محمد بدير - الاخبار
منذ تفجّر «أزمة الصواريخ» في الأسابيع الماضية دأبت وسائل الإعلام الإسرائيلية على استغلال الحدث للإضاءة على معالم هذه الحرب، انطلاقاً من التقديرات الرائجة بشأن الإمكانات التسليحية التي راكمتها المقاومة، وآخرها الصواريخ الدقيقة الإصابة من طراز M-600. وأمس كان موعد «يديعوت أحرونوت» مع تقرير موسّع شرّحت فيه التصور السائد في إسرائيل لملامح المواجهة المقبلة مع حزب الله، منتقدةً بصراحة نهج التعتيم الذي تعتمده السلطات المعنية في تل أبيب أمام مواطنيها، حيال حقائق تتعلق بقدرات المقاومة. وتحت عنوان «تهديد مُرَكَّز»، كتب مراسل الصحيفة للشؤون العسكرية، أليكس فيشمان، «أنْ لا أحد يمتلك جواباً عمّا إذا كانت الحرب مع لبنان ستندلع هذا الصيف أم لا، لكن ما هو واضح دون شك أن الحرب التي ستنشب في الشمال ـــــ عندما تنشب ـــــ لن تكون مشابهة لتلك التي وقعت عام 2006. فحزب الله يتعاظم يوماً بعد يوم، سواء من حيث عدد المقاتلين، أو من حيث كمية الصواريخ وقدراتها. والأكثر أهمية هو أن الطريقة التي ستُستخدم بها هذه القدرات ستكون مغايرة جوهرياً».
يضيف الكاتب «كل بضعة أسابيع تنزل علينا معلومة جديدة عن هذه الجبهة، لتشير إلى الشكل الجديد للمواجهة المتبلورة هناك... ولكن بالنسبة إلى المواطن العادي لا يعني هذا الكثير، فالمؤسسة الأمنية لا تكلّف نفسها عناء التوضيح للجمهور لأيّ مواجهة ينبغي له أن يستعد. فصورة ميدان القتال الجديد في لبنان واضحة جداً لدى هذه المؤسسة، ولدى الخبراء الأكاديميين، أمّا المواطن فليس لديه أيّ فكرة. لا أحد يروي له شيئاً». ويمضى الكاتب في توجيه سهام انتقاده إلى الطريقة التي تتعامل بها المؤسسة الأمنية مع هذا الموضوع، فيرى أنّ ثمة «في البلاد من يشعر بأنّ من المريح له إخفاء المعلومة»، التي تتعلق بتزويد سوريا لحزب الله بصواريخ M-600 «تماماً مثلما كان إدخال صواريخ سكود إلى لبنان سراً مكتوماً في إسرائيل إلى أن كشفت عنه النقاب صحيفة عربية». وإذ يشير إلى أن هذا يحصل «بأمر من السلطات»، يعرب فيشمان عن اعتقاده بأن خلفية ذلك تكمن في الحرج الذي ستواجهه هذه السلطات أمام الرأي العام الإسرائيلي، بشأن تقصيرها ومسؤوليتها عن السماح «بدخول الصواريخ إلى لبنان».
وعن خطة المواجهة التي يعمل حزب الله على تحقيقها، رأى الكاتب أن النقطة التي ينبغي الانطلاق منها هي امتلاك الحزب لصواريخ M-600، التي رأى أنها «ليست مجرد إضافة عادية إلى ترسانته، بل هي بمثابة الـDNA الذي يكشف عن النمط الجديد لاستعداد المنظمة للحرب المقبلة». أضاف «إنّ M-600 صاروخ ذو مفاعيل استراتيجية بمعايير الشرق الأوسط، وإذا ما رغب حزب الله في ضرب مبنى هيئة الأركان في وزارة الدفاع بتل أبيب، فإنّ بوسعه ـــــ نظرياً ـــــ القيام بذلك».
ويؤكّد فيشمان أن هذا لا يعني أن «الصورة التي رأيناها في حرب لبنان الثانية، من تساقط الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى كل يوم على شمالي الدولة، حتى خط زخرون يعقوب ـــــ طبريا، لن تتكرر؟ تماماً لا. فالكتلة الأساسية من أصل الـ40 ألف صاروخ الموجودة لدى حزب الله لا تزال من هذه الأنواع، وبواسطتها سيحاول في المرة التالية زرع الدمار في البلدات، واستهداف قوات الجيش الإسرائيلي قبل ومع دخولها إلى لبنان. إلا أنه إلى جانب هذه الصليات سيكون لحزب الله إمكان أن يطلق في وقت واحد عشرات الصواريخ الدقيقة أيضاً، من عشرات النقاط من شمالي الليطاني وجنوبه، نحو هدف واحد محدّد ومنسّق. وإصابة هذه الصواريخ ستكون أكثر دقّة وشدة، واعتراضها سيكون معقّداً أكثر بكثير من الرد بالنار على منطقة كاملة يطلق منها وابل الصواريخ». ويشير إلى أن الصواريخ الدقيقة في عقيدة حزب الله القتالية «تستهدف تدمير منشآت استراتيجية في غوش دان (حاضرة تل أبيب)... ويبدو أن نيّة حزب الله هي إطلاق صليات من عشرات الصواريخ (الدقيقة) كل يوم على مدى فترة مطوّلة، بالتوازي مع إطلاق آلاف الصواريخ (غير الدقيقة) الموجودة منذ الآن بحوزته إلى مسافات مشابهة، ومن خلال النار المتداخلة، هذه يأمل الحزب تدمير البنى التحتية وتحطيم المنشآت وزرع الرعب وسط المواطنين وتقويض الاستعداد للقتال... ولفهم قوة الدمار المفترض ينبغي ضرب كل صاروخ بـ250 كلغ من المواد المتفجرة». أمّا صواريخ سكود، التي قيل إنّ حزب الله حصل عليها، فهي بحسب الكاتب «إذا تبيّنت صحتها فإن الحديث يدور على ما يبدو عن تهديد ديمونا».
ويلفت فيشمان إلى أن الحزب «لا يزال يفتقد كميات كافية من الصواريخ الدقيقة لتنفيذه هذه العقيدة»، ويربط التحرك الإسرائيلي المكثف خلال الأسابيع الماضية بمحاولة الحؤول دون اجتياز الحزب هذه العقبة عبر «وقف عبور السلاح الدقيق إلى لبنان. قبل أن يفوت الأوان».
ويستدرك: «في اللحظة التي يجمع فيها الحزب ما يكفي من الصواريخ الدقيقة في مخزونه، سيبدأ العد التنازلي، بحيث سيكون فتح النار مسألة وقت فقط».
ويرى الكاتب أن منظومة القتال البرية للمقاومة ترمي إلى الدفاع عن الذراع الصاروخية الاستراتيجية وتغذيتها، ويشير إلى أنها تتألف من 160 بقعة عسكرية في الجنوب، تمثّل سلسلة قيادية منظّمة، لكلٍّ منها حصتها الخاصة والمستقلة من الصواريخ، والقوات البرية المتمرسة في شبكة خنادق متشعبة تحت الأرض. ويرى الكاتب أنّ من يستبعد الحرب «يعرب عن أمنية».