بعد أن فقد الأمل بفعل شيﺀ يؤثر على مجرى الأحــداث، مشى مهزوماً واضعاً كاميراته جانباً ومستسلماً لشعور غثيان داهم، لم يملك متسعاً من الوقت "ليفكر وليعقل"، كان يرى الصورة هذه المرة من زاوية واحدة، فــقــد الــمــصــور الــمــحــتــرف ابــعــادهــا واجـــزاﺀهـــا الكاملة فــي مــرة نـــادرة، كانت رؤيته تصوّر جميع الهاتفين والمتجمعين في كترمايا امس الاول بأنهم جلادون وبأن المتهم المصري حسن مسلم بقتل طفلتين وجديهما (نستخدم المصطلح استنادا الى الرواية الرسمية التي قالت بالامس ان فــحــص الــحــمــض الــنــووي اثبت ارتكاب مسلم للجريمة) هو الضحية التي تنشد مــن يغيثها مــن ايــدي المنقضين عليها.
في تلك اللحظة، لم يستطع الزميل تظهير وجهي زينة وآمنة البريئين او جديهما في الصورة التي حاكتها غريزة انسانية انكب مساﺀ الامس على تشريحها طارحا اسئلة عدة "لماذا شعرت بالتعاطف مع القاتل؟ ، لماذا لم ترف جفون نساﺀ ورجال وأطفال لمنظر سحل الجثة وتعرية القتيل وتعليقه على عمود كهرباﺀ بعد ان تم تثبيت قطعة حديدية في فمه تم استقدامها من احد الجزارين؟ ، هل لو ان الضحايا من عائلتي لكنت الآن من بين الجموع المكبرة؟ ".
.
يروي المصور انه بحث كثيراً عن الأم المفجوعة وسط الجموع دون ان يوفق في جعل عدسته ترصد ردود فعلها وهــي تشاهد عملية القتل وتوابعها التنكيلية، "كنت بحاجة لكي اراهــا وهم يعلقون الرجل على الــعــمــود كنت بحاجة لــرؤيــة صــورة الفتاتين"...
في المساﺀ لم يتمكن من اغماض جفنه، حيث بقيت حــال الغثيان المعنوي والجسدي تسيطر عليه، لم يتمكن من تناول الطعام، قرر ان ينقطع عن تناول اللحم الحيواني الــى ابــد الآبــديــن، شــرب الكثير من السودا والمهضم الغازي لكن رائحة الدم بقيت تملأ انفه وهو يستعيد مشهد غرز احدهم لاصابعه في العنق المفتوح بعد تعليقه.. اخذ يهرب من متابعة الحدث عبر الشاشات التي بثت عملية الاعدام "الجماهيري" دون مراعاة لمشاعر مشاهد أكان طفلا او عجوزا او انسانا ناضجا ضعيف القلب او قوي القلب "متحضر".. في منزله كان يتسلل الى سمعه جدال والديه، الوالدة المؤيدة للاقتصاص من القاتل بهذا الشكل "ليكون عبرة لغيره" والاب الرافض لسيادة شريعة الغاب...
صباحا كــانــت القضية تتصدر الصحف التي آثرت إحداها ان تعرض على صدر صفحتها الاولى المشهد الــــذي لــم يــغــادر مخيلة الــمــصــور التلفزيوني، المصور الــذي كثيرا ما صور قتلى وضحايا في احداث وحروب ومجازر.. الصحيفة كانت تمجد العمل الثأري الــذي قام به الاهالي وتبرره، فيما صحيفة اخــرى ترفع القضية الى صفحتها الاولى منتقدة "بربرية التنكيل بالعدالة الرسمية.".
. نحت النقاشات الصباحية بين الزملاﺀ في تحليل تعاطي الإعلام مع الحدث الى وضعه في خانة الطوأفة، فالاعلام الذي برره او أيده كان ذلك الذي يتشارك مع أهل القرية المذهب والخط السياسي، وجهة نظر ينقضُ مبدأها من ينهل من استسهال وسائل الاعلام اللبنانية عــرض المشاهد الدموية في كثير من المحطات الماضية... فجأة تحول الــحــدث الــى مـــادة لإثــبــات الــفــوارق الثقافية والحضارية بين منطقة لبنانية واخرى ومدى امكانية اقدام بيئة على استنساخ ما فعله الاهالي في كترمايا... وفجأة انتقل النقاش الى عادات الثأر التي ما زالت سائدة في غير منطقة لبنانية... وفجأة ايضا عاد النقاش بالزملاﺀ الى زمن الحرب الاهلية ومــا ارتكبته هــذه الطائفة أو تلك مــن مــجــازر وتنكيل خدمة لنظرية يريد صاحبها مساواة الجميع بالهمجية... المصور الذي يحسم نظرية تقديم الأمن المقصر للمتهم على طبق من ذهب لأهل الضحية المتعطشين للثأر، ارتاح كثيرا بعد تمكنه مع مرور الساعات من تثبيت وجهي الطفلتين المغدورتين زينة وآمــنــة فــي أجــزاﺀ الصورة. خرج بعبرة قديمة جديدة تقول باهتزاز الاجهزة الرسمية وباستعداد اللبناني الــى ارتكاب الفظائع ما ان تتحكم غريزته به والماضي القريب البعيد شاهد حـــيٌ. وبقيت احجية اكمال زميل له التصوير دون "هزة كتف او رمشة عين" تحيره... "فهل أنا لبناني مثله لكني ضعيف القلب؟ ..".
سؤال "محير" يردفه بسؤال آخر "هل كترمايا هي فعلاً قضية رأي عام مقسوم بين مفجوع ومــؤيــد؟ ".
. يخلص "سأنتظر اسبوعا لالملم شتات الصورة؟ .".