أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تعادلت الأصوات في لبنان... فمالت الكفّة في مجلس الأمن!

الخميس 10 حزيران , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,551 زائر

تعادلت الأصوات في لبنان... فمالت الكفّة في مجلس الأمن!

فعندما تحمّس لبنان لعضويته غير الدائمة في مجلس الأمن، بدا واثقاً من نفسه ومما سيواجهه، لكن عندما جاء استحقاق التصويت على العقوبات على إيران، احتار وحيّر العالم معه: رئيس حكومته سعد الحريري أنهى لقاءه الليلي مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، واستقلّ هو وفريقه الاستشاري طائرته الخاصة، متنقلاً بين عمان وجدّة وشرم الشيخ، ثم عاد ظهر أمس من المنتجع المصري فوراً إلى ساحة النجمة، حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري.
وإلى الحركة الخارجية، تكثفت اللقاءات والاتصالات الداخلية، وصبّت في مجملها في القصر الجمهوري، الذي يمكن تلخيص أجوائه بأنها لم تكن طبيعية طوال يوم أمس. فحتى قبيل حلول موعد جلسة مجلس الوزراء، كانت الاتصالات جارية على غير صعيد واتجاه داخلياً وخارجياً، إذ إن الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن بموضوعها الأوحد، أي التصويت على فرض عقوبات جديدة على إيران، خلقت ما يشبه خليّة الأزمة التي كان يمكن طريقةَ التعامل معها أن تترك ارتدادات تصيب التضامن الوزاري، وصولاً إلى ضعضعة الوضع الداخلي الهشّ أصلاً.
وشملت الحركة في قصر بعبدا لقاءات لرئيس الجمهورية ميشال سليمان مع الرئيس نبيه بري، النائب محمد رعد، السفيرة الأميركية ميشيل سيسون، ثم خلوة مع الحريري، بدأت بعدها جلسة مجلس الوزراء بالتزامن مع جلسة التصويت في مجلس الأمن.
في وقائع الجلسة الحكومية، ودائماً على الطريقة اللبنانية، كان ابتكار لحل أو موقف (عنوانه اللاموقف)، إذ انقسم مجلس الوزراء بين فريقين متعادلين: الأول يضمّ وزراء المعارضة وعددهم 10، معهم وزراء رئيس الجمهورية وعددهم 4، إذ إن الوزير عدنان القصار تغيّب عن الجلسة، وقد اتخذ هذا الفريق موقف التصويت ضد العقوبات على إيران، مقابل فريق ثانٍ قوامه أيضاً 14 وزيراً يمثلون وزراء بقية قوى 14 آذار الذين غاب منهم الوزير محمد الصفدي. وكان قرار هؤلاء، امتناع لبنان عن التصويت على مشروع قرار العقوبات. وكان واضحاً أن هذا الانقسام سيحصل لا محالة، في ظل فشل الاتصالات التي بقيت مستمرة طوال ليل الثلاثاء حتى ساعة متأخرة بحسب ما أكدت مصادر مطلعة لتلفزيون المنار، وهي شملت سليمان وبري والحريري من جهة، والحريري وحزب الله، والحزب وحركة أمل من جهة أخرى، بهدف التوصل إلى موقف توافقي من قضية العقوبات على إيران، وخصوصاً في ظل التوافق اللبناني على رفضها، وأن الاختلاف هو على كيفية تظهير هذا الرفض. وبحسب المعلومات، كان رئيس الجمهورية جازماً بتمسكه برفض هذه العقوبات لأن الدبلوماسية أثمرت مع إيران اتفاقاً ثلاثياً مع البرازيل وتركيا، ولا يجوز أن يبادر المجتمع الدولي إلى معاقبتها بهذه الطريقة، فيما بقي الحريري متمسكاً برأيه القائل إن لبنان يمثل المجموعة العربية كلها، ولا يمثل نفسه فقط في مجلس الأمن، وإن علاقاته وموقعه لا يسمحان له باتخاذ موقف رافض للعقوبات، لأن لمثل هذا القرار أثماناً لا يستطيع بلدنا تحملها.

