غسان سعود - الاخبار
تتنقل ساندرا شاوول في مكتب والدها الانتخابي من غرفة إلى أخرى: هنا تحصي التيشرتات؛ هنا تتأكد أن العمل في لوائح الشطب يجري وفق الخطة؛ هنا تكرر الاتصال بالمطبعة للتأكد من أنها ستتسلّم «الفلاير» في الوقت المتفق عليه. وحده والدها ينجّيها من الغرق في الرمال المتحركة للعمل. ما إن يمر أمامها حتى تلمع عيناها السوداوان، كأنها أمام بطلها المفترض. شقيقتها الأصغر منها تُشغَل عن نشاطاتها المعتادة بالإعداد للمعركة أيضاً، فهي مستعدة دائماً لغزو الجدران في سن الفيل ونشر صور والدها عليها. أما ثالثة البنات، كارلا، التي غيّرت صورتها أخيراً على الفايسبوك بواحدة لها بين ذراعي والدها، فتتوجه من المدرسة إلى المكتب الانتخابي فوراً من دون المرور بالمنزل، محضرة معها بعض الزميلات ليشاهدن بأعينهنّ أن ما تقوله لهنّ صحيح: «والدي اليوم هو المرشح، هذه صوره وأنا ابنة شخص مهم».
يقع مكتب المرشح لرئاسة مجلس بلدية سن الفيل، عبدو شاوول، في البناية نفسها التي يعيش فيها، حاله في ذلك من حال رئيس البلدية الحالي، نبيل كحالة، الذي يسكن على بعد بنايتين فقط من بناية شاوول، وهو وجد أيضاً لماكينته مكتباً في البناية التي يسكنها. واللافت أن معظم زوار شاوول لا يجدون مواقف لسياراتهم إلا في الساحة المقابلة لمكتب كحالة، التي حوّلها الأخير إلى موقف لزواره المفترضين.
توافد أعضاء الماكينة إلى المكاتب الانتخابية يبدأ انطلاقاً من الساعة الخامسة عصراً، ففي الانتخابات البلدية عدد الموظفين في الماكينات قليل جداً. والغالبيّة من المتطوعين يحضرون بعد انتهائهم من أعمالهم.
في صالون مكتب شاوول، يحتشد العشرات ممن يفتحون آذانهم جيّداً طوال النهار ليعودوا عصراً مثقلين بالخبريات: هنا واحدة تمر بجاراتها واحدة تلو الأخرى، لتأخذ أسرارهم من نسائهم وتتبيّن من سينتخب من. وهنا ميكانيكي يشرح كيف ادّعى لامبالاته بالانتخابات أمام زبونه واستدرجه ليعرف حقيقة نيّاته. وهنا طبيب للأسنان يؤكد أن كرسيه أقرب إلى كرسي الاعتراف، أمر يعترض عليه الحلاق الموجود، مؤكداً أن أشهى الاعترافات تقع بين يديه.
هكذا تُعَدّ الانتخابات، تُجمع الأخبار ثم تحوّل إلى غرفة جانبية مخصصة لدراسة لوائح الشطب، يجلس فيها أربعة شباب يعملون خلف الكومبيوتر على تلوين الأسماء: لون لمن معهم، لون لمن ضدهم، لون لمن لا يثقون بعد بموقفه، ولون لمن لا يعرفون عنه شيئاً. وبقرب الأسماء الإيجابية بالنسبة إلى شاوول، هناك خانة كبيرة مخصّصة للملاحظات: هذا يحضره فلان، وهذا يحتاج إلى سيارة لتحضره من تلك المنطقة، وهذا لن يحضر إذا لم نلبّه في الخدمة التي يحتاج إليها. وللخدمات قصصها: هناك عائلة من سبعة أفراد، أصلها من سن الفيل وتعيش قرب بكفيا، اشترطت على شاوول أن يزفت لها الطريق الفرعي إلى منزلها قرب بكفيا مقابل انتخابه! ضحك شاوول واعتذر، فلبّاها خصمه. وهناك من أتى طالباً تغيير بلاط الحمام في منزله، ومن رآها مناسبة لإضافة بعض القرميد إلى سطحه. وهناك دائماً من يكتشف أن عليه شيكاً من دون رصيد سيؤدي إلى سجنه قبل الانتخابات، وبالتالي حرمانه فرصة الاقتراع لشاوول.
