نقولا ناصيف - الاخبار
قبل أشهر، قال الرئيس بشّار الأسد أمام بعض معاونيه، إن فرصة عودة بعض السياسيين اللبنانيين الذين ناصبوا سوريا العداء في السنوات الخمس المنصرمة إليها ممكنة. وأضاف أن ثلاثة فقط ـــــ لم يُسمّهم ـــــ لن يسمح بأن تطأ أقدامهم سوريا، ولا الاتصال بالدولة السورية، ولا التوجّه إلى أي مكان في سوريا.
بالتأكيد، عداء دمشق للرئيس فؤاد السنيورة على تجربة علاقته بها بين عامي 2005 و2008 تجعله اسماً محتملاً. وكذلك رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع الذي يحمل سنوات طويلة من التجربة البالغة السلبية معها قبل سجنه وبعده، لا يوفر بدوره مناسبة للقول إنه لم يطلب موعداً لزيارة سوريا، ولا يريد الذهاب إليها.
بعد الحريري وجنبلاط، وبعد تحالفها المزمن مع الرئيس نبيه برّي والمستجد مع الرئيس ميشال عون، ومع حزب الله والنائبين سليمان فرنجية وطلال أرسلان وأفرقاء آخرين كثيرين هم حلفاء تقليديون، بينهم مَن عاداها وبينهم مَن حافظ على علاقة التحالف، بين عائد ومقيم وزائر لأول مرة، يُطرح تساؤل: هل يذهب رئيس حزب الكتائب إلى المصالحة مع سوريا التي لا يعرف رئيسها ولا قيادتها الحالية، ولا خَبِرَ الاتصال برجال النظام الحاليين؟ مع ذلك فهو أحد أكثر السياسيين اللبنانيين، قبل فرنجية وأرسلان وقبل عون وحزب الله، الذين جرّبوا التعاون وكذلك الخلاف مع سوريا عندما كان رئيساً للجمهورية. اثنان فقط من جيله السياسي سبقاه إليها آنذاك: برّي وجنبلاط.
قبل 48 ساعة من انتخابه رئيساً خلفاً لشقيقه الرئيس بشير الجميّل في 21 أيلول 1982، تبلغ رغبة رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في الجيش السوري في لبنان العقيد محمد غانم في الاجتماع به على عجل. التقيا داخل سيارة تويوتا بيضاء صغيرة عند تقاطع الدوار ـــــ ضهور الشوير، خط التماس بين مواقع الجيش السوري والقوات اللبنانية في المتن الشمالي.
سأله غانم عن برنامج عهده، وكان قد تأكد انتخاب الجميّل رئيساً، فردّ: برنامجي من ثلاثة بنود هي تحرير لبنان أولاً من الاحتلال الإسرائيلي والمحافظة على الوحدة الوطنية والتأكيد أن لبنان لا يمكنه الخروج عن التوافق العربي في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. وإذا أجرى مفاوضات مع إسرائيل فستكون وطنية وليس رئاسية، بموافقة كل الأفرقاء اللبنانيين، ولن نقدم على أي خطوة تعرّض الأمن السوري لأي خطر بسببنا.
لم يُعلّق غانم، حاملاً جواب المرشح الرئاسي إلى قيادته في دمشق.
في اليوم التالي طلب اللقاء مجدّداً، وقال: أبلغت إلى الرئيس الأسد الرسالة وهو يدعو لك بالتوفيق وسيكون إلى جانبك. وستكون إشارة دعم سوريا انتخابك من خلال الرئيس سليمان فرنجية.
بعد ساعات، عشية جلسة الانتخاب أعلن فرنجية، بعدما تلقى مكالمة هاتفية من الرئيس السوري، تأييد انتخاب الجميّل الذي كان قد أبلغ خيارات حكمه هذه إلى مصر والسعودية.
في 21 أيلول 1988، بعد ست سنوات تماماً، كان آخر حوار بين الجميّل والرئيس حافظ الأسد في آخر قمّة جمعتهما في دمشق. تحدّثا في سبل تسهيل انتخاب النائب مخايل ضاهر لخلافة الجميّل، مع سلسلة تفاهمات شملت أيضاً تأليف حكومة وطنية متوازنة يتمثّل فيها كل الأفرقاء، والاتفاق على الخطوط العريضة للعلاقات المميّزة بين البلدين في المرحلة التالية، قبل أن يتسلّم الأسد من مرافقه ورقة أنبأت باجتماع جمع عون وجعجع في وزارة الدفاع، وقد رفضا المرشح الذي سمته دمشق، وصفته الورقة السورية التي مرّرها الأسد للجميّل بانقلاب. سقطت آلية الحلّ التي قضت بذهاب الجميّل وضاهر إلى بكركي للاجتماع بالبطريرك والنواب وتقديم ضمانات التسوية المتفق عليها مع سوريا.
