أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

البلديّات: سلطة مجهضة خدمة للسياسيّين

الجمعة 30 نيسان , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,362 زائر

البلديّات: سلطة مجهضة خدمة للسياسيّين


قبل أشهر قليلة، كان اسم أحمد الحريري متداولاً كمرشح محتمل لرئاسة المجلس البلدي في صيدا. الطريق أمامه كانت ممهدة تماماً للجلوس على عرش الرئاسة، بعد المدّ الجارف الذي أتاه مؤيّداً في انتخابات حزيران 2009. لكنه عندما سئل عن إمكان ترشّحه، رفض ذلك قطعاً. بالتأكيد، لم يكن في حسبانه أن ثمة مشكلة في أن يكون رئيس بلدية المدينة التي تمثلها والدته في المجلس النيابي، ضمن فريق الأكثرية الذي يرأسه ابن خاله، الذي يدير مكتبه شقيق أحمد. لكنّ الأخير وضع أسباباً أخرى تمنع ترشّحه، أبرزها أن القانون الحالي للبلديات يجعل من رؤساء البلديات موظفين عند القائمقام.
لكن الوظيفة عند القائمقام (ومن خلفه المحافظ ووزير الداخلية) تروق لبنانيين كثراً. تُسيّل لعابَهم. يجنّدون أفراد عائلاتهم وأنصارهم من أجل الوصول إليها. وبعضهم ينبش أحقاداً مدفونة من قرون، أو يستنجد بالسماء والأنبياء والعذراء، أملاً بالحصول على لقب الريّس أو نائبه أو عضو بلدية.
في قانون البلديات (المرسوم الاشتراعي الرقم 118 تاريخ 30/6/1977 وتعديلاته) مُنحت المجالس البلدية سلطات لا تكاد تُضاهى. فهي، في أحد أوجهها، سلطة اشتراعية. تسنّ النظم العامة التي تحمل قوة القانون. أما من الناحية التنفيذية، فكل «عمل ذي طابع أو منفعة عامة، في النطاق البلدي، (يدخل) في اختصاص المجلس البلدي» (المادة 47). والمنفعة العامة، بحسب الأمثلة التي يعددها القانون من دون حصرها، تبدأ من البنى التحتية والمجارير والنفايات، وصولاً إلى تعزيز التعليم الرسمي والمساهمة فيه، وتنظيم النقل العام وإنشاء المستشفيات والمتاحف وإقامة المساكن الشعبية.
وصلاحيات البلديات أكبر من أن تعدّ أو تحصر، وخاصة أن القانون يوغل في الضبابية، إذ يسمح للبلدية بالمساهمة في نفقات أي مشاريع «ذات نفع عام». وبالتالي، يعود للمجلس تحديد ما يحلو لأهل بلدته من منافع.
لكن هذه الصلاحيات لا تظهر في معظم البلديات الغارقة في الحرمان. أما الأسباب، فأبرزها ضعف الإمكانيات المالية للبلديات الصغرى، وسنوات الفوضى الأهلية، إضافة إلى رأس المعوقات: الرقابة المسبقة المتعددة الرؤوس.
فمقابل الصلاحيات التي يكاد يحسدها عليها مجلس الوزراء، ثمة ما يقيّد المجالس البلدية. ففي القانون، أعطيت سلطة رقابية على المجلس المنتخب لموظف يسمّى المراقب العام. لا يُصرف من دون إذنه أي مبلغ مالي يزيد على ثلاثة ملايين ليرة. وكل ما زاد على عشرة ملايين ليرة (20 مليون ليرة في البلديات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة)، يحتاج إلى موافقة السلطة الإدارية، أي القائمقام والمحافظ ووزير الداخلية. أضف إلى ذلك، فإن المشاريع التي تزيد كلفتها على 75 مليون ليرة، تخضع لرقابة ديوان المحاسبة. وكل العمليات الرقابية