وفي حين لم تُسجل النتائج الاولية مفاجآت غير متوقعة في أماكن المبارزة البلدية من صيدا الى عمق الجنوب مرورا بجزين، بدا ان التوتر الذي ساد هذه المرحلة الانتخابية، وخصوصا في مدينة صيدا، لم يؤثر سلبا على نسبة الاقتراع التي بلغت كمعدل وسطي 52 في المئة، وهي نسبة قاربت معدل التصويت في الانتخابات النيابية (54 في المئة)، فيما توزعت نسب المشاركة على مستوى كل قضاء كالآتي: صيدا 56%، جزين 53%، بنت جبيل 45 %، صور 52%، مرجعيون 48%، حاصبيا 55%، النبطية 52% .
وتزامن إجراء الانتخابات في الجنوب مع مناورات الجبهة الداخلية الاسرائيلية، «نقطة تحول ـ اربعة»، التي ترددت أصداؤها في الجانب اللبناني من الحدود، من دون ان تترك أي أثر على مجرى العملية الانتخابية وزخمها الشعبي، وسط حركة للدوريات الاسرائيلية التي جابت الطريق بمحاذاة السياج الشائك وراحت تراقب التحركات في الجانب اللبناني، فيما سيرت قوات اليونيفيل بالتنسيق مع الجيش اللبناني دوريات مؤللة لضمان الاستقرار على الخط الازرق.
ويمكن القول ان انتخابات الجنوب حملت تنوعا في الدلالات، تبعا لتعدد الساحات، فهي اتخذت في صيدا طابع إثبات الوجود بالنسبة الى اسامة سعد وإثبات الزعامة بالنسبة الى تيار المستقبل، وفي جزين تمحورت المعركة الصعبة حول هوية القرار المسيحي المتأرجح بين التيار الحر ومسيحيي 14 آذار بالتحالف مع سمير عازار، أما في النبطية وصور ومرجعيون فكانت انتخابات تثبيت «التحالف الشيعي» بكل ما يعنيه على المستويات السياسية والانمائية والاستراتيجية مقابل سعي اليسار والمستقلين الى حماية خصوصيتهم وسط مد الثنائي حزب الله – حركة أمل.
النتائج الاولية
وأظهرت النتائج الاولية حتى منتصف الليل فوز كامل أعضاء لائحة «الوفاق للانماء» برئاسة محمد السعودي والمدعومة من تيار المستقبل في صيدا على لائحة «الارادة الشعبية» المدعومة من التنظيم الشعبي الناصري.
ويبدو ان النتيجة لم تفاجئ رئيس التنظيم النائب السابق الدكتور أسامة سعد الذي خاض المعركة وحيدا، ومن دون حلفاء، على اساس معايير تتجاوز المفهوم التقليدي للربح والخسارة، متطلعا بالدرجة الاولى الى تثبيت موقعه السياسي كصاحب مشروع سياسي مضاد وكرقم صعب في صيدا غير قابل للاختزال او التذويب، وهو الهدف الذي يفترض سعد انه استطاع ان يحققه عبر «الممانعة الانتخابية» وإصراره على خوض المواجهة مع تيار المستقبل برغم معرفته المسبقة بالخلل الكبير في الامكانيات وعدم التكافؤ في موازين القوى.
أما تيار المستقبل، فإن «بطانة» معركته تجاوزت على الارجح حدود صيدا ومجلسها البلدي، ولعل احدى إحداثياتها تمثلت في استعادة بريق التيار الذي كان باهتا في بيروت بفعل مستوى الاقتراع المنخفض، وكاد يتلاشى في البقاع حيث نجحت المعارضة في تسجيل انتصارات بارزة، ناهيك باستعادة المجلس البلدي الذي آل عام 2004 الى تحالف سعد – عبد الرحمن البزري.
وكانت الانتخابات في صيدا قد انطلقت على إيقاع الاتهامات المتبادلة بارتكاب التجاوزات وعلى وقع هدير المصفحات العسكرية، بعدما تحولت عاصمة الجنوب الى ثكنة عسكرية تعج بآلاف الجنود وعناصر قوى الأمن الذين أمضوا النهار في التنقل من شارع الى آخر لتطويق الاشكالات المتلاحقة التي كادت في كل مرة تتطور الى ما لا تحمد عقباه، لولا نجاح الاتصالات السياسية والقبضة الامنية في احتوائها.
وبلغ عدد الاشكالات الامنية، قرابة التسعة، تنقلت بين عدد من مراكز الاقتراع والشوارع المحيطة بها، والتي شهدت مواجهات بالايدي بين مناصري اللائحتين المتنافستين، استُخدم فيها «السلاح الابيض» بأنواعه المختلفة، وقد حوصر سعد تباعا في مركزي اقتراع تزامن وجوده فيهما مع اندلاع الاحتكاكات، قبل ان تتمكن القوى الامنية من إخراجه منهما.
