أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لبنان يهمل إدارة الملف سياسياً ويحكم قبضته أمنياً: لا حقوق مدنية للفلسطينيين على أرض الجمهورية

الأربعاء 16 حزيران , 2010 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,198 زائر

لبنان يهمل إدارة الملف سياسياً ويحكم قبضته أمنياً: لا حقوق مدنية للفلسطينيين على أرض الجمهورية
وإذا كان لبنان قد حسم أمره عبر القوانين بأنه ليس «بلد لجوء» بل «بلد عبور» بالنسبة لمختلف الجنسيات، فهو غيّب توقيعه عن أي معاهدة أو اتفاق أو قانون ينظّم وجود الفلسطينيين على أرضه سياسياً ويرعى حقوقهم وواجباتهم. فمنذ لجوئهم إليه، يتم التعامل معهم كأرقام أمنية، على الرغم من أنه ومنذ العام 1969، وقّع قائد الجيش اللبناني السابق العماد إميل البستاني، باسم الدولة اللبنانية، على اتفاق القاهرة الشهير الذي سمح بتنفيذ العمليات الفدائية والكفاح المسلّح من أراضيه، إلا أنه أوصى أيضا بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المدنية كحق العمل والإقامة والتنقل...
نفّذ الكفاح والعمليات الفدائية وما نتج عنها، لكنّ الحقوق بقيت أسيرة سرّية الاتفاق الذي ألغي في العام 1987 وكأنه لم يكن. هكذا، لا قبل الاتفاق ولا خلاله، أو بعده، استطاع الفلسطينيون في لبنان انتزاع ولو حقّ واحد يضمن لهم عيشاً كريماً، ولا «فكّر» لبنان أن يضع أطاراً تنظيمياً لحوالي 400 ألف فلسطيني يتوزعون على اثني عشر مخيماً وأربعة عشر تجمّعاً فوق أراضيه.
فقط في العام 2005، أنشئت «لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني» التي تحولت سريعا إلى مرجع ظل مفتقدا لسنوات طوال، ومن بينها سنوات حروب المخيمات، يربط بين الدولة اللبنانية وبين كل الجوانب المدنية المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين. ففي حين كان إدخال «اسمنت» إلى أي مخيم ممنوعا في وقت من الأوقات بحجة غياب من يسمح أو يمنع، صارت اللجنة نقطة ربط بين الدولة من جهة، وبين كل من اللاجئين ووكالة الأونروا والمنظمات الأهلية الفلسطينية العاملة في المخيمات.
وفي الأشهر القليلة الماضية، شهدت الساحة الفلسطينية في لبنان حراكا شمل الهيئات المدنية والأحزاب، فنظّمت المؤتمرات وأُعدّت القوانين الخاصة بحقوق المدنيين لاسيما حقّ العمل. قابل ذلك حراك سياسي رسمي قضى بتكليف وزير الدولة وائل أبو فاعور «بالملف الفلسطيني»، ثم ما لبث أن تمّ التراجع عن القرار قبل أن يلقي الأخير النظرة الأولى على الملف. لكنّ التبديل انسحب على لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني فاستقال السفير خليل مكاوي الذي تولى رئاستها منذ إنشائها لتحلّ مكانه المحامية مايا المجذوب.
ومع مغادرة مكاوي، وعدم تسلم أبو فاعور للمهام التي لم تتضح طبيعتها أصلا، عاد الملّف معلقا، وعاد كل شيء إلى نقطة الصفر بالنسبة للاجئين.
والذين استبشروا خيراً بتكليف أبو فاعور ما لبثوا أن فقدوا الأمل مع استقالة مكاوي، التي حوّلت اللجنة من لجنة تقنية ذات وجه سياسي إلى تقنية بحتة، من دون أن يؤخذ على المجذوب أي مأخذ شخصي، باستثناء قربها من «تيار المستقبل».
ثم كانت فترة «جمود»، ظنّها البعض مرحلة لإعادة الأمور إلى نصابها والتفكير جدياً بإعادة النظر في الملف، غير أن الولوج في الكواليس لا يكشف إلا حقيقتين ثابتتين. الأولى جاءت على لسان المفوض العام السابقة لـ«الأونروا» كارن أبو زيد عندما قالت أن لبنان يمارس «سياسة عزل للفلسطينيين» منذ التسعينات سواء، عبر تضييق وجودهم خارج المخيمات أو من خلال حرمانهم من حقوقهم المدنية والاقتصادية.
والثانية تظهر أن لا نية لتغيير الوضع القائم، بحجة أن «أي خطوة ايجابية تجاه الفلسطينيين قد تجعل «الأونروا»، وبالتالي المجتمع الدولي، يتملّص من مسؤولياته تجاه اللاجئين. من هنا نبقى على موقفنا من موضوع الحقوق المدنية» وذلك على حد قول أحد الوزراء المعنيين بالملف الشهر الماضي.
