بيروت ــ راجانا حميّة
طرابلس ــ عبد الكافي الصمد
في اللحظة الحاسمة، رسب الـ«14 الآذاريون» في معركة «رص الصف» في انتخابات نقابة الأطباء. أمس، في منتصف الطريق نحو رئاسة النقابة، انفرط التوافق بين أعضاء لائحة «وحدة النقابة»، المكونة والمدعومة من قوى الرابع عشر من آذار والحزب التقدمي الاشتراكي. خسروا «الوحدة» التي رافقتهم حتى صدور نتائج جولة انتخابات عضوية مجلس النقابة وصندوقي التقاعد والتأمين والإعانة. بعدها، لم يعد الوفق مطلوباً. هكذا، أخذت منهم الفرحة بالفوز الجزئي ربع ساعةٍ فقط، انسحبوا بعدها إلى غرفةٍ مجاورة لانتقاء أحد المرشحين لمركز النقيب قبل فتح صناديق الانتخاب وعودة الهيئة الناخبة (الأطباء المسجّلون في النقابة) لممارسة حقهم مرّة ثانية. لكن، حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد أودع الـ«14 الآذاريون» الوحدة في قاعة المشاورات وخرجوا، معلنين فك الارتباط، ومعركة بين أبناء «البيت الواحد».
من هنا، بدأت القصة. من إصرار مرشحَيْن في اللائحة على الترشح لرئاسة النقابة، وهما غسان السكاف (الجامعة الأميركية في بيروت والمدعوم من تيار المستقبل)، ونجيب جهشان (المستقل وقيل إنه مدعوم من القوات اللبنانية). قبل ليلة واحدة من الاستحقاق، اتفق المرشحان على أن ينسحب من يحصل على النسبة الأكبر من الأصوات للآخر. لكن، حصل ما لم يكن في الحسبان. لا جهشان انسحب ولا السكاف. أما الأسباب؟ فقد فرضتها نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات، إذ رغم إصرار جهشان على أنه هو من يحق له إكمال معركة رئاسة النقابة، لأنه فاز بفارق 25 صوتاً عن السكاف، إلا أن الأخير لم يرض بالانسحاب، لأن «ما حصل في الجولة الأولى كان عملية غير أخلاقية، أعطانا جهشان 120 صوتاً فقط، فيما أعطيته أنا 1270 صوتاً، يا عيب الشوم على التشطيب».
طلاق مرشحي لائحة الوحدة أراح لائحة «النقابة للجميع»، المؤلفة والمدعومة من قوى 8 آذار، إذ زاد من حظوظ الطبيب شرف أبو شرف (التيار الوطني الحر) بالنجاح، وخصوصاً بعدما أعلن حليفه ماهر حمزة (حزب الله) انسحابه لمصلحته.
3 مرشحين رئيسيين لمقعدٍ واحد. كانوا أكثر. البعض يقول 17 مرشحاً، لكن الانسحابات فعلت فعلها أمس. توالى المرشحون للرئاسة على المنبر، معلنين رغبتهم في التنحّي، وكان من بينهم اثنان من 14 آذار ترشحا لملء الفراغ فيما لو خسر المرشحون على اللائحة أمام أبو شرف. انسحبوا، فلم يعد في الميدان إلا الفرسان الثلاثة. هكذا، فتحت صناديق الرابعة عصراً على رائحة معركة قاسية. مرّت الساعة الأولى من دون تغييرات تذكر، لكن، ساعة ما قبل الإقفال حملت الكثير من الأخبار، منها دعوة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع ناخبي لائحة 14 آذار للتصويت للسكاف. لكن، هذه الدعوة لم تثن جهشان عن متابعة ترشحه «ولينتخبني من يريد، كما أن الدكتور جعجع لم يتصل بي ولا أيّ أحد آخر، إضافة إلى أنني لست قواتياً».
معركة الجولة الأخيرة لا تختلف في شيء عن معركة الجولة الأولى، إلا في صخبها. فالأولى، التي بدأت صباحاً، كانت معركة سياسية واضحة بين النقابة للجميع المدعومة من (8 آذار والحزب الشيوعي) ووحدة النقابة (14 آذار والاشتراكي) ولائحة ثالثة لم يبن أثرها لا صباحاً ولا خلال الفرز، وهي لائحة «الطبيب أولاً». انسحب الفرز السياسي على توزع أنصار اللائحتين في ساحة بيت الطبيب، حيث كان بالإمكان ملاحظة انقسامهم، إذ جلس المعارضون سابقاً عند المدخل الرئيسي لبيت الطبيب وأقفلوا بابها الرئيسي، فيما جلس الموالون سابقاً أيضاً، عند الباب الجانبي للبيت. هكذا، بدا الفرز واضحاً جداً، وبات معروفاً من ينتخب من لمجرد عبور أي من البابين. هكذا أيضاً، دخل النقابيون نقابتهم من الباب السياسي.
