غسان سعود - الاخبار
من يسمع المحازبين في القوات اللبنانية يتحدثون منذ سنوات عن قيمة الإنسان في حزبهم سترتسم في مخيّلته صورة واضحة عن هذا الحزب: حزب تقدمي، يجاهر في محاربته كل أشكال الإقطاع العائلي والسياسي والمالي، لديه جيش سري من الكوادر المثقفة التي تنتظر اللحظة الصفر لتنطلق في مجتمعها، آكلة الأخضر واليابس. ونظراً إلى حماسة المبشّرين بالقواتيّة، سيصدّق المستمع أن حزب سمير جعجع لا تهمّه السلطة بل المجتمع، ولا الكراسي بل من يجلس عليها. وفي الوقت المناسب، تزامناً مع كلام المناصرين عن ديموقراطية سمير جعجع، وخروج الكورال ساردين تضحياته في سبيل المجتمع، ستنبعث رائحة البخور فلا يبقى أمام المستمع لهؤلاء إلا إضاءة شموع لحث القديسين على الإحاطة جيداً بهذا الزعيم الاستثنائي.
آثار الانتخابات البلدية كانت فاضحة بالنسبة إلى القوات اللبنانية أكثر من غيرها، والسبب الرئيسي في هذا هو الدعاية القواتية التي وصلت بتصاعدها في الاعتداد بالنفس إلى حدود لم تبلغها دعاية القوى السياسية الأخرى. فعمليّاً انكشفت القوات على أربعة مستويات، بيّنت أن إضاءة الشموع غير ضرورية:
1ــ عدم امتلاكها كادرات لها حيثيّتها الاجتماعية في بلداتها. فقد وجدت القوات اللبنانية نفسها، بحسب مصادر قواتية، عاجزة خارج بشري عن إيجاد مرشحين إلى رئاسة المجالس البلدية، ما اضطرها إلى العدول عن فكرتها القائلة بترشيح قواتيين، عامدة إلى دعم المناوئين للتيار الوطني الحر كائناً من كانوا سياسياً (مع لحظ بعض الاستثناءات طبعاً حيث تبيّن في كسروان مثلاً أن عداء القوات للنائب السابق فريد هيكل الخازن، الذي تحتفي القوات بمواقفه حين ينتقد العماد ميشال عون، أكبر من عدائها للتيار الوطني الحر). ويشير أحد المسؤولين في القوات إلى اكتشافهم متأخرين أن الطالب الجامعي ـــــ الناشط في القوات يصلح في العمل التنظيمي، لكن لا بدّ للحزب من استقطاب فاعليات أكثر تأثيراً في المجتمع لتخوض بواسطتهم الاستحقاقات المتماثلة، الأمر الذي لم تحسب له القوات حساباً قبل هذا الاستحقاق الذي أكد لها أهمية الموازنة في استقطاب فئات المجتمع من دون استثناء. ويشير أحد أصدقاء القوات إلى أن حزب سمير جعجع كان قوة ناخبة مؤثرة في غالبية البلدات المسيحية وأشبه برأس الحربة، لكنه لم يستطع ترجمة حضوره في اختيار المرشحين، لأن غالبية من يتمتعون «بالقدر والقيمة» اجتماعياً ليسوا حزبيين. وعلى هامش الانتخابات البلدية يمكن الملاحظة أن القوات اللبنانية، اليوم، تفتقد الوجوه القواتية المعروفة في مناطقها التي يمكن ترشيحها إلى الانتخابات النيابية. ففي عكار لا يبرز أي اسم باستثناء وهبي قاطيشا الذي هو من بلدة شدرا التي لا يحسب عادة لها حساب في توزيع المقعدين الأرثوذكسيين جغرافياً. أما في الكورة فيزداد حضور زياد الشماس (أميون) وفؤاد ساسين (كفرعقا) كمزاحمين مفترضين للنائب القواتي فريد حبيب. فيما يحلّق أنطوان زهرا وحيداً في البترون (دون مشكلة مع مسؤول القوات هناك، فادي سعد، الذي يبقى خياراً ثانياً بعد زهرا بالنسبة إلى قيادة القوات). وفي جبيل، لا يبرز أي مرشح قواتي محتمل. أما في كسروان، فهناك شخصية قواتية واحدة تقدم نفسها إلى النيابة هو المرشح شوقي الدكاش الذي خسرت اللائحة المدعومة منه في بلدته العقيبة بنتيجة 12 صفر. وفي المتن، لا يزال المرشح القواتي السابق إدي أبي اللمع وحيداً في ظل بروز هادئ لمسؤول القوات في المتن هاني الصافي (يعمل في الإم تي في، وهو من بلدة أنطلياس). ومن المتن إلى الشوف، ما من مزاحم للنائب جورج عدوان. فيما تبدو مهمة المرشح القواتي المحتمل في بيروت عماد واكيم في مزاحمة النائبة نايلة تويني سهلة مرة وصعبة مرات، لتبقى بعبدا وعاليه وجزين وغيرها من الأقضية من دون شخصيات قواتية تثبت حضورها الاجتماعي قبل السياسي.
