ستجرى يوم الأحد المقبل في عكار انتخابات قاسية، على المستوى العائلي والقروي، من خسر الانتخابات قبل ست سنوات لم يسامح ولم ينسَ، فبدأ باكراً الإعداد لانتقامه. وعلى المستوى السياسي، هذا وقت محاسبة رؤساء المجالس البلدية الذين مشوا عكس التيار السياسي الجارف في بلداتهم، والرؤساء الذين رفضوا تسليم أمورهم السياسية لتيار المستقبل
غسان سعود - الاخبار
الطريق إلى عكار سالكة هذا الصيف، لا حرب في مخيم نهر البارد تقفل الطرقات، ولا توترات بين جبل محسن وباب التبانة تفصل شمال الشمال عن وسطه وجنوبه. والقرى التي غالباً ما تنام مع مغيب الشمس تسهر منتظرة شروقها. هذه الأيام: الألسن شغالة، رائحة القهوة التركية تملأ الأحياء واللغات اللبنانية ـــــ الأوسترالية واللبنانية ـــــ الكندية واللبنانية ـــــ البرازيلية، تشي بأن المغتربين عادوا للاصطياف... والاقتراع.
نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق عصام فارس نجح في أن ينجو بمؤسسته من الدروس التي تلقنها القرى العكارية هذه الأيام للأحزاب. نجح بالتنسيق مع التيار الوطني الحر الذي يشارك مؤسسة فارس في الجزء الأكبر من النفوذ في معظم البلدات الأرثوذكسية. وقد توصل مع التيار إلى تفاهمات أولية في معظم هذه البلدات، أسست لتوافقات أكبر. سواء في رحبة حيث رشح مدير أعمال فارس، سجيع عطية، لرئاسة المجلس البلدي (رأى أعضاء اللائحة أن فارس عراب اتفاقهم، ومروا بمنزل النائب السابق عبد الله حنا ليشربوا القهوة)، أو في بينو حيث اتفق على المداولة بين جرجي وهبة وفايز الشاعر، (لكن هناك مجموعة من المرشحين ترفض هذه الصيغة) أو في ضهر الليسينة وبزبينا والحاكور وكرم عصفور ودير دلوم. فيما بقيت بلدتا النائبين الأرثوذكسيين رياض رحال (الشيخ محمد) ونضال طعمة (تل عباس) عصيتين على التوافق، علماً بأن لائحة التيار الوطني الحر والمردة في بلدة رحال مكتملة، أما لائحته فغير مكتملة.
معارك في معركتين
المعارك الجديّة في القرى المسيحية تكاد تختصر إذاً في اثنتين مركزيتين، في القبيات ومنيارة. في الأولى، يستفيد النائب هادي حبيش من نتائج الانتخابات النيابية التي أثبتت أن نحو 48% من المقترعين (القبيّات) يؤيدونه، ومن طَرقه في الأشهر القليلة الماضية أبواباً كانت دائماً محكمة الإغلاق بوجهه، عارضاً خدماته، ليقول إنه الأقوى. وهو أدرك فوائد أن يستقطب الرأي العام المحايد، الراغب بالتوافق، عبر عرضه اتفاقاً منصفاً نسبياً على الوطني الحر. لكن عاملين سلبيين يعترضان سبيل حبيش، الأول هو طغيان الطابع الحزبي القواتي على لائحته بعد ضمها أربعة عشر مرشحاً قريباً من القوات التي كان لها مرشح واحد في القبيات في آخر انتخابات بلدية. والثاني، هو الثغر في عمل الرئيس الحالي للمجلس البلدي الذي يتبنى حبيش ترشحه مجدداً. إذ يتهم خصوم حبيش الرئيس بالفئوية في إدارة الأعمال وعدم تنفيذه مشاريع عامة تستفيد منها البلدة كلها. ويؤكد خصوم حبيش أن أكثر من خمسمئة ناخب عوني ومؤيّد للنائب السابق مخايل الضاهر لم يغادروا بيروت إلى القبيات ليقترعوا في الانتخابات النيابية، لاعتبارهم أن أصواتهم غير مؤثرة في ظل محدلة تيار المستقبل. لكن هؤلاء وغيرهم الكثير سيتوجّهون الأحد المقبل إلى بلداتهم. وتستفيد لائحة العونيين والضاهر التي أُلّفت بمسعى شخصي مباشر من المحامي جوزف مخايل من ثلاثة مرشحين للرئاسة (سنتان لكل منهم) مقبولين قبيّاتياً. أبرزهم جورج نعمة، وهو مدير سابق في وزارة الشؤون الاجتماعية والمدير العام السابق في وزارة التربية الذي يطرح مجموعة عناوين إنمائية لمعركته الانتخابية، كوضع مخطط توجيهي للقبيات، ومعالجة تحول طريق القبيات إلى ممر يوميّ لنحو 500 شاحنة. في النتيجة، سيكون انتصار أحد الطرفين في معركة القبيات مؤثراً، سواء في الصراع الأبدي الأزلي بين القوات اللبنانية والعونيين، أو على صعيد زعامة كل من حبيش والضاهر.