وبين الرؤية الدولية و«الإستراتيجية» اللبنانية، لا تزن الحكومات اللبنانية أي مطالب فلسطينية إلا بميزان التوطين حينا، أو «البؤر الأمنية» داخل المخيمات أحيانا، أو في مرات أخرى، من خلال «السلاح خارج المخيمات» الذي نادى المجتمعون حول طاولة الحوار بنزعه في العام 2006، من دون أن يصار إلى ذلك.
عند التوجّه بالسؤال حول خطة الدولة إلى معنيين (المعلنين أو السريين) بالملف سواء من الجانب اللبناني أو الفلسطيني، من نواب أو وزراء أو مقربين من لجنة الحوار أو ناشطين أو متابعين... لا يمكن الحصول على أي جواب يمكن أن يقدّم ولو فكرة وجيزة عمّا يمكن أن تؤول إليه الأمور.
يؤكد أحد الوزراء المعنيين أن «الملف متروك للتجاذبات» مشيرا إلى أنه لم يطرح ولو مرة واحدة، لا عرضاً ولا في العمق، على جدول أعمال مجلس الوزراء، حتى بعد تسمية أبو فاعور لتولي الملف.
وجاءت تسمية أبو فاعور بناء على اقتراح لرئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط وتمنيه بالإمساك بالملف الفلسطيني، معوّلاً على سعد الحريري، رئيس الحكومة الجديدة التي لم تكن قد تشكلت بعد.
وخلال اجتماع بين الحريري والمدير العام «للأونروا» في لبنان سلفاتور لومباردو بحضور مكاوي، تمت الموافقة على اقتراح جنبلاط. بارك رئيس الجمهورية التسمية. لكن مكاوي الذي فوجئ بالقرار «كونه لم يكن مبلغاً قبل الاجتماع» بحسب مصدر متابع، قدّم استقالته. وكان مكّاوي يأمل قبل تعيين أبو فاعور باحتمال تحويل لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني إلى لجنة للاجئين، بحسب مصدر متابع.
قُبلت استقالة مكاوي من دون أن يكلف بالملف وزير يتابعه «لأن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة أبلغ أبو فاعور، مباشرة، بأن إدارة الملف الفلسطيني لن تكون إلا بيد الطائفة السنية» بحسب ما بات معروفا في الأوساط المتابعة للقضية.
في غضون ذلك، هدأت، نوعاً ما، المطالب السياسية والمدنية الفلسطينية وتلاشت المؤتمرات واللقاءات واقتصر «الحراك» على بيانات وخطابات متفرقة.
يقول أبو فاعور، الذي يتبنى الرأي القائل بالمطالبة بكل حق على حدة، أنه تمنى على الجهات المطالبة بالتريث بالضغط من دون التوقف عن المطالبة، لأن على الأجندة اللبنانية حقوقاً ومسائل جدلية عديدة، كمنح الجنسية لزوج وأولاد الأم اللبنانية وقانون الانتخاب وإلغاء الطائفية السياسية... التي لا بدّ وان تتقدم على المطلب الفلسطيني.
وفيما خفتت نسبة المؤتمرات المطالبة بالحقوق المدنية للفلسطينيين، بدأت جهات سياسية فلسطينية تطالب بلجنة غير لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني، تتشكل من خمسة لبنانيين وخمسة فلسطينيين، بحسب ما قالت السفيرة النروجية في لبنان إلى أحد الوزراء، على أساس أنهم يسعون إلى مرجعية سياسية في البلد، يلجأون إليها ويتواصلون معها.
ويقول مصدر فلسطيني أن ذلك جاء على اثر شعور الفلسطينيين بأن لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني لم تعد تهتم إلا بالأمور التقنية وقد سقطت عنها الصبغة السياسية التي أضفاها عليها مكاوي، بحسب مصدر فلسطيني.
وينقل المصدر، كما الوزير اللبناني، استياء «الأونروا» من طريقة إدارة اللبنانيين للملف، لافتين إلى تخوّف سوري من وضع المخيمات في لبنان، مؤكدين أن الرئيس السوري بشار الأسد أبلغ الرئيسين سليمان والحريري أن حلّ مشكلة السلاح خارج المخيمات هي قضية لبنانية فلسطينية ولا علاقة لسوريا بها..
فعلياً، لا يضغط أي من الأحزاب السياسية اللبنانية باتجاه معالجة ملف الفلسطينيين في لبنان من منظار سياسي، وبالتالي لا حاجة لدى أي منها لتعيين مرجعية سياسية للملف.
وأكثر من ذلك. هناك من يشير إلى ما هو أبعد من اللامبالاة أو عدم الاهتمام، إذ تجمع مصادر لبنانية وفلسطينية على أن الطرفين المسلمين السني (تيار المستقبل) والشيعي (حزب الله) ـ ومراعاة كل لحليفه المسيحي «المتخوف» من ذريعة التوطين الأزلية - غير متحمسين لطرح المسألة على طريق حل سريع .
