سؤال انطلق من جبيل، المدينة التي شهدت معركة وصفت بالسياسية، ليمتدّ إلى مختلف بلدات المتن حيث عوّل التيار الوطني الحرّ على الصوت الشيعي لتعزيز حظوظه بالفوز، وفوجئ بأقلام الاقتراع تخرج بنتائج غير متوقعة. هذا الأمر ترجم أمس عتباً عونياً على حزب الله وحركة أمل، اللذين يدرسان بدورهما النتائج لفهم طبيعة الخيارات التي اعتمدها المقترعون الشيعة أول من أمس، وخصوصاً أن المفاجآت لم تقتصر على البلدات المختلطة طائفياً، بل تعدّتها إلى بعض القرى الشيعية وأبرزها بشتليدا ـــــ فدار.
وفي انتظار الإعلان الرسمي للنتائج المتوقع ظهر اليوم، تشير أرقام الماكينات الانتخابية إلى أن الفارق بين الرابح الأخير على لائحة «جبيل أحلى»، محمد المولى، والراسب الأول على لائحة «الولاء لجبيل»، جان لوي قرداحي، 200 صوت فقط. ولذلك تكثر التساؤلات عن مفاجأة الاقتراع الشيعي والأرمني، إذ تشير المصادر إلى أنه لو توزّعت أصوات المقترعين الشيعة والأرمن، وعددهم 664، بنسبة 70% للائحة القرداحي و30% للائحة زياد الحوّاط لفازت لائحة القرداحي بثلثي المقاعد.
وفي قراءة لأرقام جبيل، تكشف مصادر في لائحة «الولاء لجبيل»، أن التصويت الشيعي جاء وفق الآتي:
اقترع في قلمي الإناث والذكور 374 شيعياً، 193 ناخباً مارونياً، 14 ناخباً أرمن كاثوليك، 8 ناخبين من الأقليات المسيحية. وجاءت النتيجة: 221 صوتاً للائحة «الولاء لجبيل» في مقابل 340 صوتاً للائحة «جبيل أحلى». وإذا وزّعت أصوات المسيحيين بين اللائحتين، بنسبة 46% للائحة «الولاء لجبيل»، أي بالنسبة عينها التي حازها من إجمالي المسيحيين غير الأرمن في الدائرة، تكون لائحة القرداحي قد حازت 122 صوتاً من المقترعين الشيعة، ما نسبته 33% من أصواتهم.
لا تنفي ماكينة حركة أمل هذه الأرقام، بل إن ترجيحات ماكينتها غير الرسمية تشير إلى ما هو أقلّ (105 أصوات للائحة الولاء لجبيل في مقابل 287 صوتاً لجبيل أحلى). لكنها ترفض تسييس هذه الأرقام لأسباب موضوعية. أول هذه الأسباب أن قرار الحركة واضح لجهة الالتزام بالتحالف مع العماد ميشال عون. لكنّ المشكلة، بحسب الماكينة، أن التواصل التنظيمي مع الناخبين الشيعة في جبيل المدينة غير موجود، بخلاف ما هي عليه الحال في قرى القضاء، إضافة إلى أن الخيارات العائلية تختلف في البلديات عنها في النيابة. وتشير المصادر إلى أهمية عدم تجاهل الارتباك العوني الذي حصل في الإعداد للانتخابات وعدم حسم موقفه في وقت مبكر، رافضة أن يحمّل الصوت الشيعي مسؤولية خسارة اللائحة، «لأنه حتى لو اقترع كلّ الشيعة لمصلحتها لم تكن لتفوز».
تختلف قراءة مصادر الماكينة الانتخابيّة لحزب الله للأرقام، وإن كانت تؤكد التزاماً كاملاً بما كان قد اتُّفق عليه مع قرداحي. «نحن وعدنا بتصويت يراوح بين 175 صوتاً و200 والتزمنا به». وينطلق مصدر مقرّب من حزب الله من نتائج جبيل ليشرح الأبعاد الاجتماعية للتصويت الشيعي، فيؤكد اختلاف النيابة عن السياسة، ويشير إلى «حقل الألغام» الذي يسير فيه الحزب ليحافظ على رضى العائلات الذي قد لا يمكن الحصول عليه دائماً، «نحن حصلنا على 97% من أصوات الشيعة في الانتخابات النيابية، لكننا لا نتوقع نسبة مماثلة في البلديات».
