أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لطيفة سعادة: «فرس عزرائيل» لن تنتخب ولا «تنقّ»

الأربعاء 21 نيسان , 2010 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 7,904 زائر

لطيفة سعادة: «فرس عزرائيل» لن تنتخب ولا «تنقّ»

مواطنة عادية تعاني، كما كلّ اللبنانيين، من مشاكل النفايات، الحفر في الطرقات، الإنارة... أي مشاكل «النقّ» الذي يجب أن «لا نمسك واجباً معه» عبر التمسّك بالانتخابات البلدية والاختيارية كما يقول الإعلان. هل هذا هو الحلّ فعلاً؟ فلنسأل «تاتا لطيفة»

تزيّن الابتسامة وجه لطيفة مارون سعادة، حتى تظنّ أنها ولدت هكذا، مبتسمة على الدوام. في لقائنا معها، لا تختفي الابتسامة إلا مرتين: عندما نسألها عن عمرها، وعندما نطلب منها أن تكتب هي نصّ الإعلان التلفزيوني المتعلق بالانتخابات البلدية والاختيارية.

في المرة الأولى تنزع نظارتها عن عينيها وتسأل بجدية: «أديش بتقولي عمري؟». الإجابة عن هذا السؤال هي مدخل الإجابة عن طلبنا الثاني. في التاسعة والسبعين من العمر يحتاج الإنسان إلى ما هو أكثر بكثير من حلول لـ«مطبّات» الحياة اليومية. تدرك «تاتا لطيفة»، كما يناديها المقرّبون منها، هذا الأمر فتضيف احتياجاتها إلى مضمون الإعلان.

تعدّل جلستها على الكنبة، تكوّر قبضة يدها لتستخدمها كهاتف كما في الإعلان، وتبدأ بتعداد مطالب المواطنين الواردة أعلاه، ثم تضيف: «اكتبي بدنا مستشفيات. بدنا نقدر نتحكّم. بدنا حدا يرحمنا بشيخوختنا. بدنا مدارس للولاد. والبيئة والنظافة لازم يهتموا فيهون... وأهم شي نحن مش مجبورين يكونوا كلّ أولادنا برا ونعيش مشتاقين لهم». تصمت قليلاً، ثم تسأل: «شو بعد في؟ قولي لي». نسألها: «هل وجدتِ من هو قادر على تحقيق هذه المطالب؟ من ستنتخبين؟».

مفاجأة. تاتا لطيفة لن تنتخب. «ما بدي أنتخب. البلديات ليست قراراً في يد الشعب. بعدين عنّا بالضيعة بيطلعوا بالتزكية».

مفاجأة ثانية. تاتا لطيفة، المولودة في برج البراجنة، والمقيمة في حارة صخر منذ أكثر من أربعين عاماً، تنتخب في بلدة لحفد في جبيل! وهناك، في البلدة التي ستطوّب أحد أبنائها قديساً عما قريب، لا معركة انتخابية. «اكتبي، هل يعقل أن أدفع كلّ ضرائبي في مكان، ويُطلب مني الانتخاب في مكان ثان؟»، تسأل بجدية كأنها تنتظر فعلاً إجابة عن هذا السؤال.

لا. كان هذا تمثيلاً. هي «أَوعى» من أن تنتظر من دولتها إجابة عن سؤال مماثل. السيدة التي تقترب من الثمانين، عاشت حياتها في لبنان تتلقف وحدها لحظات الفرح. يضحكها اقتراح أن تترشح هي للانتخابات: «هلّقتنيه طالبين ليسانس وشهادات للبلديات. أنا صحيح مش آخده البريفيه بس اسألي ولاد ولادي مين بدرّسهون وبساعدهن بمواضيع الإنشاء». طبعاً ليس هذا هو السبب الذي يمنعها من الترشح، لكن «ماذا يسع المسؤولين أن يفعلوا؟

مطالب اللبنانيين محقة ومشاكلهم متراكمة منذ ثلاثين أو أربعين عاماً. من هو قادر على حلّها؟ هذا البلد لا يحلّ مشاكله إلا شخص يكون أخو أختو، وإلا... أختو».

