السفير
لقد قرر نصف مجلس الوزراء ان يختار الموقف الهزيل واللون الرمادي في التعامل مع قضية شديدة الوضوح في عدالتها وتستوجب عدم الحياد حيالها، مهما تم تزيينه بضرورات المصلحة التي تبيح المحظورات الوطنية!
قرر نصف مجلس الوزراء ان يتجاهل 200 رأس نووي اسرائيلي حربي تقبع الى جانبنا في فلسطين المحتلة، وأن يساير المعايير المزودجة المعتمدة من الولايات المتحدة ومجلس الامن في التعامل مع المسألة النووية، قافزا فوق الاتفاق الايراني ـ التركي ـ البرازيلي، وفق حق ايران المبدئي في امتلاك الطاقة النووية السلمية.
وقرر نصف مجلس الوزراء ألا يأخذ بعين الاعتبار أن مصدر الخطر الحقيقي والثابت هو الكيان الاسرائيلي، وأن هناك عدوا مشتركا يلزم بيروت بأن تقف وقفة مبدئية الى جانب طهران، بمعزل عن اي حسابات او تكتيكات أخرى.
كثيرة هي الاسباب التي كانت تستوجب من لبنان الرسمي ان يتخذ قرارا منسجما بالدرجة الاولى مع نفسه ومع مقاومته وإنجازاته، وإذا كانت كل هذه الاسباب السياسية والوطنية لا تكفي، فقد كان المعيار الاخلاقي وحده كفيلا بأن يدفع لبنان الى أن يحسم خياره في اتجاه التصويت ضد العقوبات، لا سيما أن ايران قدمت الكثير في مجال إعادة اعمار ما هدمته اسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة، ناهيك عن دعمها الكبير للمقاومة.
لقد اضاع لبنان فرصة وجوده بين الكبار في مجلس الامن، فجعل من مروره في المجلس مرورا باهتا، وقرر ان يكون الصوت النشاز الوحيد في اللاموقف، تاركا لتركيا مجد اتخاذ القرار التاريخي الذي تحرر من حسابات التوازن مع إيران والتنافس على الدور الاقليمي، فوقفت أنقرة ضد فرض العقوبات على طهران، مستكملة الرحلة التي بدأها اسطول الحرية، في وقفة عابرة لكل الاصطفافات المذهبية التي تفتت المنطقة، غير آبهة بالمخاطر التي قد تطال مصالحها الاستراتيجية، وهي العضو الفاعل في الحلف الاطلسي والطامح الى عضوية الاتحاد الاوروبي.
كما ان لبنان لم يكترث لموقف البرازيل الرافض للعقوبات، وهو البلد الذي وضعته الجغرافيا في أميركا الجنوبية بعيدا عن الشرق الاوسط، ولكنها لم تستطع ان تبعده عن مناصرة الحق.
اما التداعيات الداخلية للانقسام في مجلس الوزراء حول قضية العقوبات على ايران فمن المرشح ان تعبر عن ذاتها على المديين القصير والمتوسط من خلال الملفات المحلية المفتوحة، والتي قد يتم تنفيس الاحتقان عبرها، بحيث تصبح من جديد مادة للاصطفافات الحادة، بعدما عاد خط التماس السياسي بين ما كان يعرف بالموالاة والمعارضة الى الظهور من جديد في جلسة مجلس الوزراء أمس.
واللجوء الى التصويت أمس كان واحدا من اكثر الاختبارات صعوبة وحراجة التي مرت بها حكومة الوحدة الوطنية منذ تشكيلها، خصوصا انه يتعارض مع التفاهم الجانبي الذي رافق ولادة الحكومة، والقائل بأن المسائل الاساسية تخضع الى التوافق خارج مجلس الوزراء ثم يؤتى بها الى الطاولة لتثبيتها، وإن يكن التعادل في الاصوات أمس ساهم نسبيا في حصر الخسائر.
أما الرابح الاكبر على المستوى الوطني فهو رئيس الجمهورية الذي أثبت مرة أخرى ان لا مجال للمساومة على مواقفه في المحطات المفصلية، وأنه في القضايا الكبرى ينبذ التوافقية السلبية، ولا يتردد في الانحياز الى جانب الموقف الصح والخيار المبدئي.
في المقابل، بدا موقف وليد جنبلاط متمايزا عن المسار الجديد الذي بدأ بسلوكه منذ خروجه من فريق 14 آذار، والمباشرة في تطبيع العلاقات بينه وبين حزب الله وسوريا، علما انه كان حريصا ليل أمس على تأكيد التزامه بمعادلة «الدولة والشعب والمقاومة» وعدم تأثرها بقرار الامتناع عن التصويت على العقوبات.
