أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أين يذهب الخارجون من «المستقبل» والمعارضون له؟

الأربعاء 16 حزيران , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,151 زائر

أين يذهب الخارجون من «المستقبل» والمعارضون له؟
هل تسلّل المرض إلى جسد «المستقبل»؟
السؤال الافتراضي قد يكون فيه شيء من المبالغة، لكن الاستمرار في إغفال وقائع تؤشر إلى أن بنية هذا «التيار» قد أصابها الخمول والتعب وفقدان المناعة التي تسمح بتلقيها أي «فيروس» من دون مقاومة، بات أيضاً فيه الكثير من المبالغة.
عندما انتهت الانتخابات البلدية إلى ما انتهت إليه من خسائر في البقاع الغربي وبيروت، لم يعترف قادة «التيار» بوجود مشكلة. ردّوا ضعف الاقتراع في بيروت إلى غياب المنافسة، برغم أنهم كانوا هم من رفعوا التحدّي بأن هذه الانتخابات ستكون استفتاء من حيث نسبة الاقتراع، أما خسائر البقاع الغربي فوضعوها في إطار حسابات عائلية لا ترتبط بالسياسة.
انتقلت الانتخابات البلدية إلى محطتها الأخيرة في الشمال، فكانت النتائج فاقعة في طرابلس من حيث تدني نسبة الاقتراع. إلا أنها جاءت مدوية في الضنية، حيث كانت الخسائر بالجملة، خصوصاً في البلدات التي خاض «المستقبل» معاركها تحت العناوين السياسية، وكذلك الأمر في عكار حيث خسر معظم نواب المستقبل معاركهم في بلداتهم.. وحدها منطقة المنية وبلداتها حفظت بعض «ماء الوجه» للتيار الذي احتضنته نصف عقد من الزمن.
تكراراً، لم يعترف مسؤولو «المستقبل» بالهزائم. وباستثناء النائب أحمد فتفت الذي أقر بخسارته، فإن النقاش مع هؤلاء المسؤولين لم يفضِ إلى انتزاع اعتراف بأن تيارهم يعيش حالة أزمة.
جاءت محطة الانتخابات النيابية الفرعية في الضنية ـ المنية، فاختار سعد الحريري مرشّحه فيها من موقع الواثق بقوته في هذا القضاء الذي التزم منذ العام 2005 بخيارات الرئيس الحريري السياسية والنيابية. إلا أنه لم يدرك أن الواقع الذي فرض عليه في العام 2009 تغيير خياره بمرشح المنية في اللحظة الأخيرة قبل الإعلان عنه، ما زال يتفاعل. لكن الرئيس الحريري عاند هذه المرة، ورفض تعديل موقفه، اعتقاداً منه أن التزام الناس بموقفه ما زال بالزخم ذاته الذي هيأ له انتصارات ساحقة في المحطتين الانتخابيتين السابقتين.
وربما من حظ تيار المستقبل أن خصومه لم يكونوا مقتنعين أيضاً بأن المزاج العام بدأ يتفكّك من حول هذا التيار، فما تحمّسوا للمعركة ولا «شمّروا» عن سواعدهم فيها، وإلاّ لكانت النتائج ربما أفدح بكثير.
تصرّف «المستقبل» على أنه صاحب الكلمة الفصل في هذه المنطقة، فلم يأبه لافتعال خصومة مع حليفيه الوزير محمد الصفدي والنائب قاسم عبد العزيز، بل ونال الرئيس نجيب ميقاتي نصيبه من تلك الخصومة، وإن بدرجة أقل.
انتهت الانتخابات الفرعية الى نتيجة صاعقة.. وضع النائب أحمد فتفت استقالته في عهدة الحريري.. فدخل «تيار المستقبل» نفقاً صعباً لن يخرج منه إلا منهك القوى وقد ناله مزيد من الكدمات المؤلمة.