مجلس الوزراء انقسم مناصفة: 14 ضد العقوبات على إيران و14 مع اللاتصويت و14 آذار فازت

هكذا انتهت المفاوضات إلى الفشل عملياً بالتوصل إلى قرار موحّد، فكان على ما أكدت مصادر مطّلعة، قرار اللاقرار، شبه مدروس ومقصود من رئيسي الجمهورية والحكومة. بل إن المعلومات تؤكد أن سليمان لمّح لبري خلال لقائهما أمس إلى هذا السيناريو، لكن الأخير كان واضحاً بموقفه الداعي إلى اتخاذ موقف لا يقلّ أهمية عن الموقف التركي. وفي هذا الإطار علمت «الأخبار» أن وزير الخارجية علي الشامي، أرسل صباح الثلاثاء مذكرة خطية إلى مندوب لبنان الدائم في نيويورك نواف سلام، تتضمن توجيهات بأن يبادر إلى التصويت برفض العقوبات إذا ما كان الموقف التركي رافضاً لها، وهو موقف وجده البعض معنوياً أكثر منه تنفيذياً، إذ إن صلاحية هذا القرار في يد مجلس الوزراء مجتمعاً.
وبحسب المعلومات، تأخر التئام جلسة مجلس الوزراء من الساعة الرابعة إلى الخامسة والنصف، بفعل الخط الساخن الذي كان مفتوحاً بين رئيسي الجمهورية والحكومة وبعثة لبنان في نيويورك، وبعدها التأمت الجلسة وكان واضحاً أن خيار التوصيت واقع لا محالة، وكان التعادل، الذي أفضى إلى قرار، أبلغ إلى السفير سلام. وبحسب الوقائع، بادر الحريري شخصياً إلى الخروج من الجلسة لإبلاغ سلام بالقرار، على مرأى من وزير الخارجية الذي كان يهمّ بالخروج للقيام بهذه المهمة التي تدخل ضمن صلاحياته، وهو ما فسّره بعض الوزراء بأنه انتقاص من الوزير الشامي ومحاولة لنقل القرار بصورة مائعة إلى السفير سلام. وبالفعل، كان أن خلّف أداء الأخير في الجلسة امتعاضاً كبيراً، إذ إنه لم يبادر إلى طلب الكلام بعد كلمتي المندوبين البرازيلي والتركي، حيث بدأ التصويت واحتسب سلام في عداد الممتنعين عنه عبر رفع الأيدي، وهو ما ترك حالة من الاستياء لدى وزراء المعارضة ورئيس الجمهورية، الذين خرج بعضهم من الجلسة لمتابعة هذا التفصيل ولإجراء اتصالات مع مرجعيّاتهم. وبقيت هذه الحالة إلى أن أحضرت كلمة السفير سلام إلى الجلسة، وفيها ما طلب من الأخير قوله مضافاً إليه الامتناع، حيث قال حرفياً إن الحكومة اللبنانية درست موضوع التصويت «ولما لم يتبلور موقف نهائي لديها في اللحظة التي نجتمع فيها، لذلك فإن لبنان قد امتنع عن التصويت».
وبلغة الأرقام، وبمعزل عمّن طالب سلام باتخاذ قرار الامتناع عن التصويت، فإن هذا القرار يثير تساؤلاً عن المرتكزات التي دعت إلى اتخاذه بما يوحي بأن عدم تبلور موقف نهائي لدى الحكومة، يعني الامتناع عن التصويت، مع أن الامتناع نال 14 صوتاً داخل مجلس الوزراء، أي العدد نفسه الذي نالته معارضة العقوبات، فلماذا لم يقل سلام «لذلك، فإن لبنان يصوّت ضد»؟، أو بما أنه لم «يتبلور موقف نهائي... لذلك فإن لبنان ينسحب من الجلسة»؟ ولماذا كانت الأرجحيّة في مجلس الأمن لأصوات 14 آذار الـ14، على الـ14 صوتاً لـ8 آذار مع وزراء رئيس الجمهورية، ما دام «الامتناع» كان موضوع تصويت في مجلس الوزراء ولم يكن مخرجاً لعدم تبلور موقف؟
وقد وصفت مصادر في المعارضة، ما حصل في جلسة مجلس الأمن، بأنه نوع من الاحتيال الدبلوماسي الذي مارسه سلام بتنسيق مع فريق رئيس الحكومة، وهو ما أدى إلى تظهير موقف الامتناع بهذه القوة على حساب موقف اللاموقف.
واللافت أن وزير الإعلام، لدى تلاوته المقررات الرسمية لجلسة مجلس الوزراء، لم يشر إلى قرار بالامتناع عن التصويت، إذ اكتفى بالقول في هذا المجال: «بعد مناقشة قصيرة، قرر مجلس الوزراء الطلب إلى مندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة إبلاغ مجلس الأمن أن الحكومة اللبنانية لم تتوصل إلى قرار بشأن مشروع القرار الخاص بالعقوبات على إيران بسبب تعادل الأصوات بين الموافقين على الامتناع عن التصويت والموافقين على رفض مشروع القرار المذكور، وكذلك جرى التشديد على شرح الموقف اللبناني بعد التصويت، ولا سيما في عدم موافقة لبنان على السير في نهج العقوبات، وهذا ما فعله مندوب لبنان عند إلقائه كلمته».
إلى ذلك، أظهرت نتيجة التصويت في مجلس الوزراء، أن النائب وليد جنبلاط بدا، في أول اختبار عملي وجدّي، أنه لا يزال في المحور الآخر، حيث استبق النقاشات بإعلانه أنه مع الامتناع عن التصويت، بحجة أن هذا الموقف يحمي الوحدة الداخلية ولا يعرّض البلد لمزيد من الانقسامات، وحاول من جهة أخرى أن يبعث برسائل بأنه ضد العقوبات!