أما في منيارة، فالرأس السياسي لأنطون عبود (رئيس المجلس البلدي) مطلوب بالنسبة إلى تيار المستقبل، باعتباره الحجر الأساس في حركة رؤساء المجالس البلدية المعارضين له. وللقوات اللبنانية باعتبار منيارة بوابة الدخول إلى بعض البلدات العكاريّة. ما يضخ في البلدة أجواءً انتخابية غير متوقعة. فحديقة البلدة وساحة شهداء الجيش صارتا موضع نزاع بين فريق يرى فيها أجمل إنجازاته، وآخر يريد إنشاء تجمع للمدارس على أنقاضهما. وسيارات الدفع الرباعي دخلت في بازار الاتهامات. هنا واحد يتهم الآخر بملء «الجيب» بأكياس الدولارات، وهنا آخر يستعرض شهوداً على استخراج خصمه ليرات الذهب من «الجيب». حتى المؤسسة العسكرية زجّت في الصراع، فإذا بسنبلتي القمح اللتين تحيطان بأرزة الشرف والتضحية والوفاء في علم الجيش، تحيطان هذه المرة بالأرزة القواتية في لائحة الوفاء والتغيير، في لعب واضح على الشعارات، وخصوصاً أن رئيس هذه اللائحة سليم الزهوري، القواتي تاريخياً، يجاهر بقربه من قائد الجيش العماد جان قهوجي.
المستقبل والقوات اللذان شجعا الزهوري على الترشح ليحضرا بواسطته معركة كانا عاجزين عن خوضها من دونه، جذبا معظم شيوعيي البلدة أيضاً، إضافة إلى الناشط في التيار الوطني الحر اسكندر سكر الذي صدر أول من أمس قرار فصله من التيار لعدم التزامه قرارات القيادة العونية. يشار هنا إلى أن اللائحة شبه القواتية (يدير ماكينتها طوني حيدر ـــــ أحد أنشط مسؤولي القوات في عكار) قد نجحت في الإيحاء بوجود معركة في البلدة، وسط تركيز أنصارها على اعتبار أعضاء اللائحة المنافسة دون المستوى العلمي و«البريستيجي» المطلوب لتمثيل البلدة.
في المقابل، فإن لائحة الرئيس الحالي للمجلس البلدي، أنطون عبود، ضمّت عونيين عدة، إضافة إلى أقدم كتائبي مقيم في البلدة (صادق خوري)، قومي (طوني فرح)، ومسؤول حزب الوطنيين الأحرار في عكار (جوزف صافي). وتستفيد هذه اللائحة من تأييد الكتلة الحزبية الأكبر في البلدة ممثلة بالعونيين، تحقيق المجلس البلدي إنجازات عدة، خدمات عبود الشخصية وأخطاء اللائحة الأخرى التي تبدأ بتهديد أحد الحلاقين في البلدة وتنتهي بزج غير مبرر للمؤسسة العسكرية في الصراع المحلي. وفي النتيجة، يقول العونيون إنهم مطمئنون إلى حسمهم معركة منيارة، ربما أكثر من اطمئنانهم إلى حسم معركة القبيات، لكنهم يجتهدون في العمل كي لا يطلّ عليهم رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية يوم الاثنين المقبل معلناً أن 40% من أهالي بلدتهم يؤيدونه.