وإذا طرح سؤال مفاده: لماذا كفت يدا أبو فاعور عن الملف؟ يأتي الجواب ببديهية مطلقة من قبل كل المعنيين «لأنه ملف سني»(!). ولماذا هو ملف سني؟ وما تبعات ذلك؟ لا أحد يملك الجواب.
كيف سيتخذ قرار بمعالجة ملف الحقوق أو ملف نزع السلاح، طالما أن الثاني يطرح كشرط لتحقيق تقدم في الأول؟ أيضاً لا جواب لدى أي من الأطراف اللبنانية والفلسطينية.
لا إجابات على أي من الأسئلة، فقط تهويل من أن الوضع الحالي يؤسس لحالات من الأصولية، «كلهم مشروع قاعدة» يقولون، مشيرين إلى «أن حركة «حماس» غير قوية في المخيمات ومنظمة «فتح» مفتتة من الداخل». تهويل من مشكلة لم يدرس أحد فعليا حجمها، لكنها تنفع في «حالات الطوارئ» للاستخدام كفزاعة حين اللزوم.
يؤكد مصدر فلسطيني في لبنان أن لجنة الحوار فهمت أن الفلسطينيين لن يتخلوا عن هويتهم، وعملت على ذلك الأساس «لكن الدولة اللبنانية لا تريد أن تقبل ذلك. عادت الأمور إلى الصفر مع استقالة مكاوي والإطاحة بأبو فاعور بعد تسميته بوزير التوطين من قبل المسيحيين وتقزيم دوره إلى «قصّ الشرطان» من قبل السنة. والآن نشعر أن شؤوننا في لبنان تدار كما تدار فلسطين أي من قبل المنظمات غير حكومية والمخابرات».
لا ينفي مصدر لبناني معني مباشرة بالشأن الفلسطيني المقولة الأخيرة، «لأن الملف اليوم لا يمكن أن يدار إلا أمنيا وعبر الجيشً. فالسياسيون اللبنانيون لا يعرفون كيف يديرون الملف لأنه محكوم بهاجس التوطين وبسبب وجود أسئلة مصيرية كبرى عالقة، خصوصاً وأن المجتمع الدولي لا يخطو خطوة واحدة باتجاه أي حلّ للقضية الفلسطينية».
يشدد المصدر على ضرورة إبقاء المسؤولية ملقاة على عاتق المجتمع الدولي معتبراً أن الدولة تتعامل مع المخيمات كقنابل موقوتة، لاسيما مخيم عين الحلوة «فالمخيمات تحولت مع الوقت إلى بؤر للإرهاب المحلي والدولي بدءاً من «جند الشام» وصولاً إلى «القاعدة». ونحن نتحدث عن المئات».
أما خارج المخيمات، فيرى المصدر أن المقايضة لم تنضج بعد بين إعطاء الحقوق وبين انتزاع السلاح. وهو يرى أن الجيش، الذي يوصف بـ«الصليبي» لدى بعض الأطراف، حوّل بعض الفلسطينيين من مطلوبين إلى متعاونين، معتبراً أن اللوم لا يجب أن يلقى على عاتق الدولة اللبنانية فقط بل على الانقسام الداخلي الفلسطيني - الفلسطيني وعدم توحد مرجعيتهم فـ«لبنان لا يعرف مع من يتعامل. في سوريا يتعاملون مع حماس وفي الأردن مع فتح أما في لبنان فقد تختار كل جهة سياسية التعامل مع جهة فلسطينية مناسبة لها دون أخرى». ويفصح من جهة أخرى أن لبنان يبحث عن مرجعية واحدة للتعاطي معها في الملف «لكنه حتماً لم يتخذ أي قرار بشأن إعطاء الفلسطينيين حقوقهم، ليبقى همّه الأبرز هو السلاح».
في الحصيلة، يبدو أن لا أمل بالنسبة للفلسطينيين في لبنان إلا «خبر» يسري في ما بينهم يشير، من دون أن يكون مؤكداً، إلى أنه «خلال انعقاد طاولة الحوار الأخيرة تمت مناقشة ما آلت إليه الأمور في المخيمات وخارجها وسط مطالبة بإدارة سياسية للملف، فاعتبر الحريري تلك المطالبة بمثابة هجوم عليه فوعد برفع مستوى إدارتها».
لكن من غير المعلوم إن كانت مقررات طاولة الحوار «جدية» أو «إلزامية» بالنسبة للسياسيين. ففي العام 2006 تقرّر إلغاء السلاح من خارج المخيمات وعلى أثر القرار زار الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد جبريل سعد الحريري وتكفّل بنزع السلاح مقابل نيل الفلسطينيين للحقوق المدنية. انتهى يومها التفاوض على هذا الاقتراح، لكن جبريل مازال بانتظار الجواب اللبناني.
ومعه، في الانتظار، يبقى الفلسطينيون في لبنان رقماً أمنياً وتبقى أي تعيينات لبنانية لإدارة الملف، محكومة بتجاذبات سياسية داخلية صرفة، بغض النظر عن النتائج على مصير أربعمئة ألف شخص يعيشون فوق أراضي الجمهورية.

Script executed in 0.18143081665039