2ــ عدم امتلاكها كتلة قواتية ناخبة، مرجحة وحدها، خارج قضاء بشري: ففي عكار خسرت القوات جميع المعارك التي خاضتها متّكلة بالجزء الأكبر من المعركة على نفسها كما في بقرزلا ومنيارة
وبيت ملات وممنع وشدرا. أما في القبيات فالنائب هادي حبيش لا القوات هو الصانع الأكبر للانتصار. وفي الكورة، حسمت القوات بعضلاتها الشخصية الفوز في رشدين وعين عكرين فقط، الأقرب تاريخياً في السياسة إضافة إلى الجغرافيا من قلب بشري منهما إلى قلب الكورة. وخسرت القوات معركتها في برسا وكفرحزير، أما في ددة فكان فوزها مستحيلاً لولا دعم تيار المستقبل وعبد الله الزاخم الذي يتمتع بحيثيته الخاصة في البلدة، كذلك، فإن فوزها في دير بعشتار كان نتيجة التحالف مع غاوي غاوي الذي يمتلك حيثيته المحلية الخاصة به. أما في البترون ففازت القوات بالعديد من القرى التي ستوفر لها، ربما، الفوز برئاسة اتحاد بلديات البترون، لكنها خسرت معارك استراتيجية لعمل أي حزب في البترون سواء في مدينة البترون نفسها أو في حامات وعبرين وشكا. وبالانتقال إلى جبل لبنان، يمكن القول إن القوات أثبتت وجودها في جبيل. أما في كسروان ذات الغالبية المارونية، فبدا الحضور القواتي باهتاً تكاد تقتصر فعاليته على بلدات البوار وغسطا (رغم أن تحالف القوات مع التيار لم يستطيعا هزم النائب السابق فريد هيكل الخازن) وعشقوت وحراجل. وكان لافتاً ضعف الحضور القواتي في كفرذبيان، وشبه الغياب الكامل في ميروبا حيث طغى الحضور العوني والكتائبي على الحضور القواتي، وفي غزير كان مسؤول القوات روجيه صليبي يمثل عائلته أولاً وحزبه ثانياً. أما في المتن فلا يمكن تعداد أكثر من ثلاثة رؤساء مجالس بلدية مقربين من القوات في كل من قنات ـــــ برمانا، بعبدات والفنار. إضافة إلى فوز القوات بنحو عشرين عضواً في المجالس البلدية الأخرى. ومن المتن الشمالي إلى الجنوبي ـــــ بعبدا، استفادت القوات من الائتلافات في الشياح ليكون لها موطئ قدم في مجالس بعبدا البلدية. وفي عاليه، دعمت القوات اللائحة التي خسرت في بحمدون وأثبتت عدم تمتعها بأي نفوذ مؤثر في الكحالة، فيما نفى رئيس اللائحة الفائزة في سوق الغرب أن يكون قريباً من القوات اللبنانية. هكذا، يمكن القول إن القوات اللبنانية لم تفز شخصياً بأي معركة في عاليه باستثناء بلدة رشميا، حيث خاض
لعبت القوات لعبة القوى السياسية في فصل الاستحقاق البلدي عن السياسة
المعركة خال النائبة ستريدا جعجع، منصور مبارك. وفي الشوف، كان فوز القوات متواضعاً في بلدة المطلة التي تعدّ القلعة القواتية الأهم في تلك المنطقة، ففازت بخمسة مقاعد فقط من أصل تسعة، وخسرت في معقلها الثاني المفترض، مزرعة الضهر، بنتيجة تسعة لصفر. أما في دير القمر والناعمة فكانت القوات شريكة ضمن مجموعة كبيرة حقّقت الانتصارين، في وقت يكاد يمكن القول إن القوات تفرجت من بعيد على لائحتين عونيتين تتنافسان في بلدة الدامور. وفي شرق صيدا، أثبتت القوات حضورها، نسبياً، في درب السيم وعين الدلب والمعمرية فقط. أما في جزين فلم يسجل أي حضور قواتي كبير كالذي سجل في القليعة وجديدة مرجعيون.