مسبقة. ويندر أن تسأل رئيس مجلس بلدي عن الرقابة، إلا يجيبك بحسرة. ومعظم الأجوبة تتقاطع عند ضرورة تخفيف السلطة الرقابية المسبقة لمصلحة الرقابة اللاحقة، وهي الدعوات التي تتقاطع مع مشاريع تعديل قانون البلديات، وآخرها ما تعدّه وزارة الداخلية في إطار قانون اللامركزية الإدارية. ومن أبرز أوجه الرقابة المقترحة هو تعزيز تمكين المواطنين من الاطلاع على مقررات المجالس البلدية، وحصر الرقابة اللاحقة قدر الإمكان في السلطة القضائية. ويلفت وزير الداخلية زياد بارود إلى أن رقابة ديوان المحاسبة شملت عدداً كبيراً من البلديات (تُحدَّد بمرسوم) لأسباب سياسية، مشيراً إلى أن تعقيدات الرقابة لم تمنع تفشّي الفساد الذي «تجبّه التوافقات السياسية».
أنطوان جبارة، رئيس بلدية الجديدة ـــــ البوشرية ـــــ السد، أكبر بلدات المتن الشمالي ومركز القضاء، يعطي مثلاً واضحاً على ما تخلّفه الرقابة، مما يتكرر في معظم البلديات. يقول إن مباشرة العمل في مشروع تأهيل البنى التحتية في طريق بكلفة لا تزيد على مئة مليون ليرة لبنانية (مبلغ زهيد نسبة إلى الميزانية الضخمة للبلدة وعدد سكانها ومساحتها) بحاجة إلى أكثر من 8 أشهر من المعاملات البيروقراطية. يشرح جبارة قائلاً: نتخذ قراراً في المجلس البلدي، ونكلّف مهندساً لتقديم دراسة. بعد نحو شهرين، تردنا الدراسة، فنتخذ قراراً في المجلس بالتصديق عليها، قبل أن نرفع المشروع إلى اتحاد البلديات من أجل وضع دفتر الشروط. بعد نحو شهر، نحصل على الدفتر. المجلس البلدي يصدّق مرة جديدة، محيلاً المشروع على ديوان المحاسبة. وبعد نحو شهر، تعود الدراسة من ديوان المحاسبة إلى رئيس البلدية، ومنه إلى القائمقام فالمحافظ. بعد نحو أسبوع في أقل تقدير، يعود المشروع إلى المجلس البلدي الذي يلجأ إلى إعلان مناقصة في الجريدة الرسمية. إجراء بسيط يحتاج إلى شهر إضافي على الأقل. وبعد رسوّ الالتزام على إحدى الشركات، يُعاد المشروع إلى ديوان المحاسبة للتصديق، ثم إلى المحافظ مجدداً من أجل التصديق النهائي، قبل أن يبدأ التنفيذ.
من هالك إلى مالك، ومنه إلى هالك مجدداً، وهكذا دواليك. إجراءات يصفها وزير الداخلية زياد بارود بـ«برمة العروس». «هذا إذا لم يعترض أحد الذين نحتاج إلى تصديقهم على ملاحظات ما على المشروع المقدّم»، يضيف جبارة، «هذا إذا مرّ استدراج العروض من المرة الأولى. تصوّر أن بناء دار للبلدية استغرق أربع سنوات!».
ما يجري في بلديّة الجديدة مثير للدهشة، إذ إنها واحدة من أكثر البلديات تنعّماً بتغطية النائب ميشال المر، الممسك بمعظم مفاصل الإدارة والأمن في المتن. هذا في الجديدة. فكيف حال مجالس البلدية التي لا تحظى بغطاء سياسي مماثل؟ يجيب رئيس إحدى البلديات الكبرى: «في لبنان، البلديات التي لا تحظى بغطاء سياسي تختنق». يلاقيه في ذلك نائب رئيس بلدية حارة حريك أحمد حاطوم، الذي يرى أن سيف الرقابة مصلت على رقاب البلديات، ما يدفع المجالس إلى بيت الطاعة السياسي، ويحوّل رؤساءها والفاعلين فيها إلى مفاتيح انتخابية للزعماء.