الى ذلك، تردد ان السفارة الاميركية في عوكر دخلت بقوة على الخط، وتولت السفيرة العائدة من الاجازة ميشيل سيسون القيام بجولة بعيدة عن الاضواء على عدد من قيادات 14 آذار، وتوجتها بزيارة رئيس الجمهورية في قصر بعبدا في محاولة للضغط عليه في اتجاه دعم العقوبات.
تحت وطأة كل هذه الاجواء، انعقد مجلس الوزراء في قصر بعبدا بغياب وزيرين هما محمد الصفدي وعدنان القصار، وسبقته خلوة مطولة بين الرئيسين سليمان والحريري الذي كان يحاول ترجيح كفة اتخاذ قرار بالامتناع عن التصويت، «لان لا مصلحة لنا في معاداة المجتمع الدولي، عدا عن ان قرار فرض العقوبات يحظى مسبقا بعدد كبير من الاصوات في مجلس الامن، وبالتالي فإن صوت لبنان لن يقدم ولن يؤخر في هذا المجال».
وفور انطلاق أعمال مجلس الوزراء، بدا انه يخوض سباقا مع الوقت، بفعل تزامن انعقاده مع بدء جلسة مجلس الامن، الامر الذي لم يتح المجال امام النقاش، وتولى سليمان في مستهل الجلسة طرح موضوع الموقف من فرض العقوبات على التصويت، وكانت البداية مع الرئيس سعد الحريري الذي كان متشنجاً للغاية ثم أدلى كل وزير بموقفه تباعا، فصوّت 14 وزيرا الى جانب الامتناع و12 وزيرا ضد العقوبات، وتوجهت الانظار نحو الوزيرين الياس المر وزياد بارود اللذين أعلنا عن التزامهما بما يطرحه رئيس الجمهورية، ولكن الرئيس طلب منهما التصويت الواضح فوقفا الى جانب معارضة فرض العقوبات، لتصبح النتيجة النهائية 14ـ14.
وتقرر تكليف مندوب لبنان الدائم في الامم المتحدة ابلاغ مجلس الامن بأن الحكومة اللبنانية لم تتوصل الى قرار بشأن مشروع القرار الخاص بالعقوبات على ايران بسبب تعادل الاصوات بين الموافقين على الامتناع عن التصويت والمعترضين على مشروع القرار المذكور، كما جرى التشديد على شرح الموقف اللبناني بعد التصويت لا سيما في عدم موافقة لبنان على السير في نهج العقوبات، وهذا ما أدلى به سلام فعلا في كلمته.
وكان لافتا للانتباه ان المندوب الايراني في مجلس الامن بادر بعد انتهاء الجلسة الى مصافحة رئيس وأعضاء الوفد اللبناني، شاكرا إياهم على الموقف المتخذ، فيما أفادت مصادر دبلوماسية في الامم المتحدة ان وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو تحادث هاتفيا مع سلام وأبلغه أن تركيا تتفهم موقف لبنان.
وفي المواقف، قال النائب وليد جنبلاط لـ«السفير» انه كان في الاساس مع الامتناع عن التصويت على العقوبات، «وقبل ذلك كنت من غير المتحمسين لوجود لبنان في عضوية مجلس الامن، أما وإن هناك أمرا واقعا قائما فإن الموقف الذي عبّر عنه السفير نواف سلام باسم لبنان هو الانسب، لاننا لسنا دولة كبرى مثل تركيا والبرازيل، وما فعلناه يجنبنا غمار لعبة الامم». وأضاف: الاساس هو المحافظة على معادلة الدولة والشعب والمقاومة، والقرار المتخذ لا يلغي هذه المعادلة ولكنه يوفر علينا في الوقت ذاته خسائر جانبية في العلاقات الدولية، وعلينا ان نستعد لمواجهات أخرى سياسية او غير سياسية، من خلال الحوار والوحدة الوطنية والالتزام بثوابت اتفاق الطائف.
وقالت أوساط قيادية في المعارضة لـ«السفير» إن ما جرى في مجلس الوزراء اظهر حالة من الانقسام المثير للريبة حول قضية يفترض ان تكون جامعة، مشيرة الى انه كان يجب ان تراعى المصلحة اللبنانية المجردة بعيدا عن أي مصلحة خارجية. ورأت ان التصويت ضد فرض العقوبات هو أضعف الايمان تجاه ايران التي ساعدت لبنان على تحرير أرضه وإعمار ما هدمته اسرائيل ووقفت الى جانبه في المحافل الدولية وفي مواجهة كل الاستحقاقات، وبالتالي فليس هكذا يرد لها الجميل. وتوقعت الاوساط ان يترك ما حصل آثارا جانبية على العلاقات بين القوى السياسية ولكن من دون ان تنكسر الجرة.