ارتفعت حمّى الانتخابات البلدية في طرابلس والميناء والأقضية الشمالية في الساعات الماضية، ويُنتظر أن تبلغ ذروتها خلال الساعات المقبلة قبل إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، في ظلّ معطيات توحي أن الانتخابات المحلية تتخذ أبعاداً مختلفة في كل منطقة على حدة، وإنْ كان البعد السياسي خصوصاً، وبطريقة موازية أو متقدمة على البعد العائلي، يبقى حاضراً بقوّة في كل الحسابات.
وفي ضوء نتائج هذه الانتخابات، ستُرسم الصورة النهائية للواقع السياسي اللبناني بمعناه المحلي الضيق، وسيعمل كل فريق معنيّ على وضع محصّلة نهائية تبيّن له، أقله من وجهة نظره، مدى حضوره الشعبي ـــــ السياسي في المدن والدساكر من أقصى البلاد إلى أقصاها.
طرابلس: التوافق على محكّ الاقتراع
في عاصمة الشمال لم يتجاهل التحالف السياسي العريض الذي انبثقت منه لائحة وحدة طرابلس التوافقية هاجسين لديه: الأول احتمال خرقها من لائحة قرار طرابلس من جهة، والثاني المخاوف من تدني نسبة الاقتراع وعدم إقبال المواطنين من جهة أخرى، بعدما ترسخ عندهم ما يشبه الاقتناع بأن «محدلة» التوافق قد أنهت الانتخابات مسبقاً، وأن تصويتهم أو عدمه لن يقدم أو يؤخر في الأمر شيئاً.
لكن المعطيات على الأرض تشير إلى احتمال معدوم للخرق يمكن أن تسجله لائحة قرار طرابلس غير المكتملة (المكونة من 14 عضواً بعدما انسحب منها المرشح أحمد ريفي)، والمدعومة من النائب الأسبق عبد المجيد الرافعي والمحاميين محمد الجسر ومصطفى عجم، وكل ما تسعى إليه هو تسجيلها رقماً قد تعدّه فوزاً «معنوياً» لها على لائحة التوافق، محاولةً الاستفادة من حالة الامتعاض من «التوافق الفوقي» الذي أُرسي تحت مظلة القوى السياسية البارزة في المدينة.
وكانت ذروة هذا التوافق قد تمثلت في الاجتماع التنسيقي الموسع الذي عقد في منزل الرئيس نجيب ميقاتي مساء أول من أمس في طرابلس، وحضره إلى نواب طرابلس ورئيسي لائحتي طرابلس والميناء نادر غزال ومحمد عيسى، منسق اللجنة الخماسية في تيار «المستقبل» أحمد الحريري، فيصل عمر كرامي ومسؤول المكتب السياسي في الجماعة الإسلامية عزام الأيوبي.
وبقدر ما كشف هذا اللقاء الموسع حرص الموجوين فيه على إبعاد شبهة عدم تماسكهم التي راجت في الأيام الماضية، وما تردد عن احتمال حصول عمليات تشطيب بينهم، أظهر اللقاء كذلك تلاقي مصالحهم السياسية على نقطة الانتخابات البلدية، بحيث حفظ تأليف لائحة التوافق حصة كل منهم، وما نزولهم إلى أرض الميدان معاً سوى مؤشر على ذلك، برغم التناقض الكبير الذي طبع علاقتهم بعضهم ببعض في المراحل الماضية، نتيجة تباين في وجهات نظرهم حيال مقاربة أكثر من قضية ومسألة سياسية محلية وخارجية.
لكن المحك الأهم لدى المعنيين يبقى مدى قدرة تحالفهم العريض على دفع الناخبين نحو الاقتراع للائحتهم، وسط مخاوف برزت من احتمال تكرار تجربة تدني نسبة الاقتراع في بيروت مرةً أخرة في طرابلس، وهو ما عبّر عنه النائب السابق مصطفى علوش بإشارته إلى أن نسبة الاقتراع فيها قد لا تتعدى 27%، لافتاً إلى أن «طرابلس تاريخياً تشهد عادةً ضآلة في الإقبال». لكن هذا القول يدحضه ما سجلته الانتخابات النيابية الأخيرة من إقبال، حيث وصلت نسبة المقترعين إلى 46%، في تطور غير مسبوق في تاريخ المدينة الانتخابي، ولعل هذا ما دفع كثيرين إلى رفع همة الناخبين للتوجه نحو صناديق الاقتراع.