وزراء رئيس الجمهورية صوّتوا ضد والمعارضة تتّهم فريق الحريري بممارسة الاحتيال الدبلوماسي

وفي ردود الفعل على العقوبات وموقف لبنان منها، أصدر حزب الله بياناً وصف فيه قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات جديدة على إيران، بأنه «جائر ومجحف ومنافٍ لأبسط قواعد النزاهة والعدل»، ورأى أن «لعبة المصالح الاستكبارية (...) لن تسهم إلا في زيادة تعقيد الأوضاع في منطقتنا»، منبهاً إلى «مخاطر استفادة إسرائيل من هذا القرار لتتمادى في عدوانيّتها وممارسة إرهاب الدولة». وأدان تجاهل مجلس الأمن «للخطر على الأمن والاستقرار الدولي الذي تمثّله إسرائيل الغاصبة وترسانتها النووية وإرهاب الدولة الذي تمارسه يومياً ضد شعب فلسطين وضد شعوب المنطقة ودولها العربية والإسلامية»، واصفاً رفض تركيا والبرازيل للعقوبات بأنه موقف منصف سيسجّله التاريخ. وفي ما خصّ موقف لبنان، قال: «كنا نأمل أن يعكس موقفه صورة أكثر بهاءً وقوة وتعبيراً عن قدرة اللبنانيين على التوافق، وخصوصاً إزاء رفض التجني والظلم اللذين ذاق لبنان مرارتهما طويلاً».
ورأت حركة أمل أن قرار مجلس الأمن الجديد «يعكس بوضوح ازدواجية المعايير في التعاطي مع الملفات الدولية»، ويعطل المسار الإيجابي للاتفاق التركي ـــــ البرازيلي ـــــ الإيراني «الذي فتح الباب أمام تسوية جدية للقضية المطروحة». وجددت تأييدها «لحق إيران في الاستفادة من الطاقة النووية وفق ما تعلن»، مبدية استهجانها لتجاهل مجلس الأمن وجود الترسانة النووية الإسرائيلية. وأشادت بموقف تركيا والبرازيل «الذي يأتي منسجماً مع الدور الذي مثّلاه في البحث عن حل سلمي يعزز الاستقرار والأمن الدوليين»، آسفة لقرار الحكومة اللبنانية «الذي أتى تفسيره ملتبساً مع مصلحة لبنان في الوقوف إلى جانب أصدقائه».
وقال رئيس حزب الاتحاد عبد الرحيم مراد، إن امتناع لبنان عن التصويت دليل على أنه «ما زال يدور في فلك الأحادية القطبية، وهو لا يعبّر عن استقلالية في قراره السياسي، بقدر ما يمثّل تبعية ظاهرة لمركز القرار الدولي»، إضافة إلى أنه يمثل طعناً لجهود إيران «في دعم لبنان ومقاومته وبلسمة جراحه من العدوانية الصهيونية».

