أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الموازنة شاملة والمونديال للجميع

الثلاثاء 08 حزيران , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,300 زائر

الموازنة شاملة والمونديال للجميع


كانت جلسة مجلس الوزراء أمس شبه عادية، إذ لم تنحصر في استكمال مناقشة مشروع موازنة عام 2010، بل تجاوزت ذلك إلى بنود عدة استنزفت معظم الوقت، وتركّز النقاش خصوصاً على مطالب الأساتذة والمعلمين وقرار روابطهم مقاطعة الامتحانات الرسمية، ثم على رسالة من تركيا تطلب من لبنان التوقيع على إعلان الالتزام بإقامة منطقة تجارة حرة تضمهما إلى سوريا والأردن، إضافة إلى مسألة تأمين بثّ مباريات المونديال لجميع اللبنانيين.

البلديات للعام المقبل

إلا أن تشعّب الموضوعات لم يحجب إنجازاً مهماً تحقق في جلسة أمس على صعيد الموازنة، حيث قرر مجلس الوزراء الاستجابة لمطالب بعض الوزراء باحترام الأحكام الدستورية والقانونية التي تفرض أن تكون الموازنة شاملة لكل الإنفاق والإيرادات، بمعنى ألا يكون هناك أي نوع من الإنفاق أو الهبات أو القروض خارج نطاق القانون، بعدما درجت الحكومات السابقة منذ سنوات طويلة على إخفاء العجز المالي الحقيقي عبر وسائل كثيرة، منها اعتماد موازنة علنية ونظامية وأخرى مستترة تحت مسمى «الخزينة»، يجري من خلالها إنفاق مبالغ هائلة عبر مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين والهيئة العليا للإغاثة، فضلاً عن تنفيذ عقود سوكلين وشركات أخرى بواسطة الصندوق البلدي المستقل وتسديد فروق المتعهدين ومبالغ دعم المازوت والأضرار وتقديم سلفات الخزينة لمؤسسات عامة مختلفة. وفي المقابل، كانت تُهرّب الهبات وبعض القروض من رقابة ديوان المحاسبة ومساءلة المجلس النيابي عبر عدم احتسابها في خانة الإيرادات، الأمر الذي خلق أوضاعاً غير شفافة أسهمت على مرّ السنوات في نشوء شكوك جدية في وجهة هذا الإنفاق ومدى قانونيته، فضلاً عن أنه انتهك مبادئ دستورية غير قابلة للتأويل تفرض أن تكون الموازنة شاملة وواضحة وشفافة.
وقد حاول فريق رئيس الحكومة سعد الحريري أن يحافظ على هذا السلوك في مشروع موازنة 2010، إلا أن ضغوط صندوق النقد الدولي أجبرت وزيرة المال ريا الحسن على إدراج تقديراتها للإنفاق من خارج الموازنة في تقريرها المرفق مع المشروع، وقد بلغت هذه التقديرات نحو 2665 مليار ليرة، وهذا ما دفع وزراء كثراً، على رأسهم وزير الاتصالات شربل نحاس، إلى الاعتراض على وجود أي إنفاق من خارج القانون، وطالبوا في الجلسات السابقة بضم هذا الإنفاق إلى الموازنة وتوضيحه وتفصيله، بما يسمح بمناقشته ومراقبة تنفيذه.
مانع الفريق نفسه، ذلك، إلى أن اقترح رئيس الجمهورية ميشال سليمان في الجلسة السابقة أن يعقد الوزير نحاس لقاءً مع وزيرة المال لوضع اقتراح في هذا الشأن وتقديمه إلى مجلس الوزراء، فالتقيا بعد ظهر امس، في حضور الوزيرين سليم الصايغ وجان أوغاسبيان والمستشار في وزارة المال نبيل يموت وخبير فرنسي، وجرى التداول في كيفية ضم كل الإنفاق إلى الموازنة، فأيّد الخبير الفرنسي اقتراحات نحاس وشجع عليها ما سهّل التوصل إلى اتفاق سريع أقره المجلس وهو يقضي بضم نحو 2122 مليار ليرة من أصل نفقات الخزينة المقدرة بنحو 2665، وتبقى أموال البلديات المقدرة بنحو 543 مليار ليرة خارج الموازنة هذا العام لتُضم في العام المقبل.
وقالت مصادر وزارية لـ«الأخبار» إن تأجيل ضم أموال البلديات يعود إلى وجود قانون يصنفها كأمانات وبالتالي لا يمكن ضمها إلا بعد تعديل هذا القانون، فضلاً عن أن وزارة المال أصرت على أنها غير قادرة على تفنيد هذه الأموال في وقت قريب، فيما وزير الداخلية والبلديات زياد بارود يحتاج إلى وقت لكي يضع الآلية المناسبة لتوزيع هذه الاموال على بنود محددة في الموازنة.
ويتضمّن الإنفاق المذكور نحو 525 مليار ليرة قروضاً وهبات ينفذ معظمها مجلس الإنماء والإعمار ونحو 200 مليار ليرة للهيئة العليا للإغاثة ونحو 120 مليار ليرة لصندوق المهجرين ونحو 90 مليار ليرة لمجلس الجنوب إضافة إلى 151 مليار ليرة للاستملاكات و100 مليار ليرة فروقات أسعار للمتعهدين وأكثر من 100 مليار ليرة سلفات لدعم المازوت ومصالح المياه.
وأوضحت المصادر أن الأموال التي ينفقها مجلس الإنماء والإعمار سترد في مشروع موازنة هذا العام كمبلغ مجمع ضمن حساب محدد، إلا أن الاتفاق في مجلس الوزراء قضى بأن يجري تفصيله في موازنة العام المقبل وتوزيعه بحسب كل قطاع! كما أوضحت أن الهبات والقروض سترد كإيرادات ولن يرد تسديدها كنفقات منعاً لتكرارها.
اعتماد موازنة شاملة، خطوة عدّها أكثرية الوزراء إنجازاً، إلا أن ذلك لم ينسحب على المادة الخامسة المتعلقة بالإجازة للحكومة الاستدانة من دون سقف أو تحديد واضح، فقرر مجلس الوزراء تأجيل بت هذا الامر إلى جلسة اليوم، علماً بأن الوزير نحاس كان قد قدم اقتراحاً خطياً إلى الوزيرة الحسن يتضمّن نصاً يجيز للحكومة اقتراض ما تحتاج إليه لتغطية العجز الكلي مع هامش إضافي بنسبة 25% من حدود هذا السقف إضافة إلى إعادة هيكلة ديون قائمة ضمن سقف لا يتجاوز 6000 مليار ليرة. وبرغم وصف مصادر وزارية اقتراح نحاس بأنه يتسم بمرونة كبيرة رفضت الحسن مناقشته، واستبقت الجلسة بالقول لدى دخولها إلى قصر بعبدا إنها اتفقت مع نحاس على عدم الاتفاق في شأن سقف الاقتراض.

