أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

في «يوم التوعية حول مناهضة سوء معاملة كبار السن»: قصتا أم حسن وميسم برسم الدولة

الثلاثاء 15 حزيران , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,479 زائر

في «يوم التوعية حول مناهضة سوء معاملة كبار السن»: قصتا أم حسن وميسم برسم الدولة
هذا اليوم هو «اليوم العالمي للتوعية حول مناهضة سوء معاملة كبار السن». عدد المسنين (65 عاماً وما فوق) في لبنان إلى ارتفاع، حسبما يقول وزير الصحة محمد جواد خليفة لـ«السفير»، «فقد بلغت نسبة المسنين 9 في المئة منذ 3 سنوات، ويقدّر لها أن تصل إلى 15 في المئة في العام 2020». لبنان مقبل على مجتمع يستحوذ ثلث سكانه على فئة المسنين، بحسب الوزير، و«هناك زاوية يجب الالتفات إليها بالنسبة إلى المسنين الذين لا معيل لهم، وهي أن معظم الحالات المأساوية تكون اجتماعية.. بمعنى أن الأبناء والأقارب يستغنون عن المسن ويتركونه وحده».
يقول ان هذه الفئة العمرية تستهلك 50 في المئة من الإنفاق الصحي. واعتبر خليفة أن المجتمع والدولة يجب أن ينظرا إلى أبعد ما هو قائم الآن، أي أن تعمد الدولة إلى تطوير رؤاها في هذا السياق، كتأمين المساعدة الكاملة والرعاية للمسن وهو في منزله، من دون إحضاره إلى مستشفى. يشير إلى أن «من بين الحلول المجدية هو تأمين ضمان الشيخوخة من دون عمر محدد كما هو قائم الآن».
أما وزير الشؤون الاجتماعية سليم الصايغ فيقول ان الوزارة فعّلت «الهيئة الوطنية للمسنين»، محدداً «من أولويات الوزارة حالياً، تحسين أوضاع المسنين، ونعمل على إنشاء أندية لهم، ودور رعاية، بالإضافة إلى تأمين كل المستلزمات الاجتماعية».
ويلفت الصايغ إلى أن ضمان الشيخوخة هو أمر يفتقده الناس في لبنان، ويعمل على انجازه وزير العمل بطرس حرب، مشيراً إلى أن وزارة الشؤون الاجتماعية «تحاول إنشاء شبكة أمان، وتتواصل مع كل مبادرات المجتمع المدني لمنح المسنين رعاية عائلية كاملة، فلا يتركون وحدهم». يقول ان نسبة «75 في المئة من موازنة الوزارة تخصص للدعم الرعائي المباشر للمؤسسات، في الوقت الذي لا يمكننا تجاهل الدور الأساسي في أسرة المسنين، والحاضن الطبيعي لهم».
في مناسبة «اليوم العالمي للتوعية حول مناهضة سوء معاملة كبار السن»، زارت «السفير» بيتين، لتنقل قصتي مسنين، يعيشان على هامش هذا الوطن، رغم أنهما يتمتعان بكامل حقوق المواطنة فيه.
ليستا قصتين إستثنائيتين، لكنهما تدلّان إلى قصص كثيرة لا تراها الدولة، وتحتاج إلى أي عين تلقى عليها. فحاجات المواطن الحياتية مهمّشة في لبنان، في مختلف سنين عمره.. لكنها تصبح أكثر قسوة عندما يصبح الإهمال هو كل ما جناه المرء من هذه الحياة
للعين اليمنى قصة، ولعينها اليسرى قصة أخرى.
كان لزاماً على السيدة السبعينية أن ترضخ لحياتها بعد موت زوجها، الذي وافته المنية منذ عشرة أشهر. هي الآن تقبع في منزل بسيط في أحد أزقة العاصمة. بجوار حجرتها الصغيرة، يضطجع نجلها حسن.
حياة سعيدة عاشتها أم حسن، قبل أن تصبح ضريرة. كانت أقل خنوعاً من اليوم، وأكثر نشاطاً. وقع زوجها يوماً عن كرسي، أصيب برضوض في فخذه. عاش المسن عشرة أيام في المستشفى، ثم رحل. وقبل مماته، حاول جاهداً إقناع الزوجة بقبول عرضه: أن يتبرّع لها بعينه اليسرى، أو اليمنى. لا يهم. لكن أم حسن لم توافق. وهي، حتى لو وافقت، فإن إجراء العملية، كما قال أحد الأطباء للزوج، مكلفة وصعبة في هذه البلاد.
مات الزوج. وفقدت أم حسن عينها اليمنى حزناً عليه، بعدما أطفئت العين اليسرى بالماء الزرقاء. قضت أم حسن أيامها حزناً على زوجها، فبكت وذرفت الدموع، تماماً كأي قصة موت تصيب البشر. لكن السيدة المسنة حملت معها أكثر من علّة: آلام في المفاصل، «روماتيزيم»، ضغط، سكري، وأعصاب.