ففي هذا السياق، دعا الوزير محمد الصفدي إلى «التصويت بكثافة للائحتين التوافقيتين من دون تشطيب»، فيما رأى النائب روبير فاضل أن «التحدي الكبير في طرابلس هو حثّ الناخبين على الاقتراع»، كذلك أعرب «الرئيس المكلف» نادر غزال عن أمله في «ضمان نسبة تصويت عالية»، إضافةً إلى محاولة منسق تيار «المستقبل» في طرابلس عبد الغني كبارة تأكيده أن «التوافق في المدينة لن يلغي عملية الاقتراع».
وفيما لفت مراقبون إلى أن التنافس الشديد الذي تشهده الانتخابات الاختيارية قد يعوض التراخي الملحوظ في الانتخابات البلدية، فقد توقفوا عند أمرين:
الأول، مراقبة تصرف الناخبين العلويّين لمعرفة مدى استجابتهم لدعوة مسؤول العلاقات السياسية في الحزب العربي الديموقراطي رفعت عيد إلى مقاطعة الانتخابات، وإن كانوا سيعمدون في آخر لحظة إلى التوجّه نحو صناديق الاقتراع إذا وجدوا أن ذلك قد يسهم في قلب الموازين وتبديل المعادلة.
أما الأمر الثاني، فيتمثّل في رصد محاولات «إغراء» للناخبين، كي يتوجّهوا نحو صناديق الاقتراع، تقوم بها الماكينات الانتخابية التابعة للائحة التوافق، بعد شائعات و«خبريات» تضج بها المدينة عن عمليات «جذب» للناخبين بأساليب وطرق متعددة.
الميناء: معركة طرابلس الرديفة
البرودة الانتخابية التي تخيّم على طرابلس لا تبدو في الميناء. بل إن الصورة في مدينة الموج والأفق تبدو معاكسة تماماً، بعدما فرض رئيس البلدية الحالي عبد القادر علم الدين معركة على خصومه و«حلفائه» في لائحة التوافق، وخصوصاً بعدما أضاف 8 مرشحين آخرين إلى لائحته لتصبح أقل بعضو واحد من لائحة التوافق التي تضم 21 عضواً برئاسة السفير السابق محمد عيسى.
هذا التوجه نحو خوض معركة انتخابية ليست سهلة للطرفين في الميناء، رأى البعض أنه نقل للمعركة التي كان يفترض حصولها في طرابلس إلى جارتها الميناء، لتصبح حسب مصادر سياسية متابعة «صراعاً مكتوماً يدور على نحو غير مباشر تحت الطاولة بين قوى سياسية تحالفت علناً في طرابلس والميناء معاً، ويعمل بعضها لـ«زكزكة» بعض عند أول فرصة»، ومشيرةً إلى أن «بعض هذه القوى وجدت في الميناء مساحة أرحب للمناورة، أكثر مما هو موجود في طرابلس».
وإذا كان علم الدين قد عزز لائحته بمرشحين إضافيين لتمتين وضعه، فإن عيسى فعل الشيء نفسه عندما استمال إلى جانبه 4 أعضاء من أصل 7 كانوا يؤلفون نواة لائحة المرشح عامر حداد، الذي أشار إلى أنه هدف من وراء خطوته إلى «تجنيب الميناء معركة انتخابية لا طائل منها، وستنعكس شللاً على المجلس البلدي المقبل».
إزاء هذه الصورة التي تجعل معرفة نتيجة انتخابات الميناء غامضة بعض الشيء، فإن عزوف ناخبي الأقلية الأرمنية عن المشاركة بسبب استبعادهم عن اللائحتين، وعدم وضوح موقف الجماعة الإسلامية التي استبعدت أيضاً، سيجعل من المعركة الانتخابية فيها مفتوحة على كل الاحتمالات.
ولعل هذا الغموض كان أحد الدوافع التي جعلت أحمد الحريري يحط رحاله في الشمال منذ أيام، ليحاول تجنيب تيار «المستقبل» التعرض لنكسة في مدينة سنية بارزة كالميناء، إضافةً إلى إزالة ما أمكنه من «ألغام» كثيرة تعترض لوائح «المستقبل» في المنية والضنية وعكار، وإلى حد ما في القرى السنيّة في الكورة وزغرتا.
زغرتا: اتحاد البلديات هو الهدف
على عكس المعارك الانتخابية القاسية التي شهدتها البلديات المسيحية الكبرى في المحطات الانتخابية الثلاث السابقة، تبدو معركة بلدية زغرتا (أكبر بلدية مارونية في لبنان، وتضم 21 عضواً)، معقودة نتائجها سلفاً لمصلحة رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية على حساب خصمه رئيس حركة الاستقلال ميشال معوض، استناداً إلى نتائج الانتخابات النيابية العام الماضي.
