بدأت ماكينات تيّار المستقبل وحلفائه في الأشرفيّة العمل بجديّة. النتيجة التي وصل إليها هؤلاء هي أن المعركة باتت في حكم المحسومة. لذا بدأ البحث في التفاصيل، وأوّل هذه التفاصيل تأكيد عدد من هؤلاء أن تغيير أعضاء البلديّة سيكون شاملاً، «ما عدا ممثلي حركة أمل وحزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي، في حال انضمامهم إلى التوافق».
في الساعات الماضية، ابتعد هذا الفريق عن المفاوضات السياسيّة، وأفرد مساحةً لنقاشه الداخلي في سبيل إنضاج لائحته. ويُشير مطّلعون إلى أن نواب الأشرفيّة وحزبي الكتائب والقوات اللبنانيّة، يتّجهون إلى تسمية مرشّحين غير حزبيين، «بل شخصيّات لها حيثيّاتها ووجودها الاجتماعي والعلمي والتقني»، ويعني هؤلاء أنه ستتألف لائحتهم من مهندسين ومحامين وأطباء وشخصيّات فاعلة. وأكدت مصادر تلك القوى أن التمثيل لن يكون على شاكلة حصص لكلّ حزب، بل شخصيّات ربما هي محطّ توافق بين هذه القوى.
وكان آخر تواصل سياسي حصل بين رئيس الحكومة سعد الحريري والوزير جبران باسيل خلال جلسة مجلس الوزراء أول من أمس، عندما فتح باسيل موضوع بلديّة بيروت، فردّ الحريري عليه بأن العرض الوحيد والأخير هو العرض الذي تقدّم به الوزير ميشال فرعون، وقد رفضه التيّار بالكامل. وكانت لافتة، بحسب مصادر مطّلعة، اللهجة التي استعملها الحريري مع باسيل، «وهي لهجة لم تكن لائقة». وقد بدا الفرح بادياً على محيّا نواب الأشرفيّة بعد تصرّف الحريري، إذ قال أحدهم: «إذا أرادوا التحدّث مع الـBoss (الحريري)، فعليهم أن يفهموا أن الـBoss العوني (النائب ميشال عون) عليه التحدّث إلى نواب الأشرفيّة».
وحده الأمين العام لحزب الطاشناق، هوفيك مختاريان، حافظ على تفاؤله، مشيراً إلى أن الباب لا يزال مفتوحاً على التوافق، كاشفاً أن الطاشناق قدّم ترشيحاته، «وكما حصل في المتن عندما أُنجزت بعض التوافقات بعد إقفال باب الترشيحات، من الممكن أن يتكرّر الأمر ذاته في بيروت».
وسط هذه الأجواء، حسم حزب الله تريّثه واتخذ قراره، فقّدم ترشيح هاني قاسم، شقيق نائب الأمين العام نعيم قاسم، ليل أمس. لا يعني هذا أنه يسير في اتجاه خوض معركة، ولا حتى أن مفاوضات التوافق قد «فُرجت» أو انسدت. فهذه الخطوة في الدرجة الأولى تعني أنه بات لحزب الله مرشح، فإما أن يخوض به معركة أو يدخل من خلاله توافقاً أو يسحبه، ولا سيما أن هناك توجّهاً قوياً داخل الحزب يفضّل الابتعاد ترشيحاً عن معركة بيروت، ولهذا السبب تأخر في الترشيح، وحتى ساعات متأخرة من ليل أمس كان لسان حزب الله ينطق بمقاطعة الترشّح في انتخابات بيروت. فما الذي حصل أمس، وهل يكون هذا الترشيح أولى أوراق التوافق أو بداية معركة لم تتضح معالمها بعد؟
ويؤكّد مسؤولون في الحزب أنه يقف خلف حلفائه بالكامل في معركة بيروت، وهو يبني موقفه انطلاقاً من قراره عدم الدخول في توافق من دون تمثيل المعارضة السنيّة في بيروت، وإعطاء التيّار الوطني الحرّ مطالبه كاملةً.
ويرى مراقبون أن الحزب لا يتعاطى مع الاستحاق البلدي في بيروت باعتباره حياة أو موتاً، وبالتالي هو لم يناور كثيراً بهذا الملف، ولا سيما على حساب تحالفه المتين مع التيار الوطني الحرّ. وهذا بخلاف حركة أمل التي لا تجد نفسها معنيّة ربما بالمعركة البلديّة للجنرال ميشال عون، وقد لا تجد مشكلة في أن تتمثل بعضوين في بلدية بيروت، إذا ما عرض عليها الحريري هذا الأمر، مقابل الدخول في ائتلاف بلدي معه، وخصوصاً أن الحزب لا يرى سبباً لأن يدخل في لعبة ابتزاز من جانب الحريري في سبيل مقعد بلدي، علماً بأن الحريري يُريد أن يتمثّل بمرشح شيعي، ليقول إنه يملك تمثيلاً شيعياً.
