أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إسرائيل ـ لبنان: من عقيدة الضاحية إلى الحرب الباردة

الإثنين 07 حزيران , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,764 زائر

إسرائيل ـ لبنان: من عقيدة الضاحية إلى الحرب الباردة

 

يحيى دبوق - الاخبار
تنقّلت استراتيجيات المواجهة الإسرائيلية ضد المقاومة في لبنان، من استراتيجية الى أخرى، خلال السنوات الأربع الماضية التي أعقبت فشل عام 2006. فرضت القدرة العسكرية المتراكمة كمّاً ونوعاً لدى المقاومة، انتقال تل أبيب بين الاستراتيجيات، وصولاً الى الإقرار الأخير بالمعادلة الردعية التي جرت تسميتها إسرائيلياً «الحرب الباردة»: من هجوم بري كاسح وسريع وعلى أرض العدو، يؤدي إلى انتصار واضح لا لبس فيه، الى التهديد بضرب المدنيين اللبنانيين، بما جرى تعريفه بـ«عقيدة الضاحية»، ومن ثم التهديد بضرب البنية التحتية اللبنانية، وصولاً إلى واقع الإقرار بـ«الحرب الباردة والردع المتبادل»، وهو الإقرار الأخير الصادر عن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، غادي ايزنكوت.
أطلق ايزنكوت «عقيدة الضاحية» في مقابلة أجرتها معه صحيفة يديعوت أحرونوت في 4 تشرين الأول 2008، وكان لها صدى كبير جداً في الداخل الإسرائيلي ورددها من بعده مسؤولون ومعلقون إسرائيليون كثيرون، بل رددها عدد من مروّجي الخوف في لبنان. وتقوم «عقيدة الضاحية» على التهديد باستهداف المدنيين اللبنانيين والقرى والبلدات في جنوب لبنان، وفي حينه، كان كلام ايزنكوت مجبولاً بقليل من الواقعية وكثير من الغطرسة، إذ قال: «حينما تندلع الحرب يجب حسمها بسرعة وبقوة، من دون إيلاء أهمية للرأي العام العالمي. كل القرى سيجري التعامل معها باعتبارها قواعد عسكرية. لدينا القدرة على تنفيذ ذلك، ولديّ قوة هائلة مقارنةً بما كان لديّ سابقاً».
ايزنكوت ذاته، بعد مرور نحو عامين، يتجاهل عقيدة الضاحية الإسرائيلية المتعالية التي نادى بها طويلاً، باعتبارها الحل الأمثل لمعضلة حزب الله، وينتقل الى الإقرار بمعادلة جديدة أمام الحزب، وهي «الحرب الباردة». فقد أشار في لقاء مع مسؤولي السلطات المحلية في شمال إسرائيل، (24 أيار 2010) وفي موازاة البدء بتنفيذ مناورة الجبهة الداخلية، نقطة تحوّل أربعة، إلى أن «أساليب حزب الله تذكّر بالحرب الباردة التي كانت في أوروبا»، مضيفاً إن «الردع المتبادل ينتج توتراً كبيراً». والحديث عن «الحرب الباردة» والإقرار بـ«الردع المتبادل»، لم يصدر عن أحد قادة حزب الله، بل عن قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، صاحب «عقيدة الضاحية» وضرب المدنيين، الجهة التي يمكنها الاطّلاع التام على حقيقة ما يملكه الجيش الإسرائيلي من خيارات عملية ضد المقاومة، في ظل ما بات لديها من قدرات استراتيجية ونوعية خاصة، وبالتالي فإن كلامه هو تعبير عن حقيقة التحوّلات التي طرأت على موازين القوى بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، في العامين الماضيين.
يُلاحظ أيضاً في الأشهر القليلة الماضية أن جهود تل أبيب تتركز على إفهام الإسرائيليين بأن الحرب مع حزب الله مستبعدة. يأتي هذا التوجه كمحاولة من القيادة للحوؤل دون تفاقم الخشية في إسرائيل، جراء ما تردد عن قدرات يملكها حزب الله وقادرة على إلحاق دمار هائل بالمدن والمستوطنات الإسرائيلية. الخشية، التي فضّل عدد من الكتّاب الإسرائيليين توصيفها بـ«الهلع من الحرب المدمرة» مع حزب الله.
في هذا الإطار، يُلاحظ أيضاً تغيير في العبارات الصادرة عن وزير «الدفاع» إيهود باراك، الذي يتمسك حالياً بـ«لازمة» جديدة يرددها في هذه المرحلة، مرحلة ما بعد «السلاح الكاسر للتوازن»، من أنه «لا مصلحة لأحد في تصعيد الوضع الأمني»، مقابل تهديدات كانت تصدر عنه في السابق، لمناسبة أو من دون مناسبة، من بينها «نصيحته» للناخب اللبناني بأن لا يصوّت لحزب الله في الانتخابات النيابية الماضية، إذ هدد في حينها قائلاً: «في حال فوز حزب الله بأصوات كثيرة، فإن لبنان سيعرض نفسه لجبروت الجيش الإسرائيلي» (يديعوت أحرونوت 27 أيار 2009)، وقوله إن «الحكومة اللبنانية والبنية التحتية المدنية في لبنان، ستكونان هدفاً للجيش الإسرائيلي في الحرب المقبلة مع حزب الله» (27 كانون الثاني 2010) ، بينما يشدد حالياً على أنه «لا مصلحة لأي طرف بالتسبّب بمواجهة في الشمال». وطبيعة الحال، استبعاد باراك وقوع الحرب مع حزب الله، وتأكيده «عدم وجود مصلحة لأي طرف» فيها، إقرار غير مباشر بوجود الردع المتبادل، الذي تحدث عنه ايزنكوت، والذي يكبح الجميع، برأيه، عن خوض مواجهة عسكرية.
في لقاء أجرته الإذاعة الإسرائيلية مع نائب وزير «الدفاع» الإسرائيلي، متان فيلنائي، في أعقاب مناورة نقطة تحول أربعة، (31 أيّار 2010) وهو المسؤول عن إعداد الجبهة الداخلية لأي حرب مفترضة نظرياً، وبعد أخذ وردّ حول الحرب وإمكانات وقوعها وقدرة الإسرائيليين على تحمل تبعاتها، اضطر فيلنائي الى محاولة دفع صورة الحرب من أذهان الإسرائيلييين، عبر الحديث عن استبعادها في

