الثانية ظهر 13 نيسان كانت الحكومة اللبنانية ـــــ خلافاً لما أشيع في ما بعد، قد تبلّغت رسمياً موقف دمشق. في الساعات التالية، أورد الإعلام السوري نبأ إلغاء الزيارة. وتخفيفاً لوطأة ما حدث راج أن الزيارة أرجئت ولم تُلغ.
كانت الانطباعات الأولى للرئيس السوري امتعاضه من الطريقة التي قاربت بها الحكومة اللبنانية تأليف وفد كان أدنى تمثيلاً من ذاك الذي تحضّرت دمشق لتمثيلها في الاجتماع المشترك، وكان على مستوى مديرين عامين لا معاونين لهم. قيل أيضاً إن الأسد وجد في طريقة تأليف الوفد ما يسيء إلى العلاقات السورية ـــــ اللبنانية أكثر بكثير ممّا يقوله خصوم سوريا اللبنانيون عنها. بعض الانطباعات الأخرى في دمشق أن تدني مستوى الوفد الإداري آل إلى ضم موظفين يشغلون رتبة دون رئيس مصلحة حتى.
اليوم التالي لإلغاء الزيارة، في 14 نيسان، التأم مجلس الوزراء في السرايا برئاسة الحريري الذي لم يُشر من قريب أو بعيد إلى ما حصل. كذلك التزم الوزراء جميعاً الصمت والتجاهل بمَن فيهم وزراء الحريري وحلفاؤه الذين غالباً ما يلتقطون مناسبة كهذه لانتقاد أي تصرّف سوري يرون أنه يتعارض مع علاقات لبنانية ـــــ سورية متكافئة ومع السيادة الوطنية.
يومذاك، لمس وزراء تنبّه الحريري إلى خطأ اقتُرف في طريقة تأليف الوفد، وما لبث بعد ساعات أن أبلغ إلى المحيطين به تأليف وفد آخر يستوفي ما تطلبه دمشق. وقد عُقد اجتماع بين مديرين عامين من الطرفين، وأوكل ترؤس الوفد إلى وزير الدولة جان أوغاسبيان الذي يبدو أنه الوحيد بين وزراء تيّار المستقبل الذي يعوّل عليه الحريري في جلسات مجلس الوزراء وفي مواجهة وزراء قوى 8 آذار، نظراً إلى خبرته في الحكومات الأخيرة.
وخلافاً لوزراء الدولة الستة الآخرين الذين أفردت لهم مكاتب في مبنى قبالة السرايا، اتخذ أوغاسبيان مكتباً له فيها كي يكون على مقربة من رئيس الحكومة وملفاته الحكومية.
عندما عاد وفد المديرين والمستشارين برئاسة أوغاسبيان، أشاع إيجابيات عن مداولات دمشق والملاحظات المتبادلة بين الطرفين اللبناني والسوري في نطاق مراجعة الاتفاقات الثنائية بين البلدين. إلا أن أعضاء في الوفد اللبناني أثاروا على هامش الاجتماع الرسمي، انعقاده تحت مظلّة المجلس الأعلى وأمينه العام، فيما توزّع رئيسا الوفدين اللبناني والسوري ترؤس أعضائهما، طالبين أن يكون توقيع المحضر النهائي للاجتماع في ظلّ السفارة اللبنانية في دمشق. ورغم حضور السفير اللبناني ميشال خوري الاجتماع المشترك، بدا واضحاً الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى كمرجعية لإدارة كل ما يتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين، سواء لتعديل اتفاقات أو توقيع أخرى.
لم يطل الحوار الخافت حيال ما عدّه بعض أطراف الوفد اللبناني حصر رعاية الاجتماع بالمجلس الأعلى، حاضّين على أن يكون في ظلّ السفير ما دام التبادل الدبلوماسي هو الذي يرعى علاقات البلدين.
في حصيلة هذا الحوار الذي بلغت أصداؤه إلى الجانب السوري، فتجنّب إلقاء ضوء إعلامي عليه وعلى دور السفير في اجتماعات دمشق وفتح باب جدل، سلّم الوفد اللبناني بمرجعية المجلس الأعلى مع التأكيد على إشراك السفارة في دمشق في متابعة ما دار في اجتماع الوفدين والتنسيق في المرحلة المقبلة.
كان وزراء قد سمعوا من رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة، كلما أثيرت أمامه ازدواجية دور المجلس الأعلى والسفارة في إدارة علاقات البلدين وما ينبثق عنها، أن التواصل مستمر بينه وبين الأمين العام للمجلس الأعلى، طالباً من الوزراء الانضمام إلى هذا التنسيق، إلا أنه أوضح أن السفير في دمشق على بيّنة من كل المداولات الجارية بين البلدين من خلال المجلس الأعلى.
على أن النتائج السياسية للمهمة التقنية التي نيطت بوفد المديرين والمستشارين برئاسة أوغاسبيان أفضت إلى ملاحظات، منها:
1 ـــــ بعث الروح مجدّداً في زيارة الحريري دمشق، في ضوء ما انتهت إليه مهمة الوفد اللبناني. إلا أنه لا موعد نهائياً لهذه الزيارة بعدما تردّد أنها تقرّرت في 21 نيسان تبعاً لما كانت قد رجّحته السرايا عن مهمة الوفد الإداري الأول. مع ذلك، يتحدّث رئيس الحكومة في أوساطه عن أنه سيزور العاصمة السورية على رأس وفد وزاري موسّع الشهر المقبل.