قال الأسد للجميّل: في ظرف كهذا ما نفع ما نتفق عليه؟ عُد إلى لبنان وابحث مع المعنيين في الحلّ لأن النواب هم مَن سينتخبون، والجيش هو مَن سيحمي جلسة الانتخاب. نحن معك ونريد من الله أن يأخذ بيدك في إقناع الشباب كي لا يأخذوا البلد إلى المجهول.
بعد يومين من انقضاء ولايته ليل 22 أيلول، اتصل الرئيس السابق بالرئيس السوري مرتين، وسمع منه وداً ورغبة في استمرار التعاون.
كان الجميّل من الجيل الكتائبي الذي فتح عام 1974 الحوار مع سوريا، إلى كريم بقرادوني وميشال سماحة وجورج سعادة، وأكمله أعوام 1976 و1977 و1978. تفاهَمَ مع سوريا واختلف وإياها وتبادلا القطيعة بعد 11 قمّة مع الأسد. قال عنه نائب الرئيس عبد الحليم خدّام، بعدما ألغى الجميّل اتفاق 17 أيار 1983، إنه أحسن الرؤساء اللبنانيين الذين عرفتهم سوريا. لكنه قال ذلك أيضاً، تبعاً للحقب، عن رؤساء آخرين. دافعت سوريا عن استمراره في ولايته بعد مطالبة برّي بتقصيرها، لكنها جعلت الحكم مناصفة بينه وحكومة الوحدة الوطنية عام 1984.
اليوم، هل يذهب الجميّل إلى دمشق إذا رحبت باستقباله؟
يقول: «لا يمكن التوقف عند افتراضات من هذا النوع. الزيارة مرتبطة بمردودها».
يضيف: «مصلحة البلد فوق كل اعتبار. لست ممّن يتهوّرون أو يقومون بمبادرات مجانية واستعراضية وبالونات في الهواء».
يقول أيضاً عن علاقته بالأسد الأب: «كانت علاقة من نوع خاص. من جهة، كان هناك تفاعل أفكار، وكل منا ينظر إلى المصلحة العامة من منظاره. ومن جهة أخرى، قامت بيننا علاقة حميمة استمرت إلى ما بعد نهاية ولايتي، وبقينا على تواصل هاتفي على الأقل. تمكنا خلال فترة ولايتي من إزالة فتيل التفجير على الساحة اللبنانية فترة طويلة، واستمر الحوار الإيجابي على حساب حوار المدفع. عندما قرّرت الذهاب إلى دمشق واجهت بيئتي المسيحية المعادية لها، إلا أن الحوار كان ضرورياً لتصويب علاقات البلدين وضمان الاستقرار في لبنان. اليوم لا أعرف الرئيس بشّار الأسد، ولا أستطيع استباق كيف يمكن أن تكون العلاقة بيننا. هناك نيّات تجسّدها سوريا بأفعال، لكنها غير كافية. أقول إنها خجولة ومتواضعة، وخصوصاً بالمقارنة مع المأساة التي عاشها لبنان في ظلّ السنوات الأخيرة من العلاقات معها وحجم التساؤل عن مستقبلها».
لا حوار بين الرئيس السابق والقيادة الحالية في سوريا، بل هناك أصدقاء مشتركون ينقلون إليه كلاماً إيجابياً، فيرد بمثله، بكلام إيجابي. يتوقف الأمر عند هذا الحدّ.
يقول: «يصلني كلام طوباوي لا علاقة له بأي حوار. لا بد من ترجمة هذا التوجّه حسّياً وبخطوات جدّية. صحيح أن الجيش السوري انسحب من لبنان تحت وطأة قرار مجلس الأمن والضغوط الدولية، لكن التبادل الدبلوماسي وفتح سفارتين في البلدين كان بمبادرة شخصية من الرئيس الأسد، نقدّرها ونعتبرها إيجابية. لكنها لا تكفي. قد تكون هناك رغبة سورية في التغيير، إلا أنها تحتاج إلى تثمير حقيقي. نحن إيجابيون في مقاربتنا علاقات البلدين في نطاق المصلحة الوطنية الملحة».