وأسفرت المواجهات المتنقلة عن سقوط سبعة جرحى، وُصفت حالة أحدهم بأنها حرجة، وجرى اعتقال عشرات الاشخاص من المشاركين في الحوادث.
جزين
أما في جزين، فقد أفادت مصادر التيار الوطني الحر ان نتيجة الفرز حتى منتصف الليل أظهرت تقدم اللائحة المدعومة منه، استكمالا للمعادلة الجديدة التي أفرزتها الانتخابات النيابية السابقة، بينما قالت مصادر اللائحة المنافسة المدعومة من النائب السابق سمير عازار وسعيد ابو عقل والكتائب والقوات اللبنانية ان النتائج التي ظهرت حتى ساعة متأخرة من الليل بيّنت ان الفارق ضئيل ولا يتجاوز عشرات الاصوات لصالح لائحة التيار وان كل الاحتمالات تظل واردة الى حين الانتهاء من الفرز.
وكانت جزين قد شهدت معركة انتخابية «نظيفة»، بدا واضحا انها بدأت من حيث انتهى الاستحقاق النيابي، سواء من حيث الشعارات المرفوعة او من حيث تحديد الاحجام السياسية، لكن حدة المعركة وحساسية مضمونها لم تعكرا صفو الهدوء في المدينة التي لم يسجل فيها أي حادث يذكر على الرغم من المشاركة الكثيفة في عمليات الاقتراع التي بلغت 62 في المئة.
اما في بلدات القضاء وقراه فاظهرت النتائج الاولية رجحان الكفة ايضا لصالح «التيار الوطني الحر».
عمق الجنوب
وفي الجنوب الشيعي، رسم التوافق بين حركة أمل وحزب الله خارطة معظم المجالس البلدية، علما بأنه تمخض عن فوز قرابة 60 بلدية بالتزكية، فيما شهدت بقية اللوائح المشتركة منافسة متفاوتة الحجم في عدد من بلدات وقرى اقضية صور والنبطية ومرجعيون، بعضها اتخذ شكل لوائح مدعومة من الحزب الشيوعي وعائلات وبعضها الآخر انحصر في ترشيحات فردية. وأفادت المعطيات التي تجمعت حتى ساعة متأخرة من الليل ان لوائح التوافق الشيعي تعرضت لبعض الخروقات المحدودة في عدد من الاماكن، كصريفا وطورا.
وتخللت العملية الانتخابية إشكالات متفرقة في الرمادية وشمع ومعركة وحومين الفوقا أسفرت عن سقوط عدد من الجرحى.
وفي حاصبيا، اصطدم التوافق الجنبلاطي الإرسلاني بـ «ممانعة عائلية» في بلدة حاصبيا والعديد من قرى القضاء، حيث سُجلت معارك انتخابية حادة، لتقتصر التزكية على بلدات عين قنيا وشويا ومرج الزهور، بينما تعطلت العملية الانتخابية في الخلوات وتأجلت إلى وقت لاحق إفساحا في المجال امام المساعي الوفاقية.
الحريري يلتقي اوباما اليوم
على صعيد آخر، وبعيدا عن معمعة الانتخابات البلدية والاختيارية، أفاد مراسل «السفير» في واشنطن جو معكرون ان رئيس الحكومة سعد الحريري وصل الى واشنطن، امس في زيارة رسمية تستغرق يومين يلتقي خلالها الرئيس الاميركي باراك اوباما ونائبه جو بايدن ومستشار الامن القومي جيمس جونز ووزير الدفاع روبرت غيتس والمبعوث الخاص لعملية السلام في الشرق الاوسط جورج ميتشل.
ونظرا لوجود وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون خارج الولايات المتحدة في جولة آسيوية، فإن الحريري سيلتقي على الارجح نائب وزيرة الخارجية جيمس ستايتبرغ اضافة الى مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان، كما يرجح ان يلتقي رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي وكبار اعضاء الكونغرس.
وتقيم السفارة اللبنانية في واشنطن حفل استقبال على شرف الرئيس الحريري مساء اليوم بالتوقيت الاميركي، كما يلقي كلمة في مبنى رفيق الحريري التابع لكلية روبرت ايميت مكدونو للتجارة في جامعة جورجتاون، الذي افتتح في 16 ايلول الماضي وقد كلف بناؤه مبلغ 82.5 مليون دولار ساهمت عائلة الحريري بحوالى 20 مليون دولار منه، لا سيما ان سعد الحريري تخرج من هذه الجامعة عام 1992.
ويرافق الحريري في زيارته وفد وزاري يضم وزير الدفاع الياس المر، وزير الخارجية علي الشامي، وزيرة المالية ريا الحسن، وزير الاعلام طارق متري، وزير الشؤون الاجتماعية سليم الصايغ، ووزير الدولة وائل ابو فاعور.
وينتقل الحريري من واشنطن الى نيويورك غدا لالقاء كلمة لبنان في مجلس الامن الدولي على ان يغادر نيويورك في 27 أيار الجاري.