قبل مغادرة مكتب شاوول، مشاهد إضافية: بين خبرية وأخرى، يدخل أحد المتمركزين على الشرفة لإبلاغ الحاضرين أن عدد الموجودين في المكتب المقابل بات يفوق عددهم في مكتب شاوول، وعليهم بالتالي استنفار الأقرباء، فحجم الحشد يؤثر معنوياً على الناخبين، علماً بأن شاوول الذي يصف نفسه بالحالم بالتغيير قام باستعدادات استثنائية للمعركة، فهو أنشأ موقعاً إلكترونياً ومجموعة على الفايسبوك وطبع كتاباً ضمّنه كل أفكاره بشأن العمل البلدي.
ومن سن الفيل إلى الدكوانة، مكتبان انتخابيان أيضاً، واحد لتحالف التيار الوطني الحر والنائب ميشال المر، وآخر لحزب الكتائب. مكتب العونيين والمر الذي يطلّ على ساحة الدكوانة كان قبل نحو خمسين عاماً مكتباً لحزب الكتلة الوطنية، أما الآن فيستأجره رئيس المجلس البلدي كل ست سنوات ليستخدمه في المعركة الانتخابية فقط. في المقابل، فإن مكتب اللائحة الكتائبية ليس إلا بيت الكتائب في الدكوانة. واللافت، أن الحضور في المكتبين خفيف. فالمعركة لا تترك مجالاً للدواوين حيث يكثف أعضاء الماكينتين زياراتهم للأهالي لإقناعهم، كل من جهته، بانتخابهم. ويضاعف العونيون جهدهم في هذا السياق لإقناع أنصارهم بالاقتراع لرئيس المجلس البلدي الحالي الذي كان بعضهم يتّهمه قبل إنجاز تحالف عون ـــــ المر باستغلال السلطة والعمى السياسي.
وفي الضبيّة، يتحول عداء العونيين للكتائب في الدكوانة إلى وُد. فيجتمع في مكتب اللائحة المناوئة للائحة رئيس المجلس البلدي الحالي، قبلان الأشقر، العونيّون والكتائبيّون. ويبدو واضحاً تعويل البرتقاليين على الخضر في إدارة الماكينة. إذ يحضر العونيّون بكثافة في المكتب، لكنهم ينتظرون رأي الكتائبيين الذين يملكون خبرة طويلة العمر ومعرفة بأهواء الناخبين. هكذا، يجلس الكتائبي المسنّ قرب العوني الشاب ويبدآن الإحصاء. المرشح الكتائبي ميلاد مسعود مثلاً لا يفكر في الاسم لدقيقتين، إذ تختزن ذاكرته معلومات عن أبناء البلدة من دون استثناء: يبدأ أحدهم قراءة الأسماء واحداً تلو الآخر. يجيبه مسعود: «هذا كتائبي، هذا قومي، هذا محايد ينتخب معنا، وهذا محايد ينتخب ضدنا». هذه المجموعة التي قررت خوض الانتخابات في اللحظة الأخيرة لا تملك متسعاً من الوقت للأحاديث المسلية، والمحتشدون في المكتب لا يرفعون رأسهم إلا إذا تجاوزت نكتة المرشح كميل عبود الحدود الموضوعة للسيطرة على النفس. واللافت في هذه اللائحة أيضاً أنه ليس هناك اتفاق على الرئيس، فالمتضامنون أملاً بحصول انقلاب ترفّعوا عن التوقف عند توزع المناصب، علماً بأن الفارق العمري بين أعضاء اللائحة لافت أيضاً، فعمر إحدى المرشحات من عمر ابنة زميلها على اللائحة، حبيب صقر.