تقول لطيفة عبارتها الأخيرة وتضحك. قد لا تكون تعنيها فعلاً، لكنها بالتأكيد أكثر اقتناعاً بها من مضمون إعلانها التلفزيوني الأخير، الذي تحكي عنه بـ«مهنية» المتخصصين في عالم الإعلان. «حقق نجاحاً كبيراً» تقول، لكنها لا تخفي عدم رضاها عن أَجرها الذي تدنّى على نحو ملحوظ عمّا وصلت إليه بعدما أثبتت مهارتها في هذا المجال، وبات اسمها مطلوباً من مختلف الشركات الإعلانية. «قالوا لي إنه لوزارة الداخلية، ولا يمكنها أن تدفع أكثر فوافقت».

غير أن المال لا يحتلّ حيّزاً كبيراً في حديثها عن الإعلانات. صحيح أنه أساسي، لكنه ليس الأهم بالنسبة إلى لطيفة التي تحقق حلم حياتها بالتمثيل. «منذ كنت طفلة أمثّل في مسرحيات المدرسة، وأنا أحبّ التمثيل، لكن الناس الذين كانوا ينادونني فرس عزرائيل، كانوا يقولون لأبي إن التمثيل عيب». لذلك سارت حياتها سيراً تقليدياً. تزوجت في الـ19 من عمرها. أقامت في مونو قبل سفرها إلى البرازيل حيث عاشت 12 عاماً. وعندما بدأ أولادها يكبرون عادت إلى لبنان «خوفاً من أن يضيعوا هناك.

كنا مبسوطين. مش عارفين حالنا جايين ع الحرب». كان ذلك في نهاية الستينيات، عملت مع زوجها في تصوير السياح قرب تلفريك جونية واسـتأجرا بيتاً قريباً من مكان العمل، هو بيتها الحالي. بعد خمس سنوات، رفع صاحب المحل قيمة الأجرة أضعافاً مضاعفة فاضطرا إلى إخلائه، وعمل زوجها على نحو متقطع في الموبيليا. لم يكن العمل جيداً طوال الوقت، فعاشت العائلة ظروفاً صعبة، وخصوصاً مع «انهيار الطبقة الوسطى» تقول.

الفرصة جاءت في منتصف التسعينيات. كانت الحرب قد انتهت لكن الظروف المعيشية صعبة ولا مجالات كثيرة للتسلية. لذلك، عندما اقترح عليها الأصدقاء المشاركة في برنامج «باب الحظ» الذي كان يقدّمه الراحل رياض شرارة وميراي مزرعاني رحبت بالأمر. وصارت المواظبة على حضور التصوير نزهة أسبوعية لها ولزوجها إبراهيم إلى أن جاء دورهما مرة، فشاركا في المسابقة وربحا. هذا الأمر قرّبها من شرارة الذي كان «يتحرّش» بها كثيراً ليحصل على تعليقاتها الطريفة، حتى إنه كان يقول عنها: «استلمت العالم كلها، إجت لطيفة استلمتني».

وشرارة هو من اتصل بها، مقترحاً عليها التقدم إلى «كاستينغ» البحث عن ممثلين لفيلم «البوسطة» في مرحلة تصويره الأولى. وبالفعل اختيرت وصوّرت خمسة أيام قبل أن تتوقف بسبب عدم وجود ميزانية. خلال فترة التصوير هذه تعرّفت إلى مجموعة من الممثلات اللواتي احتفظن برقم هاتفها، وصرن هنّ دليل شركات الإعلان إليها. وقد بدأ الأمر بإعلان لجريدة سعودية ارتدت فيه الحجاب، ثم دعاية «bon brésil» التي كانت محطة رئيسية على طريق الشهرة.