وكيف ينظر إلى العلاقات اللبنانية ــــــ السورية، يجيب: «هناك حوار دائر بين الدولتين اللبنانية والسورية. ولأننا جزء من الحكومة اللبنانية، فنحن جزء من هذا الحوار. حتى الآن تحققت إنجازات متقدّمة على صعيد معالجة الملفات العالقة، لكن يبقى الكثير».
مع ذلك لا يرى أن الحوار المباشر بين سوريا وقيادات لبنانية أثمر تماماً. ذهب الرئيس سعد الحريري ومن بعده النائب وليد جنبلاط، وقبلهما الرئيس ميشال عون، إلا أن الرئيس السابق للجمهورية يلاحظ أن تجربة «مصالحة سوريا مع عون لم تغيّر جذرياً في طبيعة تطوير علاقات البلدين».
وماذا عن ذهابه هو إلى دمشق؟
يقول: «قدت خلال رئاستي حواراً صعباً مع السوريين، لكنه كان بنّاءً، وتحديداً مع الرئيس حافظ الأسد، وعندما يُكتب التاريخ سيُظهر مدى تأثير هذا الحوار على علاقات البلدين في ذلك الحين. إذا وجدت فائدة في الذهاب إلى سوريا من أجل المصلحة الوطنية، فلن أتأخر عن ذلك، ولا عن الإسهام في إيجاد الحلول واتخاذ المبادرات الضرورية، لا المبادرات العقيمة غير المجدية. يجب أن تكون المبادرة مواتية ومشجعة. أي إن على سوريا أن تسلّف لبنان خطوات في هذا السبيل. المطلوب استعادة الثقة بين البلدين والمعالجة السياسية الصحيحة في موازاة بناء الثقة. صحيح أن هناك جانبين، سياسياً وشخصياً، في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية. ذهب وليد جنبلاط لتسوية الجانب الشخصي، وكذلك فعل الرئيس الحريري. إلا أن على سوريا التجاوب معهما بمزيد من الانفتاح لبلسمة الجراح وتسهيل معالجة الملفات السياسية المتداخلة بعضها مع بعض. قال الرئيس بشار الأسد إن سوريا ارتكبت أخطاءً في لبنان. لا يكفي ذلك بلا مراجعة جدّية وخطوات متقدّمة تجعل اللبنانيين يثقون بالرغبة السورية في تغيير السلوك حيالهم. سوريا هي التي كانت في لبنان، وليس لبنان الذي كان في سوريا، الجيش السوري كان على أرضنا ولم نكن على أرضه. سقط ضحايا وخراب وضُرِب النظام اللبناني».
يقوده ذلك إلى تأكيد تحفّظه عن معاهدة التعاون والأخوة والتنسيق والمجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني والاتفاقات الثنائية بين البلدين، رغم أن رئيسي الجمهورية والحكومة لا يشاطرانه رأيه، ويقولان في السرّ والعلن بتأييد استمرار العمل بها.
يقول الجميّل: «ربما للبعض أسباب سياسية في عدم فتح هذه الملفات، لكن ذلك لا يغيّر في طبيعتها، وهي أنها تتناقض مع الدستور والخصوصية اللبنانية. من موقعي القانوني أصف المجلس الأعلى هرطقة على صعد الدستور اللبناني والقانون الدولي وسيادة الدول. حبّذا لو يُطرح الأمر على محكمة دولية كمحكمة لاهاي، ليس من باب شكوى أحدنا على الأخر، بل من باب التحكيم. وسيتبيّن عندئذ أن المجلس الأعلى غير دستوري ولا يتلاءم مع القانون الدولي. أنا هنا أتحدّث عن المجلس الأعلى وعن المعاهدة الثنائية على السواء. ينصّ اتفاق الطائف على تفاوض الدولتين للتوصّل إلى معاهدة، لكن ليس على هذا النحو كي نصل إلى معاهدة كهذه. حتى وإن نصّ اتفاق الطائف عليها، فإن هناك أصولاً دستورية وأخرى متصلة بالقانون الدولي تتناقض مع المعاهدة والمجلس الأعلى اللذين أجدهما باطلين».