فنيدق هذه التي «يضيع» عدد سكانها ما بين مكتومي القيد، والعسكريين الذين لا يحق لهم الاقتراع وقلة من المغتربين، تعد حوالى 12 الف ناخب على لوائح الشطب، تليها في العدد جارتها مشمش، بحوالى عشرة آلاف ناخب.
فنيدق ومشمش، ومعهما القرى المحيطة بهما، من حرار إلى بيت ايوب وخربة الجرد وقبعيت والحويش... وصولاً إلى القرنة وشان وبيت يونس، صبت في الانتخابات النيابية بما يفوق التسعين في المئة لمصلحة تيار المستقبل، في نتائج لم تكن مفاجئة، في محيط سني صرف، بناء على المعطيات السياسية التي حكمت كل مرحلة ما بعد زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005.
يمكن من زار فنيدق ومشمش في الانتخابات النيابية في 2009 أن يلحظ اختلاف تعاطي الأهالي مع الاستحقاق البلدي أمس، اذ لم يكن من السهل تحريك «دولاب» السيارة في الطرق الضيقة التي تشق البلدتين. بدا الناس وكأنهم خرجوا دفعة واحدة إلى مراكز الاقتراع متنافسين ومتحالفين وساعين وراء أي مقترع محتمل.
هنا يتغير المشهد الانتخابي عنه في 2009. «تخندق» ابناء اللون المذهبي والسياسي الواحد وجهاً لوجه في لوائح تختلف ولكنها لا تقطع مع تيار المستقبل عموما. وها هو النائب السابق وجيه البعريني، ينهض في إطلالة إعلامية مؤخراً لتقبيل صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما هو يدعم لائحة من المفترض أنها تنافس لائحة رئيس بلدية فنيدق الحالي سميح عبد الحي المدعومة رسمياً من تيار المستقبل.
البعريني ومعه النائب السابق محمود مراد واحمد ديب يدعمون لائحة يترأسها عبد الآله زكريا، في محاولة للثأر من عبد الحي الذي هزم البعريني في «عقر داره» في استحقاق 2004 البلدي.
وعلى غرار فنيدق، خاضت مشمش معركة طاحنة ما بين لائحة مدعومة من تيار المستقبل وأخرى يرأسها رئيس البلدية منذ العام 1998 ولغاية اليوم، مع صبغة يقول بعض الأهالي إنها «بعثية» الهوى بميول معارضة، بمعايير الثامن والرابع عشر من آذار.
وبدا أن المستقبل يضع ثقله في المعركة عبر كثافة المندوبين والإمكانيات المصروفة، مما ساهم في استنفار مشمش «عن بكرة أبيها» على حد تعبير أحد رؤساء الأقلام.
من مشمش إلى بيت أيوب تختفي الحركة من الطرق مع غياب الاستحقاق البلدي وحصره بالمخاتير، ليتأجج الوضع في حرار التي تتنافس فيها ثلاث لوائح.
في حرار التي يبلغ عدد ناخبيها 1700 ناخب، تكتلت الأحزاب العلمانية مع المستقلين والعائلات لتشكل لائحة مستقلة يرى القيمون عليها ان لديها «حظوظاً بالفوز» كون عائلة آل هزيم (300 ناخب) مجمعين على دعمها برئاسة غازي هزيم. وتستميل هذه اللائحة حوالى 90 صوتاً هم مقترعو البلدة من المسيحيين من آل الأحمر، في مقابل تمثيلهم بعضو في المجلس وهو ما يغيب عن اللائحتين المنافستين.
في المقابل هناك لائحة مدعومة من رجل الأعمال محمود عبد الكريم برئاسة ابن شقيقه نبيل عبد الكريم بالتنسيق مع عائلات من البلدة. كما ينافس في حرار رئيس البلدية الحالي خالد اليوسف بالتعاون مع منسق مناصري النائب السابق وجيه البعريني أحمد عنتر، رغم أن البعريني أبلغ فعاليات حرار وقوفه على الحياد. وللبعريني حوالى 500 صوت في البلدة من بينهم 150 صوتا من آل البعريني أنفسهم.
ويتنافس في القريات، البلدة المارونية الوحيدة في الجرد العكاري(لناحية القيطع) التي تشهد انتخابات بلدية (الباقي مخاتير فقط)، التيار العوني وبعض الأحزاب التقدمية مع لائحة شكلها مناصر للقوات ولكن تحت شعار عائلي.
النفوذ العوني الذي يبدو طبيعياً في القريات، تستغربه في بزال، القرية السنية في زمن الانقاسامات الحادة. يقول ابن بزال، يوســف سعيد ديب «أنا مع التيار الحر ونحن بالضيعة من زمان»، مشــيراً إلى ان التيار ترك حرية الخيار لمناصريه بين لائحتين متنافستين. في المقــابل يشير مناصرون لتيار المستقبل إلى ان التيار ومعه مناصرو حزب الله في البلدة، يدعمون اللائحة المنافسة للائحة المستقبل!
وينسحب الحضور البرتقالي عينه بالتحالف مع «مناصري المقاومة»، كما يسميهم أحد أبناء برقايل، على برقايل نفسها. يقول انصار تيار المستقبل في البلدة انهم يريدون إنهاء عهد وجيه البعريني وحزب الله والعونيين مع عبد الحميد الحسن رئيس البلدية الحالي، عبر دعم لائحة سمير شرف الدين المحسوب على التيار الأزرق، متحالفا مع الجماعة الإسلامية.
ولكن «تفاهم» الجماعة مع التيار لا ينسحب على العبدة ـ ببنين. تقول لافتة موقعة من آل الكسار عند مدخل البلدة ان «ببنين تتسع للجميع»، في إشارة إلى قيام العائلة مدعومة من الجماعة بتشكيل لائحة برئاسة الدكتور كفاح الكسار بوجه لائحتين قويتين من اللون عينه، تتنافسان تحت «السما الزرقاء» نفسها، برئاسة كل من هيثم المصري، مدعوم من تيار المستقبل، فيما يترأس الثانية محمد عدنان الرفاعي ابن عم مفتي عكار الشيخ اسامة الرفاعي، ومدعومة من المستقبل ايضاً!
ومن وادي الجاموس إلى المحمرة وبقرزلا ودنبو وبرج العرب وصولاً إلى مار توما، تخوض العائلات استحقاقها البلدي مازجة السياسة بموازين القوى الداخلية، وحسابات كل عائلة وامتداد أجبابها.
عائلية كانت المعارك التي خيضت أمس أم حزبية، «لا يهم» يقول بعض أبناء القيطع من جرده إلى ساحله وهم يعلقون على المشهد الانتخابي، «المهم اننا نشد العصب حين يتعلق الأمر بتيار المستقبل على مستوى الوطن، تماماً كما يفعل شيعة مثلث الحرمان أو الجنوب مع المقاومة وحزب الله». يعرف أولئك المتروكون لحرمانهم على السواحل وفي أعالي الجرود أو في الداخل، وفي مختلف المناطق، ان «لا أحد» يسأل عنهم، ولكنهم وبطيبة قلب تشبه جمال طبيعتهم وانسيابها، يغضون الطرف عن الحساب».
سعدى علوه