بدأ الصباح هادئاً جداً، إلى أن بدأ تدفق البشر عند الساعة الحادية عشرة ما قبل الظهر، وخصوصاً ناخبو «وحدة النقابة»، الذين أتوا «بلوكات بلوكات». وقبل الإقفال بقليل، بلغ الحشد ذروته. الكل بات في الداخل. دقيقتان، كأنهما دهران، حاول خلالهما المنظمون حشد ما يكفي ورصّهم وراء الخط الأحمر ليسمح لهم الانتخاب بعد إقفال باب المركز.
أقفل الباب. تجمع الأطباء أمام الشاشة العملاقة في الباحة. العيون معلقة إليها، فيما الواقفون داخل قلم الاقتراع المؤلف من 18 صندوقاً ينتظرون اللحظة الحاسمة. لم يستمر الانتظار طويلاً. فبعد ساعةٍ واحدة، فرز المندوبون 15 صندوقاً، كانت النتيجة فيها متقاربة بين الطرفين الموالي والمعارض. وقد حسم البعض النتيجة: لا لائحة بكاملها، ستأتي «مخلوطة»، يتابع جوني. بقي صندوقان، الفارق 40 صوتاً للموالاة. صندوق واحد، الفارق 8 أصوات للمعارضة. الصندوق الأخير الذي حصل فيه لغط بشأن عدد البطاقات الموجودة فيه والتواقيع على لوائح الشطب، انتهى التقارب وفاز «الأربعطعشيون» بغالبية المقاعد. لحظة النتيجة، ظهرت المفاجأة التي لم تكن سارّة: القواتيون يشطبون غسان السكاف وتيار المستقبل «حردان». أما التيار الوطني الحر، فيناضل لأجل هذا «اللاوفاق» الذي سيجلب له أبو شرف نقيباً.
وأمس، تم انتخاب 8 أعضاء من أصل 16. أما الثمانية الباقون، فينتخبون 4 السنة المقبلة و4 أخرى السنة ما بعد المقبلة، وفق قانون النقابة. معلومة إضافية الثمانية الموجودون حالياً هم من قوى 14 آذار، أضيف إليهم 6، ما يجعل القرار بيد هؤلاء، ما لم تحصل المفاجأة ويجلس أبو شرف على كرسي النقيب. أما عدد مقترعي أمس، فقد بلغ 3228 من أصل 7028 طبيباً مسددين رسوم النقابة السنوية.
وفي الشمال، أحكم فريق 14 آذار سيطرته على نقابة أطباء طرابلس والشمال، إثر فوز مرشحه فواز البابا (383 صوتاً) أمس على مرشح المعارضة السابقة عمر عياش (355 صوتاً)، بعدما كان قد حقق فوزاً مماثلاً قبل أسبوعين في انتخابات مجلس النقابة بفوزه بثلاثة أعضاء من أصل أربعة، ما جعله يرفع ممثليه في المجلس إلى سبعة أعضاء، مقابل 3 للمعارضة السابقة، فضلاً عن منصب النقيب. وكان يفترض أن ينتخب أطباء الشمال نقيبهم في 23 أيار الفائت خلفاً للنقيب الحالي نسيم خرياطي، بالتزامن مع انتخابات العضوية، إلا أن خللاً تقنياً في التصويت والفرز دفع إلى التأجيل.
وعكست الانتخابات اصطفافات سياسية واضحة، تمثلت بدعم تيار المستقبل والجماعة الإسلامية والقوات اللبنانية واليسار الديموقراطي وقسم من متخرجي الاتحاد السوفياتي السابق وقسم من تجمع أطباء عكار للبابا، فيما تلقى عياش دعماً من قوى المعارضة السابقة إلى جانب الرئيس نجيب ميقاتي، ما رفع عدد المقترعين إلى 777 طبيباً من أصل 1048 يحق لهم التصويت (74%)، بعدما تحرّكت الماكينات الانتخابية لتأمين حضور كثيف نظراً إلى حماوة الانتخابات.
ورغم أن المؤشرات لم تكن تدل على أن الفارق سيصل إلى 28 صوتاً، لأن انتخابات العضوية لم يتعدّ الفارق فيها بين الفائزين والخاسرين 17 صوتاً، فإن اللافت تمثل بوجود 31 ورقة ملغاة كان يمكنها أن تغيّر النتيجة، وهو ما فسّرته أوساط مقرّبة من الفريق الداعم للمرشح عياش من أن «فريقاً تعمّد التصويت بأوراق مبهمة، وهو ما نعدّه عدم التزام بالتعهد الذي قطعه، إذ كيف يمكن تفسير أن أطباء لا يعرفون كيف يقترعون في انتخابات مهمة كهذه؟».
إلى ذلك، فقد عكست انتخابات أمس وقوف ميقاتي إلى جانب المعارضة السابقة لأول مرة في أي انتخابات نقابية، نظراً إلى وقوفه في السابق إلى جانب تيار المستقبل وحلفائه.