في ضوء السجال الحاد الذي دار في الأيام الأخيرة بين الطرفين، يبدو أن المعركة الانتخابية في قضاء الزاوية تخاض على محورين: الأول يتمثل في مسعى فرنجية للفوز بأكبر عدد من البلديات، بما يمكّنه من الإمساك باتحاد بلديات زغرتا، الذي تبين أن انهيار المفاوضات بينه وبين معوض كان أحد أبرز أسبابه الخلاف بينهما على صيغة الاتحاد وشكله في المرحلة المقبلة.
أما المحور الثاني، فيتعلق بما ستؤدي إليه انتخابات بلديات قرى القضاء الـ30، كي يتبين الحجم الفعلي للقوات اللبنانية التي أطلت برأسها في منطقة لطالما عُدّت محرمة عليها، لأنها معقل فرنجية، وبلدات رشعين وأردة وعلما تُعَدّ أكثر من غيرها الساحة المفترضة لهذا الاختبار.
الضنية: تيه «المستقبل»
بين 7 حزيران 2009 و30 أيار 2010 تبدلت الصورة كثيراً في الضنية، لدرجة أن تيار «المستقبل» الذي كان يُصوّر لمن هم خارجها أن المنطقة قلعة حصينة له، غرق في بحر تناقضاتها وتشعباتها العائلية فارتدّت عليه سلباً، ووصلت انعكاساتها إلى معقل التيار في بلدة سير مسقط رأس النائب أحمد فتفت.
ومع أن الانتخابات النيابية الماضية أدت إلى انقسام المنطقة إلى شبه شطرين، أحدهما موال للتيار والثاني مؤيد للنائب السابق جهاد الصمد، وهو أمر له دلالاته الكثيرة في منطقة ذات أكثرية سنية طاغية، فإن مسؤولي «المستقبل» لم يوقفوا مسعاهم للإمساك بمفاصل المنطقة، فرأوا أن الانتخابات البلدية والاختيارية فرصة لهم لتحقيق هدفهم.
فبعد إقرار إجراء الانتخابات في موعدها، وضع التيار في جلسة مغلقة لكوادره في المنطقة خطة عمل تقضي بوضع يدهم على ست بلديات يرونها مارقة وخارجة عن طوعهم، من أصل 27 بلدية ست منها مستحدثة، وهي بلديات عاصون وكفربنين وبطرماز وبقرصونا، لأن رؤساءها لم يقفوا إلى جانب «المستقبل» في الانتخابات النيابية، إضافةً إلى بلدية دير نبوح التي يرى «المستقبل» أن إطاحة رئيسها محمد سعدية تمهد الطريق أمامه للإمساك باتحاد بلديات الضنية، فضلاً عن بلدية بخعون كبرى بلدات الضنية وعرين النائب السابق الصمد، في محاولة تهدف إلى كسر شوكته التي لم تفلح الانتخابات النيابية في كسرها.
لكن الرياح جرت بعكس ما يشتهي «المستقبل»، إذ أسهم تدخله في شؤون تفصيلية داخل كل بلدة وعائلة في حصول انشقاقات ارتدّت عليه، وتعززت في مقابلها مواقف المرشحين المعارضين لـ«المستقبل»، لدرجة أن لائحة الصمد تواجه لائحة غير مكتملة يدعمها النائب قاسم عبد العزيز والتيار في معركة محسومة سلفاً، ما اضطر التيار وفتفت إلى الإعلان أنهما لا يتدخلان فيها تجنباً لتلقيهما هزيمة ثقيلة فيها.
لكن التطور الأبرز كان في بلدة سير، حيث أعلن في مهرجان شعبي لافت تأليف لائحة ستواجه لائحة فتفت، ردّ فيه رئيسها أحمد علم على اتهامات «المستقبل» بأن لائحته مدعومة من قوى 8 آذار، بإشارته إلى أن «الذين يتحالفون معنا اليوم كانوا سابقاً حلفاء فتفت عام 2004، وقد دعمناه في الانتخابات النيابية»، مشيراً إلى أن «لائحتنا تضم ممثلين عن عائلات سير»، وكاشفاً أنه «عندما طرح فتفت التوافق سرنا فيه، لكن بعدما سمّتني العائلات رئيساً توافقياً، تبين أن لديه لائحة مجهزة منذ أشهر، فكان لا بد من الانتخابات لحسم الأمور».