وتوقعت مصادر سياسية متابعة أن يصبح التوافق على «كف عفريت» إذا استمر تقاسم الحصص حول المجلس البلدي على هذا النحو، وما يثيره من استياء في مختلف الأوساط بلا استثناء، في ضوء معلومات أشارت إلى أن حصة تيار المستقبل قد استأثر بها النائب سمير الجسر كاملة، مسقطاً من حسابه أي طرف آخر ضمن التيار، وأن الأسماء المطروحة هي من حاشية الجسر ودائرته الضيقة (جلال حلواني، عامر الرافعي، بلال مولوي وبسام زيادة)، إلى جانب وضعه «فيتو» على أسماء مقربة من المستقبل والرئيس نجيب ميقاتي معاً (خالد صبح)، إضافة إلى عدم وجود أي حصة للنائب محمد كبارة الذي عُدّت حصته من حصة المستقبل.
وإذ ينتظر أن يثير هذا «الاختيار المستقبلي» حراكاً داخلياً ينتظر أن يعبّر عن نفسه في الأيام المقبلة، بقي التوافق واقفاً أمام عقبة رفض العلويين الحصة المعطاة لهم وهي عضوان، بعدما وضع مسؤول العلاقات السياسية في الحزب العربي الديموقراطي رفعت عيد المعنيين بين خيارين: إما إعطاء الطائفة العلوية 3 مقاعد، أو الإبقاء على عضوين، شرط أن يكون أحدهما نائباً للرئيس، وهو طرح رفض مسبقاً لأنه ينقض عرفاً يلزم أن يكون المنصب من نصيب الأرثوذكس.
هذا الارتباك في مقاربة الاستحقاق البلدي في طرابلس وصلت تداعياته إلى «ميدان» الرئيس عمر كرامي، الذي تحدثت معلومات عن استبعاد أسماء مقربة منه عن اللائحة التوافقية (إبراهيم حمزة ورياض يمق) لمصلحة آخرين مقربين منه أيضاً (فضيلة فتال وطارق الحسيني وعدنان الحلاب)، إلا أن أوساط كرامي رفضت تأكيد هذه المعلومات أو نفيها، وردّت أن «الأسماء ستعرف عندما تعلن اللائحة رسمياً».
وسط هذه الأجواء، كشفت مصادر سياسية مطلعة لـ«الأخبار» أن تقارير استطلاعية وميدانية أعدتها جهات أمنية بارزة، ورفعتها إلى مكاتب مسؤولين أمنيين وسياسيين في العاصمة، بيّنت أن المرشح التوافقي غزال «لا يحظى بقبول كاف في الأوساط الشعبية في طرابلس، وأنه قد لا يستطيع «التقليع» باللائحة التوافقية»، مشيرة إلى أن المرشحين عزام عويضة وصفوح يكن، اللذين كانا ضمن سلة الأسماء التي عرضت على كرامي قبل اختيار غزال، «لا يسقطان من حسابهما إمكان استدعاء أحدهما في آخر لحظة إذا تعثر غزال في مهمته».
وسط هذه الأجواء، ما زال يقتصر حتى الآن الموقف الاعتراضي علناً على التوافق البلدي في طرابلس على حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي الذي يرأسه النائب الأسبق عبد المجيد الرافعي، الذي أصدر أمس بياناً أكد فيه أن «أصواتنا ليست للبيع وطرابلس ليست مزرعة»، إلى جانب لافتات رفعت في المدينة، إحداها في محلة الزاهرية حملت عبارة: «نرفض أن يقوم الإقطاع السياسي الجديد بتعيين مجلس بلدي في طرابلس».
لكن التحرك الأبرز أمس تمثل في المؤتمر الصحافي الذي عقده ميقاتي في مقر جمعية العزم والسعادة التابعة له في محلة باب الرمل، وبعث خلاله برسائل ذهبت في أكثر من اتجاه، في أعقاب موقفه «المفاجئ» بالامتناع عن تسمية أحد لعضوية البلدية، ورفضه المحاصصة.
ففي الشكل، جاء عقد ميقاتي مؤتمره في مقر الجمعية، لا في مكتبه بمحلة المعرض كما تجري العادة، إشارة رمزية «يهدف من خلالها إلى شدّ عصب جمهوره في منطقة شعبية تُعَدّ معقله الرئيسي في المدينة»، حسب أوساطه، وهو ما تمثل في حضور موظفي الجمعية ومناصرين المؤتمر، وقد ملأوا القاعة، رغم أن أوساطه نقلوا عنه رفضه تنظيم أي حشد شعبي له.
إلا أن الاحتقان لدى جمهور ميقاتي برز في دوي تصفيق له لدى دخوله المكان، وفي مقاطعته بتصفيق حاد وطويل وهتافات داعمة، عندما رد على سؤال عن محاولات محاصرته سياسياً وتطويقه بقوله: «من يعتقد أنني محاصر، فهو لا يعرفني جيداً. من الصعب محاصرتي لأنني محصّن برضى الله وبمحبة الناس. لن يستطيع أحد تطويقي، ولن يستطيع أحد استفرادي في وجود هذا الشعب الطيب المخلص والمحب والوفي»، مضيفاً بعبارة فجّرت القاعة تصفيقاً: «فشرت على أكبر راس، وليخيّطوا بغير هذه المسلة، نجيب ميقاتي لا يرضخ ولا يستسلم ولا يحاصر».
إلا أن ميقاتي كعادته، ترك أكثر من علامة استفهام حول موقفه الحقيقي من التوافق، إذ كان يضرب مرة على الحافر وأخرى على المسمار. فهو أكد أمس أنه لا يقبل «خوض معارك انتخابية بلدية تأخذ طرابلس والميناء رهينة بهدف إثبات زعامة»، وأنه كان «أول المبادرين إلى الدعوة للتوافق في هذا الاستحقاق بعيداً عن الخلافات والتجاذبات السياسية»، لأن «المعارك البلدية لن تحقق لمدينتنا أي تنمية»، مؤكداً أنه «لا يعتقد أحد أننا نتحدث بلغتين، أو أننا في صدد إجراء تمريرات من تحت الطاولة».
لكن ميقاتي أشار في المقابل إلى أن «جل ما فعلناه أننا قدمنا للناس خياراً نعتقد أنه الأفضل، ولم نسع إلى إلغاء الانتخابات، ولم نفرض التزكية والقرار النهائي بيدهم، فإما أن يقتنعوا بهذا الخيار ويقترعوا له، وإما أن يواجهوه ويقترعوا لخيار آخر»، وهو ما عُدّ تفسيراً ضمنياً لـ«تحريضه» جمهوره نحو عدم الالتزام بالتصويت للائحة التوافق، بعدما نقل عنه مقربون منه قوله لهم: «أنا لا أقود قطيعاً، مارسوا اقتناعاتكم».