لهذا الأمر أهميته في جبيل، وخصوصاً إذا عرفنا قصة المرشح الشيعي على لائحة «الولاء لجبيل». فقد كان حزب الله وحركة أمل قد اتفقا على تسمية المرشح فادي حيدر أحمد، وهو على علاقة طيبة بقرداحي. لكنّ ضغوطاً مورست عليه من اللائحة الأخرى، خيّرته بين الاستمرار بالترشّح أو البقاء في وظيفته، فاختار الانسحاب من الانتخابات. هنا تتضارب المعلومات بين من يقول إن قرداحي هو من اختار المرشح الشيعي البديل (فارس الحسيني)، أو أن يكون حزب الله قد فرضه، عوضاً عن اختيار مرشح آخر من العائلة الكبيرة في المدينة. وهذا الأمر قد يعني أن عائلة حيدر أحمد قد اقترعت ضد اللائحة لأنها لم تحمِ مرشحها، أو ضد حزب الله الذي اختار مرشحاً من عائلة أخرى. وفي الحالين، تجدر الإشارة إلى العلاقة الطيبة بين شيعة المدينة وعائلة زياد الحواط «الذي لا يمثّل غريماً سياسياً للحزب، وخصوصاً أن علاقته طيبة مع الجميع»، يقول مطّلع على واقع جبيل.
من هنا يمكن الانتقال إلى قراءة لنتائج بعض القرى الشيعية. فصحيح أن التفاهم بين حزب الله وأمل نجح بنسبة كبيرة، إلا أن النتائج لها دلالاتها، إذ لم يتجاوز الفارق بين لائحتهما واللائحة المنافسة في بعض القرى 60 صوتاً (راس أسطا)، أو 100 صوت (لاسا). كذلك فإن نتائج انتخابات بتشليدا ـــــ فدار، أحدثت مفاجأة هدّدت المجلس البلدي قبل ولادته، مع انطلاق دعوات لحلّه بسبب الخرق الذي حصل وأدى إلى تأليف لوائح خاصة تضمّ ممثلين عن حركة أمل، ما سبّب خسارة مرشّحي حزب الله الثلاثة.
وبعيداً عن النتائج والأرقام، كانت جبيل أمس تستعدّ للمرحلة المقبلة. وفي أول تصريح له بعد فوزه، قال رئيس بلديّة جبيل المنتخب زياد الحوّاط لـ«الأخبار»: «نحن فتحنا صفحة جديدة فور انتهاء المعركة، ويدنا ممدودة للتعاون مع كلّ أبناء المدينة». وعن علاقته برئيس الجمهوريّة قال «تشرّفني علاقة القرابة مع الرئيس ميشال سليمان، ولكنّني لم أطرح نفسي يوماً مرشّح الرئيس. نحن من بيت سياسي نتعاطى الشأن العام منذ 50 سنة، وقد أعددت جدّياً لمعركة البلديّة منذ سنة ونصف، وهذا ما جعلها معركة رابحة».
المهندس إميل العكرا، المرشّح على لائحة الولاء لجبيل، لفت إلى أن المعركة «أظهرت حماسة للجيل الجديد وهذا مفهوم، إلا أنّ مخاطره ستظهر على الجبيلييّن، لأنّ المجموعة التي وصلت إلى الحكم لا تتمتّع بالخبرة لإدارة البلديّات، من هنا الخوف على المدينة بانتظار أداء المجلس».
وقال عضو تكتّل التغيير والإصلاح النائب سيمون أبي رميا، لـ«لأخبار»، إن «العماد ميشال عون لم يحوّل المعركة إلى سياسيّة كما قيل. هو أعلن دعمه للائحة الولاء لجبيل وبالتالي لمشروع اللائحة». ولفت إلى «عدم وجود تراجع في نتيجة أصوات المسيحييّن، باعتبار أنّ الأرقام هي عينها مقارنة مع الانتخابات النيابيّة في الـ2009»، مشيراً إلى أنّ «المفاجأة كانت في نتيجة الصندوق الشيعي التي جاءت معاكسة لنتائج الانتخابات النيابية»، إلا أنّ هذا الأمر حسب أبي رميا «لا يؤثّر مطلقاً على التفاهم القائم بين حزب الله والتيّار الوطنيّ الحرّ». أبي رميا شدّد على أنّ التيّار الوطني الحرّ يعدّ «رابحاً في قضاء جبيل، وخصوصاً أنّ 11 بلديّة مدعومة منه فازت مقابل 6 غير مدعومة منه خسرت المعركة، إضافة إلى فوز لوائح ائتلافيّة دعمها التيّار وأفرقاء آخرون في خمس بلديّات».
(شارك في الإعداد جوانا عازار)