يبلغ حسن من العمر ثمانية عشر عاماً. المشاكل العائلية حول ميراث ما، أدت إلى شطب اسمه من النفوس، فبات بلا هوية. ولهذا السبب، فإن والدته تخاف عليه كثيراًً، وتمنعه من الخروج بعيداً عن الدكان المجاور. الشاب عاطل من العمل. لا معيل لأم حسن.
صارت السيدة المسنة تتقشف في الأدوية، فتارة تبتاع دواء الضغط من مبلغ قليل ادخرته ليوم أسود، وتذعن طوراً لعدم تناول دواء السكري. وهكذا دواليك. هي، اليوم، تملك 21 ألفاً وخمسمئة ليرة لبنانية. لا مدخول لها.
قالت أم حسن لزوجها، عندما كان يحتضر في المستشفى، إنه سيقوم بخير وسلام، لأنه أجرى قبل مدة عملية قلب مفتوح، وعليه، فإنه لن يفارق الحياة بسبب ألم في الفخذ. لكن أبا حسن استشعر أنه سيفارق الحياة، فأخبرها أنه أوصى أشقاءه برعايتها. بيد أن وصية الزوج لم ينفذها الأشقاء. هم، اليوم، يريدون الاستيلاء على المنزل.
لا تعرف المسنة ماذا سيحلّ بها مع نهاية الشهر الحالي. تقول إن الله لا يترك أحداً. فتتضرع ليل نهار أن تحلّ عليها النعمة، لتكمل حياةً كريمة. أم حسن لم تخرج من المنزل منذ مدة طويلة. هي لا تعرف كيف تلوذ إلى فراشها ليلاً، وبالكاد تميّز النهار من الظلام.
لو كانت عينا أم حسن مفتوحتين، فإنها ستعمل في مهنة الخياطة، من دون انتظار منةً من أحد. لا أحد أصلاً. تتلمس المسنة جدران المنزل بخفر لتستدل على ضالتها، على الرغم من مكوثها في هذا المنزل منذ أكثر من أربعة عشر عاماً.
منذ مدة، حاولت المسنة أن تنتحر.
تسند إحدى كفيها إلى خدها. تقول إنها بلغت حد اليأس. إلا أنها، سرعان ما تتذكر حسن. هي مؤمنة بقدرها، وتريد أن تكمل حياتها حتى النبض الأخير. تتألم من العزلة والوحدة، والعمى. تقول أم حسن: «تلك هي الحياة».
أما ميسم..
حياة ميسم لا تشبه حياة السيدة الضريرة. لكل منهما حياته الخاصة. إنه أمر بديهي. لكن ميسم يتقاسم معاناة أم حسن. هو لا يعرفها. بيد أنه، ربما، يشعر بها، وبأقرانها في المصيبة، والسنّ. الرجل المسن، والأب لأربعة أولاد، مصاب بمرض في القلب. هو يعيش بيننا أيضاً. أم حسن بالكاد تميز الليل من النهار فقط. ميسم لم يغمض له جفن قط. يمكث يراقب ابنته المصابة بـ85 إعاقة، فينسى أنه رجل مسن لا معيل له. ينسى أنه مريض في القلب ولا حول له ولا قوة. وذات يوم، اضطر ميسم أن يتنشق الأوكسيجين من قارورة ابنته الطبية، فنُجي من الموت.
وعلى الرغم من نجاته الأخيرة، إلا أنه معرّض لذبحة قلبية بين اليوم والآخر. كأم حسن، يحتاج المسن إلى أدوية عدة، تكلفه شهرياً ما يقارب الثمانمئة ألف ليرة لبنانية. هو مدين بمبالغ كثيرة، لصاحب الصيدلية، ولناس كثر. همّ ابنته يستولي على حياته. فيتنقل بين أدويتها، وحاجياته الحياتية. له ثلاثة أولاد غير ابنته المريضة.
لا تشبه غرفة المسن، مخدع ابنته: قارورة أوكسجين صغيرة الحجم، يجاورها جهاز الكتروني باهظ الثمن، وبينهما كمّ من الحقن. غرفة عمليات. يقول ميسم إن ابنته بلاء من الله، ثم يستدرك قائلاً: «إنها رحمة».
تتبعثر أوراق المستشفيات على المنضدة التي يجلس خلفها ميسم. يقول إن وزارة الصحة لم تساعده، تماماً كوزارة الشؤون الاجتماعية التي تشفق عليهما، كل خمسة أشهر، بحفاضات لابنته. أم حسن لا تعرف الطريق إلى الوزارتين. هي لا تجد أحداً يقلها إلى هناك ربما.
كاقتصاده في أدويته، يتقشف ميسم في أدوية ابنته إلى حد ما، فيعمد إلى ابتياع ضمادات طبية غير معقمة، وحقن عادية، بينما يوفّر بعض القفازات، الهواء الذي تتنشقه الطفلة مكلف، وأدوية المسن الذي لا رعيل له مكلفة أيضاً.
لا يريد الرجل مالاً. هو لا يبتغيه من أحد. يطمح إلى تأمين أدويته، وأدوية ابنته الصغيرة. ميسم ممنوع من العمل، نظراً لحالته الطبية. يقول الرجل إن حالته ليست فريدة من نوعها. يرمق الفتاة بنظرة خاطفة، ويردف: «نحن لسنا في أوروبا. هذه بلدنا. وهذا هو حالنا، الذي كمثله أي حال». يقبّل طفلته. يخبرها انه يحبها. هي لا تسمع. تبتسم.

Script executed in 0.16804695129395