لا تحفظ لطيفة تاريخ ذلك الإعلان، فتساعدها زوجة ابنها تانيا التي تقيم معها في البيت، وذلك من طريق حساب سنوات مرض العم إبراهيم الذي أصيب بالفالج وبقي سبعة أعوام طريح الفراش قبل أن يفارق الحياة. «يعني تقريباً عام 1998». بعدها كرّت سبحة الإعلانات، وصولاً إلى الـvape. هنا، تروي أنها في التجربة الأولى للتصوير، قالت عبارتها الشهيرة مرتجلة «بدك ترش رش»، لكن المخرج ارتأى الاكتفاء بكلمة «رش» توفيراً للوقت. وبعد إعادة التصوير ثلاثين مرة، فوجئت بالإعلان يذاع وفق الصيغة الأولى.

هذا الإعلان منحها الشهرة، رفع من أجرتها، وجعلها تُستقبل دائماً بعبارة «بدّك ترش رش»، إلى أن صارت «تاتا autrefois» مع إعلان لبنة تعنايل «وأنا من أضاف كلمة autrefois (في المرة القادمة) إلى النص» تقول فخورة. أما بالنسبة إلى نص إعلان البلديات، فهي لم تضف شيئاً إليه، لكن «تعابير وجهي التي تنتقل من العصبية إلى الابتسام، وتحديد الجورة التي وقع فيها ابني، كلّه من إخراجي أنا».

لم تكتف لطيفة بالإعلان، بل مثّلت في الأغاني المصورة، وفي مسلسل «الحب الممنوع». وهي تصوّر اليوم مسلسلاً من بطولتها يحمل عنوان «شنكبوت». عملها الممتع في هذا العمر يشعرها بالرضى. أمّ لأربعة أولاد وجدة لـ11 حفيداً تحقق حلماً يدخل البهجة إلى قلبها، وتحصل منه على مال يسدّ فواتير متأخرة بين وقت وآخر.

30 ألف دولار كلفة الإعلانات

تصدر مختلف وزارات الدولة تعاميم وبيانات إلى المواطنين، لكن التعاميم الصادرة عن وزارة الداخلية والبلديات تطلّ غالباً بحلّة مختلفة، وخصوصاً في المحطات الرئيسية. هذا ما تؤكده الحملات الإعلانية المتعلقة بالاستحقاقين الانتخابيين الأخيرين: النيابية (2009) والبلدية (2010)، حيث تولت شركة إعلانية محترفة مهمة إيصال الرسائل التوعوية إلى المواطنين، تماماً كما تروّج لأي سلعة تجارية أخرى. هذا حرفياً ما يقوله الموظفون في شركة «بروموسفن» التي نفذت الإعلانات التلفزيونية الخاصة بالحملة الانتخابية.

نهلة حداد، كريم قازان، دينا عريس وجوزفين حبشي تحدثوا عن ولادة الفكرة منذ إرسال الوزارة طلباتها الإعلانية، والميزانية المخصصة لذلك. «كان المطلوب تقديم الرسالة بطريقة غير تعليمية، وهذا ما حاولنا القيام به».

النكتة هي الوسيلة التي اعتمدت في إعلان بطاقة الهوية، الذي أداه ماريو باسيل، التماهي مع المواطنين من خلال شخصية لطيفة اعتُمد في إعلان التشجيع على الاقتراع، وشعبية عادل كرم استفيد منها في إعلان بحت معلوماتي يتعلق بعدد أقلام النفوس والمستندات المطلوب إحضارها.

وتوضح المستشارة الإعلامية في الداخلية، الزميلة ألين فرح، أن الوزارة حاولت منذ تولي زياد بارود مهماتها أن تكون «قريبة من الناس وتتعاطى بشفافية مع المواطنين. وهذا المبدأ الذي درجنا عليه. طبعاً تتغير الآلية وفقاً لأهمية الاستحقاق لذلك لجأنا إلى الشركات الإعلانية في الانتخابات، من خلال دفتر شروط واخترنا الشركة التي قدمت الفكرة الأفضل ضمن الميزانية المرصودة التي لم تتجاوز 30 ألف دولار، وساهم بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي». يذكر أن الوزارة أعدّت أيضاً إعلانات إذاعية ومطبوعة وزعت على مختلف الوسائل الإعلامية «التي أبدت تعاوناً معنا».

Script executed in 0.18490505218506