2 ـــــ تسليم الحكومة اللبنانية مرة أخرى قد لا يكون كافياً لوقف الجدل في هذا الموضوع، بمرجعيّة المجلس الأعلى في إدارة العلاقات الثنائية بين البلدين التي يستمدها من مرجعيّة معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق كإطار نصّ عليه اتفاق الطائف، عندما تحدّث عن علاقات لبنانية ـــــ سورية مميّزة، وعَهَدَ إلى المعاهدة والاتفاقات الثنائية في تنظيمها.
وعلى وفرة ما يشاع عن ازدواجية دوري المجلس الأعلى والسفارة في كل من البلدين، فإن أياً من رئيسي البلدين ومن رئيسي حكومتيهما لا يقاربان الموضوع على نحو كهذا، ويثابران على تأكيد دعمهما المجلس الأعلى ما لم يكن أحد في وارد فتح باب المناقشة على المعاهدة بين البلدين، ولا إلقاء ظلال شكوك عليها، بل قصر الأمر على الاتفاقات الثنائية ومعالجة ما يعتقد أيّ من البلدين أنها ـــــ أو بعضها ـــــ تلحق الافتئات بحقوقه ومصالحه من خلالها.
3 ـــــ تشعر دمشق، تبعاً للمطّلعين عن قرب على موقفها، ببطء يطبع حركة الحريري في علاقته بها، رغم وفرة ما يدلي به في بيروت أو في جولاته الدولية عن إصراره على فتح صفحة جديدة في علاقات البلدين والتعاون والانفتاح.
مع ذلك تلمس دمشق أنه لم يُحرز أي تقدّم سواء في علاقته المباشرة بها أو في نطاق العلاقة بين الحكومتين منذ زيارته دمشق واجتماعه بالأسد في 19 كانون الأول الماضي. وها هو شهر رابع ينقضي على تلك الزيارة من غير أن تندفع علاقات البلدين خطوة إلى الأمام، رغم أن الحريري قال غداة عودته من دمشق إنه سيعود إليها بعد شهرين، في شباط، على رأس وفد وزاري موسّع، وإنه طلب من الوزراء وضع ملاحظاتهم على الاتفاقات الثنائية التي ناقش موضوعها مع الأسد واتفقا على إجراء مراجعة شاملة لها في ضوء ملاحظات الوزراء المختصين في كل من البلدين. بانقضاء الشهر الرابع، اكتفت علاقة الرجلين بمكالمات هاتفية بينهما وبزيارة لمدير مكتب الحريري ابن عمته نادر الحريري لدمشق واجتماعه بمستشارة الرئيس للشؤون السياسية والإعلامية الوزيرة بثينة شعبان بعد إلغاء زيارة الوفد الإداري الأول.
حمل نادر الحريري إلى شعبان إيضاحات رئيس الحكومة عن مبرّرات تأليف الوفد الإداري وتغيّب مديرين عامين عنه بداعي السفر، وردّت بإيضاحات مماثلة انتهت إلى قرار الحريري تأليف وفد أرفع مستوى برئاسة وزير من تيّاره ويحظى بثقته.
تبعاً لذلك، يبدو كل من الحريري وسوريا متفقين ضمناً على غموض يطبع علاقتهما، من غير أن يظهرا استعجالاً لدفعها بوتيرة أقوى. عند هذا الحدّ تترجّح ثقة أحدهما بالآخر.
وعلى أهمية العلاقة الشخصية الجديدة بينهما، إلا أن الرئيس السوري لا يشاطر رئيس الحكومة اللبنانية موقفه بأنها كافية إلى حدّ إبطاء العلاقات السياسية بين البلدين وجعلها تتخبّط في غموض والتباس يستمدان تأثيراً رئيسياً من تيّار المستقبل وحلفائه الذين يواصلون بتفاوت مدروس انتقادها. لم يوفر الحريري مناسبة لم يقل فيها إن علاقته الشخصية بالأسد وافية للحؤول دون أي خلافات بينهما أو بين البلدين، فيما حسم الأسد موقفه من هذا الاعتبار في مقابلته التلفزيونية الأخيرة بعدم إيلائه إياها البعد المضخّم الذي يعوّل عليه الحريري.
في أيّ حال، لم تنظر دمشق إلى الجانب الشخصي من أول زيارة للحريري لها إلا على أنها محاولة رمت إلى غسل كل ما كان قد قيل فيها والاتهامات التي سيقت إليها في السنوات الخمس المنصرمة. بذلك طوى الأسد في 19 كانون الأول صفحة ما كان بينه والحريري، ولم يطوِ صفحة رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في 31 آذار الماضي إلا بالطريقة نفسها، مع فارق لافت هو أن جنبلاط غسل الماضي في بيروت قبل توجهه إلى دمشق، فيما غسله الحريري وهو يهمّ بمصافحة الرئيس السوري وعناقه.