لكن الأهم في كل ذلك أن منطقة الشمال، التي تضمّ وحدها ما يقارب نصف سنّة لبنان، فُتحت على واقع جديد ومتغيّرات ستتمدد حكماً إلى بقية الشارع السني في لبنان، خصوصاً أن مؤشرات بيروت والبقاع الغربي كانت غير بعيدة عن هذه المتغيرات أيضاً.
في الماضي القريب كانت الهواجس كبيرة من أن تملأ الحالة الأصولية فراغ «المستقبل»، لكن هذه الهواجس تبدّدت مع الوقت عندما تبيّن أن غالبية تلك الحالة «مضبوطة» الإيقاع والقرار، وأن التهويل بها ليس إلا من باب تأمين درع حماية حول تيار المستقبل باعتباره حالة شعبية معتدلة تقطع الطريق على نمو الأصوليات، برغم وجود اتهامات كثيرة لبعض قيادات «المستقبل» بأنها كانت وراء نشوء كثير من تلك الحالات في سياق المواجهة التي كان التيار يخوضها خلال مرحلة الانقسام المذهبي.
وإذا كان بديهياً أن الحالة الاعتراضية في الشارع السني على تيار المستقبل لن تستطيع غالبيتها الاستدارة 180 درجة وأن تنفّذ انقلاباً على ذاتها، فإن النقاش المتزايد ما زال يبحث عن العباءة التي يمكن أن تحضن تلك الحالة قبل أن تهدأ «ثورتها» الاعتراضية فتنكفئ أو ينجح «المستقبل» في استعادتها، طالما أنها لم تعثر على بدائل سياسية تُظلّل حركتها.
والواقع أن النقاش هنا لا يتوقف عند الجمهور الخارج من دائرة تأثير «المستقبل»، وإنما أيضاً ينسحب إلى ذلك الجمهور السني المعارض الذي لم يغادر موقعه السياسي في أحلك الظروف، حيث بات أيضاً يشعر أنه خسر رمزيته التي كان يعبّر عنها الرئيس عمر كرامي الذي أقام جسوراً عدة مع الرئيس الحريري لا ترضي ذلك الجمهور الذي كان دائماً على خصومة مع «الضفة الأخرى» التي لطالما سعت إلى «اجتياح» جهتهم من الشارع السني.
أين يذهب الجمهور الخارج من تحت «السماء الزرقاء»؟ وأين يذهب الجمهور المنتظم بإصرار تحت خيمة «المعارضة السنية»؟
النقاش يحتدم أكثر، والعتاب الشديد يستهدف الرئيس نجيب ميقاتي...
في رأي العاتبين والمحبين، أن ميقاتي بات يشكّل اليوم خياراً جديداً في الشارع السني، وهو قادر على استيعاب «الجمهورَين».. لكن العاتبين يأخذون عليه أنه لم يبادر بعد إلى أي حراك يعطي الأمان بأنه قرر خوض هذه التجربة، وأنه عزم على رسم دائرته الشعبية والسياسية التي تهيئ له شراكة كبيرة مع «المستقبل» في الشارع السني.
ثمة رأي آخر يجد أن دفع ميقاتي والصفدي إلى الاقتراب من بعضهما، سيمنحهما قوة المواجهة مع «المستقبل»، هكذا يعتقد الدكتور خلدون الشريف الذي غادر كرسيّه القريب من الرئيس عمر كرامي ساعياً إلى موطئ في تقارب ميقاتي ـ الصفدي.
لم تعد الخيارات كثيرة في ظل «تقاسيم» الواقع الذي أفرزته الوقائع في الشارع السني بعد الانتخابات البلدية والتي تعزف «جواباً» على وترين قبل «القرار»: إما أن ينجح تيار المستقبل في استجماع قواه لإعادة تأكيد قوته الراجحة في الشارع السني، وإما أن تسبقه خطوات المنافسين تحت مظلّة ميقاتي الذي يقيس بدقة معطيات المرحلة المقبلة قبل الخطوة الأولى التي لا يكون بعدها أي تراجع خاصة أن هناك من يطنّ في أذنه بأنه آن أوان الحسم وعدم التردّد...
خضر طالب

Script executed in 0.19099593162537