ايزنكوت ذاته بات يتجاهل عقيدة الضاحية التي نادى بها وينتقل إلى معادلة جديدة

 

فيلنائي: أفضل الحروب التي يمكن أن تخوضها إسرائيل هي التي تمنع وقوعها

الصيف المقبل. وفيلنائي هو الأكثر إدراكاً من غيره لقدرة الإسرائيليين ومنعتهم وما سيلحق بهم من خسائر ودمار في الحروب، وتحديداً في الحرب المقبلة مع حزب الله، لكونه مطّلعاً على حقيقة جهوزية الجبهة الداخلية في إسرائيل، إضافة إلى الخيارات الفعلية الموجودة لدى تل أبيب في مواجهة ما بات لدى حزب الله من قدرات غير مسبوقة. فيلنائي نفسه يقول إنه «في الحرب لا مكان نهرب إليه، وحزب الله جاهز تماماً، وصواريخه تطال أي نقطة في إسرائيل»، وأكثر من ذلك يقول إن «أفضل الحروب التي يمكن أن تخوضها إسرائيل، هي الحروب التي تمنع وقوعها» (الإذاعة الإسرائيلية 30 أيار 2010).
يكتب أيضاً في هذا السياق، رئيس مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية وشمال أفريقيا، ايال زيسر، مقالة طويلة نشرت قبل أيام في أحد المواقع الإخبارية الإسرائيلية، (موقع القناة العاشرة 30 أيار 2010) حاول فيها طمأنة الإسرائيليين ومطالبتهم بعدم الوقوع في حالة من «الهلع»، ويقول «لا داعي كلما أطلق (الأمين العام لحزب الله السيد حسن) نصر الله تهديداته، أن نسارع للدخول إلى الملاجئ». يضيف إن «الحرب المدمرة لا يجب أن تقلق الإسرائيليين، بل يجب أن تقلق لبنان لأنها ستكون مدمرة أكثر بالنسبة إليه».
من حرب برية كاسحة وسريعة، الى عقيدة الضاحية وتهديد المدنيين في القرى والبلدات اللبنانية، الى تهديد الحكومة والبنية التحتية، ومن ثم الإقرار بوجود حالة من «الحرب الباردة التي سادت في أوروبا»، يبرز سؤال عن استراتيجية إسرائيل للمرحلة المقبلة في مواجهة المقاومة، في ظل تواصل التراجع المستمر للاستراتيجيات وللعقائد القتالية! سبق لإيهود باراك أن قال إنه «في حال إدخال حزب الله سلاحاً كاسراً للتوازن الى لبنان، فإن إسرائيل ستدرس خياراتها»، ولعل تل أبيب حالياً في مرحلة ما بعد دراسة الخيارات. إنها مرحلة الإقرار بالمعادلات والردع المتبادل مع حزب الله.

Script executed in 0.17421507835388