مطالب المعلمين وباب الاجتهاد

اللافت أن مجلس الوزراء لم يبحث أمس أي مواد قانونية في مشروع الموازنة، بل استغرق وقتاً طويلاً في محاولة ضرب تحرك روابط الاساتذة والمعلمين عبر الضغط السياسي لإجهاض تحركاتها من دون إعطاء الاساتذة حقوقهم القانونية الثابتة. إلا أن هذه المحاولة لم تنجح بسبب اقتناع أكثرية الوزراء بعجز القوى السياسية المشاركة في الحكومة عن تشتيت الرابطة وشرذمتها وتفكيك مصادر قوتها المتمثلة بتغليب الجانب النقابي على الجوانب السياسية والمذهبية التي حاول البعض اللعب عليها في جلسة أمس. فقررت الحكومة تكليف وزير التربية حسن منيمنة استكمال المفاوضات، وعلق أحد الوزراء على ذلك بالقول: «الحكومة لم تقفل باب الاجتهاد بعد».
وكشف مصدر وزاري إن النقاش انفجر عندما احتد رئيس الحكومة طالباً عدم مناقشة المطالب والرضوخ لها لأن هذا الموضوع أصبح سياسياً، وبعض القوى تستخدمه للتصويب على الحكومة، وقال «جميعنا في الحكومة فلمَ لا نوقف هذا الأمر؟»، وقد ساند معظم الوزراء موقف الحريري وفي مقدمهم الوزير منيمنة، مطالبين باتخاذ موقف من الاساتذة، إلا أن بعض الوزراء حذروا من «ردة الفعل» فيما أعلنت قلة وقوفها إلى جانب الاساتذة وطالبت مجلس الوزراء بالاستجابة لها والكف عن المحاولات الرامية إلى زج القوى السياسية في لعبة شق النقابات، فهذا الامر ينتهك الدستور ولا يجوز أن يكون محور نقاش على طاولة الحكومة.
وحاول الحريري ومنيمنة أن يهوّلا في شأن كلفة المطالب التي قد تكلف الدولة 45 مليار ليرة سنوياً وقد تصل إلى 50 مليار ليرة إذا ما أضيفت معاشات التقاعد، وذهب بعض الوزراء ومنهم الحريري إلى التحذير من أن القبول بالمطالب قد يجر إلى تحركات أخرى في قطاعات مختلفة وهذا ما لا تقوى الدولة على تحمّله. وطالب رئيس الحكومة مراراً بوقف النقاش وإغلاق باب الحوار مع الأساتذة، وقد أيّده وزراء المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب والوزير وائل أبو فاعور. وفي المقابل طالب بعض الوزراء بإعطائهم «7 درجات» على أن يتنازلوا عن حقوقهم في تعليم أولادهم في المدارس الخاصة. وكانت الخلاصة بتكليف منيمنة استكمال المفاوضات.