ومن زكريت صعوداً إلى مزرعة يشوع. يستيقظ خليل الملاح عند الساعة السادسة يومياً، يفتح باب الفرن، يعد فنجان نسكافيه، ويستعمل الإنترنت ليتصفّح جديد الصحف والمواقع الإلكترونية. ثم يحدد أولوياته، لينطلق منذ الصباح الباكر بالزيارات: «ينتخب عادة في قريتنا نحو 850 شخصاً، ويفترض بمن يتطلع إلى الفوز أن يزور هؤلاء جميعاً. فأهل القرية يعرف بعضهم بعضاً جيداً وسيتناقلون بسرعة خبر زيارتي لإحدى العائلات، فتحرد العائلة الأخرى التي لم أزرها. وهناك أسئلة حتى عند المقرّبين مني يمكن أن تدفعهم إلى انتخاب غيري إن لم أجبهم عنها». بعد الزيارات، يعود الملاح إلى المنزل ليطمئن والده من استفادته الكبيرة من الرصيد الإيجابي الذي تركه له، ويطمئن إلى أن أعمامه وأبناءهم يكملون التبشير باسمه. ثم يتصل بزملائه في اللائحة ليطلع على ما أنجزوه، منقّحاً اللوائح على كومبيوتره، معيداً تحديد من مع من ومن ضد من. ومساءً يجتمع أعضاء اللائحة في منزل رئيسها، وسط حشد من الأصدقاء، فيُعقد اجتماع مفتوح في زاوية، وخلوة في زاوية أخرى. ويتبادل الحاضرون وجهات النظر. وبحسب الملاح، فإن أجمل ما في هذه الانتخابات هو عدم حصول تبادل اتهامات بين المرشحين على اللوائح الثلاث، مؤكداً أن الاختلاط العائلي والصداقات يصعّبان اكتشاف النيّات الحقيقية للناخبين التي لا تظهر إلا بعد فتح صناديق الاقتراع. ويشير إلى أنه شجع لائحته على إبقاء مقعدين شاغرين لعدم إحراج أبناء البلدة وإعطائهم الفرصة لوضع الأسماء التي يرونها أولوية.
لسنا تماماً أمام انتخابات بلدية. لبنان على عتبة انتخابات بيت بيوت.
سر الاقتراع
الترشّح لعضوية المجالس البلدية أو رئاستها مسؤولية كبيرة. هكذا يعتقد معظم المرشحين. هؤلاء يرون أن كرامتهم وكرامة عائلاتهم وأحزابهم، إذا وجدت، معلقة على نجاحهم في الانتخابات. ويكتشف هؤلاء كلما اقترب الموعد المنتظر أنه لا علاقة هنا للثروة ولا للموقف السياسي ولا للنفوذ الإعلامي في ما ستظهره الصناديق، فالأمر كله يتعلق بالعلاقات الاجتماعية.
المواطنون في سن الفيل والدكوانة والضبية ومزرعة يشوع لا ينتخبون فلاناً، بحسب الماكينات الانتخابية في هذه البلدات، لأنه ابن عائلتهم إن كانت علاقتهم الشخصية به سيئة، ولا ينتخبون من لا يعرفونه، ولا ينتخبون الكتائبي لمجرد أنه مثلهم كتائبيّ، وحتماً لا ينتخبون من قضى الليالي وهو يعدّ برنامجه الانتخابي. الأمور، بحسب عشرات الأمثلة من هذه البلدات، أكثر بساطة: ننتخب من نحب شخصيته ونرتاح لها، الأمر الذي يعيد ترتيب الأولويات بالنسبة إلى المرشحين فيستفيقون على ضرورة إنعاش علاقاتهم، مستنجدين بأقربائهم وأصدقائهم، وخصوصاً أن معركة الكرامة تعني هؤلاء بقدر ما تعني المرشحين.