ومنذ أمس، بدأ نواب تيّار المستقبل اللجوء إلى هذا السلاح، فقال النائب عمّار حوري في حديث إذاعي: «ما الحكمة من خوض معركة ضد رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري في هذا الظرف بالذات؟ وما الحكمة من هذا التوتير المذهبي من حزب الله؟ وما سبب الإصرار على افتعال إشكاليّة قبيل الانتخابات البلدية؟». وشبّه حوري حديث «حزب الله عن تمسكه بمطالب النائب ميشال عون وتمثيل المعارضة السنيّة في بيروت، بكلامهم قبل الانتخابات النيابية حين وصفوا 7 أيار باليوم المجيد». لكنّه أضاف: «سنكون جاهزين إذا حصلت مفاجأة في اللحظات الأخيرة في اتجاه توافق ما». وتؤكد مصادر حركة أمل أن الرئيس نبيه بري سمّى عضو البلديّة الحالي فادي شحرور مرشّحاً له في الدورة الحاليّة، ولا تربط أمل نفسها بعمليّة التوافق بين الحريري وعون.
وسط هذا، لا ينفي العونيّون أن خيار المقاطعة لا يزال وارداً، «رغم أن مبدأ المعركة حُسم لدرجة 90 في المئة، ويرون أن الظروف السياسيّة هي التي تُحدّد إمكان المقاطعة من عدمها».
المعارضة السنيّة
أمس، زار وفد يمثل القوى والشخصيّات والجمعيّات والفعاليّات البيروتيّة برئاسة عمر غندور وضمّ خالد الداعوق، حسن مطر، حسن موسى، محمد سوحاني، عماد عكّاوي وعلي صافي، الجنرال ميشال عون ونائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. وقال خالد الداعوق لـ«الأخبار»، إن الوفد نقل لعون وقاسم مطلب الأحزاب والشخصيّات البيروتيّة بأن تتمثّل بثلاثة مقاعد، لكونها نالت 30% من الأصوات السنيّة في الانتخابات النيابيّة. ونقل الداعوق عن قاسم قوله إن لدى حزب الله أولويّات، أهمها المقاومة، لذلك هو لا يُريد للانتخابات أن تؤثّر على مسار الهدوء. وتحدّث الداعوق عن أهميّة بلديّة بيروت، لكونها تضم سوليدير «التي تبلغ قيمة استثماراتها الماليّة أكثر من 26 مليار دولار». وتوقف الداعوق عند عدد مرشحي المعارضة السنيّة، الذي وصل إلى أكثر من خمسين مرشحاً، مستدركاً بقوله: «لكننا سنقوم بغربلة هذه الأسماء واختيار 7 أو 8 منها في حال المعركة أو العدد الذي يُتّفَق عليه في حال التوافق». واللافت في كلام الداعوق إشارته إلى أن الماكينة الانتخابيّة لهذه القوى ليست جاهزة تماماً لخوض المعركة.
على خط آخر، لا يزال عضو البلديّة سعد الدين الوزان، يبحث إمكان خوضه المعركة، وهو الذي أدّى دور المشاكس في المجلس البلدي الحالي.
أمّا لجهة تيّار المستقبل، فبعدما حسم رئيس الحكومة اسم رئيس البلديّة لمصلحة بلال حمد، إذ أبلغ الحريري بشير عيتاني بالأمر، وطلب منه أن يُسمّي مرشحاً لآل عيتاني على اللائحة، فطُرح اسم بشرى عيتاني، شقيقة بشير، لكنّها رفضت. عندها قال عيتاني للحريري: إذا أردتم تمثيل العائلة، فليبق سليم عيتاني. وهذا الأمر سيفتح باب صراعات العائلات واسعاً أمام الحريري، إذ يُتوقّع أن يعترض بعضها على تغيير ممثليها أو إبقائهم، وهذا ما يتحدّث عنه حلفاء الحريري في الأشرفيّة الذين يعتقدون أنه «يُعاني الكثير من المشاكل مع العائلات، وهناك من يعترض على بلال حمد أيضاً»، يقول أحدهم.
توافق على المخاتير
اختياريّاً، يسود نوع من التوافق في مناطق الباشورة وزقاق البلاط والمرفأ والمصيطبة، انطلاقاً من اعتماد مبدأ «الحفاظ على التوازنات المذهبيّة بين مختلف المذاهب الموجودة في هذه الدوائر». وعُلم أن حزب الله وحركة أمل وتيّار المستقبل، اتفقوا على الحفاظ على هذه التوازنات.
أمّا في الأشرفيّة والمدوّر والرميل، فإن معركة المخاتير أشرس من معركة البلديّة. إذ يرى العونيّون أنهم قادرون على الفوز في عدد كبير منها، ما يُحرج نواب الأشرفيّة، حتى لو ربحت لائحتهم البلديّة «لكونها تعتمد على الناخب السنّي». وفي الأثناء، يقوم نواب الأشرفيّة بعمل جدي ومكثّف، وهم على تنسيق دائم مع المطران الياس عودة، الذي يظهر لهم دعماً أكثر من واضح على الأرض.