التسريب والموازنة

يشار إلى أن جلسة مجلس الوزراء أمس كان مقرراً لها أن تتابع مناقشة مشروع قانون الموازنة لعام 2010، لكن جلسة مجلس الأمن فرضت نفسها على بدايتها. وبعدما ارتاح المجتمعون للتوصل إلى قرار اللاقرار، أطلع الوزير غازي العريضي المجلس على الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين شركة طيران الشرق الأوسط ونقابة الطيارين، ثم طرح وزير الإعلام مسألة تسريب محاضر الجلسات، فندّد جميع الوزراء بهذا التسريب ونادى معظمهم باحترام سرية مداولات المجلس ومحاضره. وتحدث بعده وزير التربية عن إضراب المعلمين ومقاطعة الامتحانات. وفي هذا الإطار، نقل متري عن سليمان تشديده «على أهمية دعم القوى السياسية موقف مجلس الوزراء في الدعوة إلى المشاركة في تصحيح الامتحانات والعمل على الحؤول دون منعه».
كذلك تناول المجلس موضوع تعيين هيئة للإشراف على الانتخابات النيابية الفرعية في المنية ـــــ الضنية، وقرر أن أحكام قانون الانتخابات لا تنصّ على تعيين مثل هذه الهيئة للإشراف على الانتخابات الفرعية.
أما مناقشات مشروع الموازنة، فتركزت على المادة 32 منه التي تتضمن خفضاً ضريبياً كبيراً على عمليات إعادة تقويم الأصول الثابتة لدى الشركات والأشخاص الحقيقيين والمعنويين، ما يدرّ أرباحاً هائلة لهم. إلا أن مجلس الوزراء قرر عدم تعديل هذه المادة، مع موافقته على إضافة نص يقضي بتحصين الضريبة على الربح العقاري إذا تقرر فرضها في موازنة العام المقبل، بمعنى أن لا تتحول إعادة تقويم الأصول والخفض الضريبي عليها إلى فرصة لتحقيق أرباح والتهرب من تسديد الضريبة الفعلية عند التفرغ (البيع) عن الأصول العقارية المعاد تقويمها. وتقررت الجلسة المقبلة للمجلس يوم الاثنين المقبل.

اكتشاف الغاز

في مجال آخر، دعا الرئيس بري النواب إلى جلسة تشريعية قبل ظهر الثلاثاء المقبل، لدرس وإقرار مشاريع واقتراحات القوانين المدرجة على جدول الأعمال، وكذلك لأداء أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء قسم اليمين.
وكان بري قد ذكر بعد لقائه رئيس الجمهورية أنه أثار معه إلى موضوع التصويت في مجلس الأمن، موضوع إعلان شركة نوبل للطاقة الأميركية عن فرصة لاكتشاف حقل هائل للغاز في البحر المتوسط «ومسارعة إسرائيل إلى محاولة فرض أمر واقع، والتباهي بتحولها إلى إمارة نفطية وتجاهل حقيقة أن الحقل يمتد بحسب الخرائط إلى المياه الإقليمية اللبنانية». وقال إن هذا الاكتشاف يستدعي من لبنان «المبادرة الفورية للحفاظ على حقوقه التي تتعدى الجانب المالي إلى البعدين الاقتصادي والسياسي والسيادي»، داعياً إلى «إشهار مقاومتنا على حدود هذه الثروات الطبيعية».
(الأخبار)

Script executed in 0.19899988174438