أرض المستقبل
في البلدات السُّنية يحتدم الصراع، فيما يكتفي تيار المستقبل بمشاهدة أنصاره يشهّر بعضهم ببعض، ويكيلون الاتهامات. أما خصوم المستقبل فيترقّبون انتهاء اليوم الانتخابي ليعددوا البلدات التي خسرها بطريقة مباشرة وغير مباشرة المستقبليون (على طريقة جعجع). ويراهن كثيرون في هذا السياق على تكرار سيناريو البقاعين الغربي والأوسط في عكار. بدوره، يتجاوز مفتي عكار أسامة الرفاعي عمله الدؤوب سابقاً لمصلحة تيار المستقبل، معلناً هذه المرة وقوفه على مسافة واحدة من جميع المرشحين، في مختلف البلدات (مع العلم بأن المجالس البلدية في البلدات والمدن السُّنية تدخل ضمن الهيئة الناخبة للمفتين). ويشمل هذا الصراع السُّني ـــــ السُّني معظم البلدات الكبيرة. وأبرزه في مدينة حلبا ـــــ مركز القضاء حيث يشبك النواب خالد ضاهر وهادي حبيش ورياض رحال أياديهم بيد المرشح لرئاسة المجلس البلدي، عبد الحميد الحلبي، البعثي السابق، لإطاحة الرئيس الحالي للمجلس البلدي، سعيد الحلبي، الذي يحظى بدعم معظم عائلته، وهي الناخب الأول في حلبا، إضافة إلى دعم معظم مسيحيي البلدة الذين يرجّحون الكفة عادة. ويشير مفتي عكار هنا إلى أن زيارته لأحد أبناء المدينة أسيء فهمها، فهي كانت رداً على زيارتين سابقتين للحلبي إلى منزل المفتي. ويؤكد الرفاعي في هذا السياق أن علاقته بعبد الحميد الحلبي (الذي يُتهم المفتي بدعمه) شابها سابقاً بعض التوتر، أما علاقته بسعيد الحلبي فكانت دائماً وطيدة.
ومن حلبا إلى فنيدق، اتفق النائب السابق وجيه البعريني مع أحمد زهرمان (عم النائب في كتلة المستقبل خالد زهرمان) وأحمد بكار زكريا، ليحسموا بذلك مسبقاً تغلبهم على الرئيس الحالي للمجلس البلدي، سميح عبد الحي، المحسوب على تيار المستقبل. ويقول المفتي هنا إن المعركة صعبة ولو لم يكن في موقعه المؤسسي، متمسكاً بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع، لما تردد في مساعدة صديقه عبد الحي.
أما برقايل وببنين فلكل منهما قصتها، كالعادة. الأولى تشهد معركة بقيادة الإعلامي نزيه ملحم لإطاحة الرئيس الحالي للمجلس البلدي عبد الحميد الحسن الذي ما زال يحتفظ بصوره مع الرئيس إميل لحود معلقة في مكتبه. لكن اللافت أن تيار المستقبل لم يحسم موقفه حتى في هذه البلدة، ولم يوعز إلى الناشطين الجديين أقله في المستقبل أين يقترعون.
بدورها، تقف بلدة ببنين شاهدة على صراع أهل البيت الواحد ضمن ثلاث لوائح. واحدة يطغى عليها طابع الجماعة الإسلامية، الثانية يترأسها هيثم المصري، الرئيس الحالي للمجلس البلدي وشقيق منسق تيار المستقبل في عكار، والثالثة يترأسها عدنان الرفاعي، قريب المفتي. ويجزم «مولانا» هنا بأن دعمه قريبه سيقتصر على الإدلاء بصوته، وهو نفسه لا يعلم إذا كان سيلتزم باللائحة كاملة، متأسفاً على فشل مسعاه التوافقي في بلدته. أما النائب خالد ضاهر، ابن البلدة أيضاً، فأعلن الحياد، غاسلاً يديه من انحياز سيخسّره دون مبرر ودَّ الكثير من أنصاره. وبالانتقال إلى الجانب الآخر من الجبل السُّني، تميل الكفة في بلدة عكار العتيقة إلى اللائحة التي يرأسها خالد البحري المناوئة للائحة التي يرأسها الشيخ مصطفى القادري، المسؤول السابق في تيار المستقبل. وينتظر في البرج أن يتعرض النائب في تيار المستقبل معين المرعبي لنكسة (تشبه نكسة النائبين رياض رحال ونضال طعمة في بلدتيهما) في مستهل مسيرته السياسية، فالكفة تميل بوضوح إلى الرئيس الحالي للمجلس البلدي محمد قاسم، الذي يناوئ اللائحة المدعومة من نائب البلدة.
في عكار اليوم، ثلاث ملاحظات: أولاً، هناك حماسة للانتخابات في منطقة اعتادت المبايعات. ثانياً، لم ينجح نواب المستقبل في تزكية أي توافق في بلداتهم، ومعظمهم يذهبون إلى معارك تبدو خاسرة. ثالثاً، نجح المفتي في أن ينأى بموقعه في الوقت الضائع عن معارك خاسرة، بالنسبة إليه، مهما كانت نتائجها، مثبتاً أن بعض رجال الدين أذكى من سياسيين كثر في التقاط الإشارات.