3ــ عدم امتلاكها خطاباً إنمائياً تتوجه به إلى ناخبين لا يجدون أن تفضيل مختار على آخر يؤثر على ديمومة سلاح حزب الله وانتشار ولاية الفقيه. فقد لعبت القوات لعبة القوى السياسية الأخرى في الدعوة إلى فصل الاستحقاق البلدي باعتباره إنمائياً عن السياسة. كأنها حزب يتعاطى السياسة فقط ولا علاقة له بهموم الناس وقضاياهم القروية.
4ــ عدم وضعها معايير للتحالفات. فلم تشرح القوات كيف تبرر مثلاً تحالفها في بعض البلدات مع التيار الوطني الحر الذي يردد موقعها الإلكتروني يومياً أنه «عميل لسوريا» و«غطاء حزب الله المسيحي». ولم تظهر القواسم المشتركة بينها وبين النائب سمير عازار في جزين مثلاً. ولم تتعب نفسها في شرح ظاهرة استرضاء الحزب التقدمي للعائلات ورؤساء العشائر، فبدل أن تصعد العائلات إلى الحزب، نزل الحزب إلى العائلات.
يشار أخيراً إلى أن القوات في معرض دعمها كل من يترشح ضد اللائحة المدعومة رسمياً من التيار الوطني الحر، وتأجيجها الخلافات، بدأت التواصل مع مجموعات جديدة يفترض أن تستقطبها لتستبقيها في أحضان الحزب، إن لم يتدارك خصومها هذا الأمر.
عشرة حزبيين يصنعون العجائب
أثبتت القوات اللبنانية في الانتخابات البلدية الأخيرة أنه يكفيها وجود نحو عشرة حزبيين في بلدة ليظهر كأن القوات هم نصف البلدة وأكثر.
هناك دائماً قواتي يدرس قوائم الناخبين ويمسك بها نيابة عن اللائحة التي تدعمها القوات، فيستقطب الفاعليات الداعمين لهذه اللائحة ليعرف منهم من يمون على من، ومن يحضر من يوم الانتخاب. وتصبح القوات عبر هذا الشخص هي الماكينة الأساسية، ففي الانتخابات البلدية يكاد يكون الممسك بقوائم الناخبين أهم من المرشحين، علماً بأن خبرة القواتيين في التعامل مع هذه القوائم في معظم البلدات كان لافتاً، ما يشير إلى تلقي مجموعة من القواتيين تدريبات خاصة على هذا الأمر.
وهناك دائماً قواتيان آخران يهتمان بإعداد الحملة الإعلانية، مستفيدان من خدمات مركزية تعطي اللائحة المدعومة من المجموعة الحزبية، بطريقة غير مباشرة، طابعاً قواتياً.
ويتكفل قواتي آخر بأن يطغى زمور القوات على كل الأصوات الأخرى خلال المواكب السيارة المؤيدة لهذه اللائحة. وسط انشغال ما بقي في المجموعة بتأجيج الصراع والتأكيد لأنصار اللائحة التي يدعمونها أن القوات وجدت لتدافع عنهم.