حلّ الصباح هادئاً وجميلاً على خلفية فجر ماطر في منطقة ما تزال تحافظ على طابعها الأخضر مع بعض الفوضى العمرانية، خصوصاً في البلدات التي شهدت عودة مهجرين وغض نظر عن الرخص وتبعات التنظيم المدني تسهيلاً لإعادة العمران، ومنها كفرمتى على سبيل المثال لا الحصر.
في كفرمتى التي لا يخلو بيت فيها من ورشة إعمار بسبب حداثة دفع التعويضات، مر الاستحقاق البلدي، أمس، كما لم تعشه منطقة أخرى في جبل لبنان. خرج أهالي البلدة التي بقيت مهجرة لغاية العام 2007، إلى صناديق الاقتراع البلدي والاختياري بعد ستة وأربعين عاماً من «الاعتكاف» القسري.
الانتخاب البلدي والاختياري الأول بعد العام 1964 ليس وحده الذي ميَّز كفرمتى. هي حماسة المعركة الانتخابية التي أتت بمسيحيي البلدة من بيروت، وإن إلى غرف جاهزة مكان الكنيسة التي دمرت خلال «حرب الجبل»، وأخرجت شيوخ ومسني الدروز من بيوتهم إلى صناديق المدرسة الرسمية ما أدى الى ترجيح «كفة الميزان».
وكفرمتى الأمس، أعادت الانقسام السياسي إلى ما قبل استدارة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الأخيرة وما استتبعها من خطوات. دارت رحى المعركة كما أيام «العز» لـ14 و8 آذار. ولم يكن ينقص اشتراكيي كفرمتى والقوات اللبنانية فيها سوى الكبة النية والتبولة و«بيوت» الزجل لاستمكال الطابع الفولكلوري لـ«العرس» الذي وصفوا فيه تحالفهم في وجه الحزب الديموقراطي اللبناني والتيار الوطني الحر والقوميين والشيوعيين.
ولكن كان لـ«العرس» نغصته. تمّ فصل أقلام الاقتراع المسيحية عن تلك الدرزية ليس بالغرف فقط بل بالجغرافيا. خُصص مسيحيو البلدة بغرف جاهزة في أول الضيعة، مكان كنيستهم التي لم يتم إعمارها بعد، فيما انتخب دروزها في المدرسة الرسمية في آخر كفرمتى في فرز ديموغرافي - طائفي صاف، في دلالة واضحة على حساسية ملف كفرمتى الذي كان من أصعب ملفات المصالحة في الجبل بعد بريح الشوفية.
وحده المقعد الاختياري المسيحي قفز بعض الشيء عن الانقسام السياسي لمصلحة الخصوصية العائلية التي أمّنت لمرشح التيار الوطني الحر شوقي فوزي الحداد بعض أصوات القواتيين ليس من أبناء العائلة فقط، وإنما من أصدقائهم من الخط السياسي عينه.
وباستثناء حركة المرشح الاختياري شوقي حداد ومندوبيه الذين وزعوا وروداً جورية على الناخبين، كان واضحاً «التفوق» اللوجستي للائحة وحدة وإنماء كفرمتى المدعومة من الاشتراكيين والقوات، في وجه لائحة غير مكتملة وحضور خجول لمندوبي إرسلان وعون وحلفائهما.
وبالإضافة إلى التفوق العددي لدروز كفرمتى (حوالى ألفي ناخب درزي في مقابل ألف ناخب مسيحي، يقترع منهم حوالى 600 فقط)، يقول خصوم القوات إن الأخيرة استفادت من علاقتها بوليد جنبلاط وتأثيره في ملف المهجرين لتوحي للأهالي بقدرتها على التحكم بتعويضاتهم كماً وتوقيتاً، وبالتالي استمالت اصواتاً إضافية تناقضت مع نسب التصويت التي ذهب منها 80 في المئة لمصلحة العونيين في انتخابات 2005 النيابية.
في المقابل، ترى «القوات» أن تقدمها في كفرمتى «نتيجة طبيعية لعلاقتها بالناس، كما يقول مسؤول القوات في قرى غرب عاليه الياس حداد. ويرد حداد فشل الائتلاف في كفرمتى إلى «أن طرفاً لا يريد المسيحيين في المنطقة».
في مقابل «حيوية» كفرمتى، بقيت عبيه، جارتها، خارج استحقاق أمس. مرّ أحد البلدة، التي لم تشهد انتخابات بلدية واختيارية من العام 1964، هادئاً إلا من حركة خجولة للناخبين العابرين إلى قرى الشحار الغربي ومنطقة عاليه بالاتجاهين.
ومن عبيه نزولاً نحو عرمون، يبدو تأثير العائلات جلياً على التحالفات الانتخابية. ترك الحزبان الاشتراكي والديموقراطي، المكونان الرئيسيان للمجتمع السياسي العرموني دفة المعركة للعائلات عندما احتدمت الخلافات، وبالتحديد بين العائلتين الأكبر في الضيعة، الجوهري والمهتار، حفاظاً على علاقتهما بالعائلتين.
يقضي عرف قديم في عرمون أن يتداور آل الجوهري (1500 ناخب) والمهتار (الف ناخب) على رئاسة البلدية. وبعد 35 سنة على رئيس من آل الجوهري، تسلم رئاسة البلدية آل المهتار إثر انتخابات الـ1998. وأوصلت انتخابات الـ2004 فضيل الجوهري إلى سدة الرئاسة.
باِلأمس لم تشارك عائلة المهتار بغزارة في الانتخابات البلدية بعدما «انقلب»، كما يقول بعض أبنائها، رئيس البلدية فضيل الجوهري على العرف و«شكل لائحة برئاسته لولاية جديدة رافضاً المداورة»، وواعداً العائلات الأخرى وبالتحديد عائلتي يحيي (735 ناخب) وبوغنام (700 ناخب) بإلغاء العرف وإتاحة المجال لترؤسهم البلدية بدءاً من انتخابات 2016 إذا هم تحالفوا معه، وهكذا كان حسب أحد وجوه آل المهتار.
ومع هجرة مسيحيي عرمون وعدم انتظام عودتهم إليها مع إتمام المصالحة ودفع التعويضات، لم يعد الصوت المسيحي في البلدة (ينتحب حوالى ستين شخص فقط من أصل 400 ناخب) مرجحاً لطرف دون الآخر، خصوصاً أن حصتهم تقتصر على مقعد واحد من أصل 15 عضواً.
من عرمون إلى بشامون التي فازت بلديتها والمخاتير بالتزكية، عاشت الشويفات يوماً هادئاً على وقع التحالف الجنبلاطي ـ الإرسلاني ومعهم سنة عرب خلدة الموزعون بولائهم ما بين تيار المستقبل والاشتراكيين. وانعكس التوافق الذي جوبه بترشيحات منفردة لم تشكل لائحة مكتملة، بنسبة إقبال خفيفة لا تنسجم مع حركة مندوبي اللائحة التوافقية الذين نشطوا خارج أقلام الاقتراع.