مقابل الصلاحيات التي يكاد يحسدها عليها مجلس الوزراء، ثمة ما يقيّد البلديات

 

البلديات التي لا تحظى بغطاء سياسي تختنق وفي الصغرى المشاكل أكثر تعقيداً

ويرى حاطوم أن القانون موضوع على هذا القياس، لافتاً إلى أن ضبابية الصلاحيات تسمح لأي جهة سياسية بتحريك ملفات في وجه رئيس البلدية أو نائبه، لكونهما يمثّلان السلطة التنفيذية في البلدية، في حال حصول أي خطأ مادي، علماً بأن القانون لا يطال في هذه الحالة أجهزة الرقابة الإدارية. ويتوقف حاطوم طويلاً عند صلاحيات المراقب العام، الذي «يشطح أحياناً» في تصديقاته، ويضيّق أحياناً أخرى. ويعدّد نائب الريّس حالات اعترض فيها المراقب العام على قرارات المجلس البلدي المنتخب، رغم كونها قانونية، ورغم أن «الريّس في حارة حريك محام ضليع بالقانون، ويأبى تقديم أي طلب من دون أن يكون مستوفياً لجميع الشروط».
إضافة إلى «سيف الرقابة»، يتحدّث حاطوم عن مشكلة كبرى تحول دون قدرة البلديات على ممارسة صلاحياتها، وهي مشكلة الترهّل الإداري. لماذا لا توظف البلدية ما دام ذلك من صلاحياتها؟ يجيب حاطوم: «في إحدى المراحل، عُرِض علينا استيعاب الفائض الإداري. أضف إلى ذلك أن التوظيف هو عملياً بيد المحافظ، لأنه هو من يعيّن اللجنة التي تجري مباراة التوظيف. لكننا قريباً سنجري مباراة توظيف». وفي السياق ذاته، يتحدّث رئيس بلدية بارزة عن إلغاء مباراة توظيف بسبب «علمنا بتدخلات سياسية في المحافظة».
معظم المشكلات المذكورة تتركز في البلديات الكبرى، حيث الموارد المالية متوافرة، مع وجود عقبات تعرقل تنفيذ المشاريع التي تكون في معظمها «أحلاماً وردية عندما نصل إلى المجلس». أما في البلديات الصغرى، فالمشاكل أكثر تعقيداً، إذ إن المجالس تعتمد اعتماداً شبه كامل على موارد الصندوق البلدي المستقل، وعلى الهبات. وبحسب رئيس بلدية متوسطة في البقاع (15 مقعداً)، «فإن مهماته تكاد تنحصر في تعقيب المعاملات، وحمل مطالب البلدية إلى نواب المنطقة».
والحل؟ تعديل القانون. ومشروعه بات شبه جاهز في وزارة الداخلية، من ضمن مشروع اللامركزية الإدارية. إلا أن إقراره في المدى المنظور أمر شديد الصعوبة في ظل التوازنات السياسية الحالية، وخاصة أن التجربة الأخيرة لمحاولة تعديل قانون الانتخابات البلدية والاختيارية لم يجفّ حبرها بعد.
هل يستحق هذا الواقع المعاركَ الضارية التي تُخاض من أجل الفوز بالمقاعد البلدية؟ تأتيك الأجوبة من ازدحام مراكز التقدّم بطلبات الترشّح. وقلّما يُعثر على رئيس بلدية لا يطلب التجديد لنفسه. يلخّص جبارة الأمر بالقول: «لا بديل من البلديات بواقعها الحالي، نحن نعيش على السياسة».