منطقة تجارة رباعية

وعلى صعيد الرسالة التركية، أوضحت المصادر أن مجلس الوزراء تلقى مشروع اتفاق من الجانب التركي يطلب فيه إنشاء مجلس أعلى رباعي مكوّن من تركيا وسوريا والأردن ولبنان، على أن يكون، بعد الاتفاق عليه، جزءاً من منطقة تجارة حرة بين الدول الأربع. ويقترح الجانب التركي مناقشة الأمر على هامش مؤتمر اقتصادي يعقد قريباً في اسطنبول. وقد مثل الأمر حرجاً كبيراً لدى بعض الوزراء، وخصوصاً أن هذا الطلب لا يمكن رفضه لأسباب سياسية تتعلق بموقف الأتراك من القضايا العربية ولا سيما القضية الفلسطينية. وقد نوقشت هذه النقطة في ظل غياب وزيري: الاقتصاد محمد الصفدي المعني بمناقشة كل ما يتعلق بالتفاوض حول التجارة الخارجية للبنان، والصناعة إبراهام دده يان، وقد وافق معظم الوزراء على مشروع الاتفاق من حيث المبدأ، لكنّ عدداً من الوزراء طرحوا أنه لا يمكن إقرار المنطقة الحرة بسرعة، بل يجب دراسة الأمر وقدرة السوق اللبنانية على المنافسة. وفي النهاية اتُفق على أن ترسل الحكومة اللبنانية إلى نظيرتها التركية طلباً بتعديل النص ليتضمّن عبارة «الالتزام بالمفاوضات للوصول إلى المنطقة الحرة» بدل «الالتزام بإقامة المنطقة الحرة الموحدة التي تنطوي على الانتقال الحر للبضائع والأفراد».
واقترح وزير السياحة فادي عبود، معاملة الأتراك مثل معاملة الأوروبيين، أي أن تُخفض الرسوم الجمركية في منطقة التجارة الرباعية خلال 12 سنة بمعدل 7% سنوياً، وعلى أن تكون هناك لائحة استثناءات يُتفق عليها بين البلدين تتعلق بمنع استيراد أو تصدير سلع ذات منشأ وطني.
واعترض الوزير الصايغ على تسمية «المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي اللبناني التركي»، مشيراً إلى أن هذه التسميات تذكّر بماض معيّن، كما أن الترجمة للنص الانكليزي تعني «المجلس الرفيع». وقال إن ورقة من هذا النوع لا يمكن أن تطرح من خارج جدول الأعمال بل يجب أن تعطى للوزراء قبل وقت لدراسة آثارها، غامزاً من قناة الوزير علي الشامي الذي طرح الرسالة، بالقول إنه «لا يمكن وزراء أن يذهبوا ويفاوضوا ويعودوا من دون أن يعرف مجلس الوزراء بذلك».

مباريات المونديال

وفي ما خص موضوع حقوق بث مباريات المونديال، تقرر تكليف وزير الإعلام طارق متري التفاوض مع محطة «الجزيرة» للحصول على حق النقل لمصلحة القناة الأرضية لتلفزيون لبنان، ما يسهم بتفادي المشكلة التي قد تنشأ عن قيام البعض بـ«القرصنة» فضلاً عن أن ذلك يتيح موارد إعلانية لتلفزيون الدولة المنسي.
وكان رئيس الجمهورية قد عقد قبل الجلسة الخلوة الروتينية مع رئيس الحكومة، وقبل ذلك بحث موضوع الموازنة مع كل من وزير الطاقة والمياه جبران باسيل والدولة يوسف سعادة. كذلك زار باسيل أمس، رئيس مجلس النواب نبيه بري في حضور النائب علي حسن خليل الذي كشف تلفزيون «المنار» أنه التقى العماد ميشال عون منذ 3 أيام، بعيداً عن الإعلام، وبحثا موضوع الموازنة.
وفي أجواء مناقشة الموازنة، جال أمس نائب وزير الخزانة الأميركية نيل وولين على رئيس الحكومة ووزيرة المال، وقد التقاه الحريري في حضور المستشارين محمد شطح ومازن حنا، وأفاد مكتبه الإعلامي أن البحث تناول «التطورات الاقتصادية والمالية في لبنان ».
(الأخبار)

Script executed in 0.17518997192383