مختار المخاتير

 

إنه تقليد عثماني. كانت السلطة تختار أحد أبناء البلدة ليكون عينها ودليلها في القرى والبلدات، لذا سمّي المختار. وعادة ما يكون الرجل مقتدراً، ومن عائلة كبيرة. عنده مربط الخيل. يحدّد الأرزاق والأعمار. فمساحات الأملاك بيده، وتحديد الأنساب والولادات والوفيات رهن بخاتمه. لاحقاً، صار اختيار المختار بعهدة أهل البلدة. وفي القانون اللبناني، صنف من ضمن أفراد الضابطة العدلية. هو إذاً مثيل معاوني النائب العام التمييزي، من نواب ومحامين عامين (قضاة) وضباط وقادة السفن والطائرات ومأموري الأحراج. وبيده مفتاح البلدة أمام السلطة. إذ يُمنع على أي أمني أن يطأ أرض منزل من دون حضور المختار. وكما الأمن، كذلك هو. يرافق الناس من لحظة ولادتهم، حين يلجأ الأهل إليه لتسجيل مواليدهم الجدد، إلى لحظة الوفاة، مروراً بالزواج ونقل القيود والحصول على سجلات القيد وجوازات السفر وإفادات السكن. أضف إلى ذلك إفادتي «فقر الحال» و«حسن السلوك». وفي البلدات التي لم تُمسح عقاراتها بعد (وهي كثيرة في لبنان)، يمسك المختار بالخرائط ويصبح صاحب الكلمة الفصل في وضع الحدود.
هذه صلاحياته. أما مشكلته الرئيسية، فهي المردود المالي. القانون لا يلحظ أي تعويض أو راتب شهري للمختار. ويبقى تحديد البدلات التي يتقاضاها مقابل المستندات التي يوقعها رهناً برغبته الشخصية. وحتى وقت قريب، لم يكن يتمتع بأي ضمان صحي. وبعد إقرار مطلبه التاريخي بذلك، لم يشمل هذا الإجراء فترة تقاعده، رغم أن معظم المختارين يتركون ختم المخترة وهم طاعنون في السن. لكن مشكلة البدل المالي لا تشمل جميع المختارين. فمختارو المدن والبلدات الكبرى محسودون من نظرائهم في القرى والبلدات. الطرف الأول يحدد بدلات ثابتة لقاء المعاملات التي ينجزها. وعدد المشمولين بسلطته كبير جداً. «يمكنه ذلك من العيش مرتاحاً»، بحسب مختار الشياح زهير غاريوس، وهو ما يوافق عليه عدد كبير من مختاري بيروت والضواحي.
أما في القرى والبلدات الصغيرة، فإن هذا الأمر غير متيسر. فمعظم قاصدي المختار أقاربه ومعارفه اللصيقون. وهؤلاء، «من عظام الرقبة». وبعض المختارين يخجلون من طلب بدلات مالية للمعاملات المنجزة، حتى إن بعضهم يرفض قبول أي مبلغ مالي لقاء تسهيل أمور المواطنين.
لكن ثمة نقاشات تجري بعيداً عن الأضواء. ثمة من يقول إن لبنان هو من البلدان القليلة في العالم التي لا يزال فيها منصب شبيه بالمختار، وإن المجالس البلدية المنتخبة، صاحبة السلطة الإدارية، يمكنها تأدية دور المختارين، ومستنداتها مقبولة في الداخل والخارج. وزير الداخلية زياد بارود يملك وجهة قانونية في هذا الإطار. يقول إنه يؤيد أن يكون منصب المختارية من ضمن مؤسسة المجلس البلدي، رغم علمه بأن هذا الرأي هو غير شعبي.
بالتأكيد، لا يُنصَح بمناقشة المختارين بهذا الرأي. لن يتساهلوا بالرد عليه. يقول أحدهم (مختار في بيروت) إن «المخترة هيبة ووجاهة. وهي جزء من تراثنا. وقبل البلديات كنا. ولا أحد يمكنه إلغاء مواقعنا». يقول غاريوس إن «المختار يدخل للصلحة بين الزوج وزوجته، وبين الأخ وأخيه. فهل ثمة من يقوم بهذه المهمة غيره ؟».

Script executed in 0.18919205665588