أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

طاولة الحوار: مكاري المقاوم

الجمعة 18 حزيران , 2010 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,746 زائر

طاولة الحوار: مكاري المقاوم

برغم غياب رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، يمكن الحوار الوطني بشأن الاستراتيجية الدفاعية أن يكون مسلياً. كيف لا والمنظّر الرئيسي بشأن حماية لبنان من إسرائيل هذه المرة، ليس إلا نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري. مكاري الذي كان عليه تقديم رؤيته للموضوع بجديّة هذه المرة، سبق في مقابلة نشرتها مجلة الصياد في 5 شباط ٢٠١٠ أن تخوّف من حصول حرب لبنانية ـــــ إسرائيلية جديدة «نظراً للثمن الذي سيدفعه لبنان في حرب كهذه». ورأى مكاري أنه «بمعزل عن هوية من سينتصر عسكرياً، لن يكون الاقتصاد اللبناني قادراً على الصمود». وأشار مكاري يومها إلى عدم تفاؤله بالوصول إلى حل، برغم نيته القيام بواجبه كاملاً في متابعة الحوار في هذا السلاح (في الحوار نفسه قال مكاري إن كل الطوائف في لبنان خائفة، إلا الطائفة الشيعية نتيجة وضعها العسكري والعددي). وبعيداً عن الكلام الرسمي الذي قاله أبو نبيل في حوار مع صحيفة السياسة الكويتية بتاريخ 10 كانون الثاني 2008، أصدر مكاري أمر اليوم واضحاً: «يفترض حصر السلاح بالجيش والقوى المسلحة الرسمية، يفترض أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، يفترض أن يكون التنصّت وكل عمل ذي طبيعة أمنية محصوراً بأجهزة الدولة الأمنية دون غيرها» (شدّد يومها على ضرورة الاستمرار في «تنظيف» الأجهزة الأمنية من بقايا زمن الوصاية للجم الفلتان الأمني عموماً).
قبل الجلوس حول الطاولة لبدء الحوار المفترض أمس، لاحظ بعض الحاضرين فتوراً في تعامل الرئيس سعد الحريري مع مكاري الذي استقبله قبل أيام في منزله في الكورة. وأرجع البعض سبب ذلك إلى خسارة مكاري لاتحاد بلديات الكورة، مخيّباً ظنّ رئيس تياره السياسي. في المقابل، تبادل الحريري ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية القبلات، وبدا لمعظم الحاضرين أن العلاقة بين الرجلين، خلافاً لما يشاع، ماضية في تطور إيجابي. وكان فرنجية، المحاط دائماً بالنائبين طلال أرسلان وأسعد حردان، محور اهتمام بعض المشاركين في الحوار الذين أتوا يستفسرون عن تطوّر المواجهة الكلامية بينه وبين جعجع، الذي يواظب «البيك» على وصفه بالمجرم. بدوره، كان رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون محور اهتمام بعض المشاركين الذين اقتربوا من «الجنرال» ليسلموا عليه مهنئين بسلامة الـ«أو تي في». وكان هذا الأمر مدخلاً لنقاش استمر ودياً بضع دقائق بين عون والرئيس نبيه بري، لم يعلم المقربون من الرجلين بما دار خلالها.
الرئيس ميشال سليمان ذكّر الحاضرين بداية بالتطورات العامة محلياً وإقليمياً ودولياً، قبل أن يعطي الكلام للرئيس بري الذي دعا المناقشين المفترضين بالاستراتيجية الدفاعية إلى التفكير بكيفية حماية النفط أيضاً، ما دفع أحد الوزراء الحاضرين إلى الهمس في أذن جاره: «يبدو أن قضية مزارع شبعا في طريقها إلى الحل لأن الرئيس يغني موالاً جديداً».
بعد برّي، طلب الحريري الكلام ليقدّم هدية للمجتمعين تتمثل بإبلاغهم رسمياً أن وفداً عسكرياً لبنانياً سيزور الأمم المتحدة ليعرض تفاصيل الخروق الإسرائيلية قبل رفع الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز تقريره عن القرار 1701 نهاية الشهر. وشرح الحريري لبري أن حماية النفط اللبناني تتطلب تعاون عدّة وزارات، قبل أن يختتم مثنياً على قراءة الرئيس سليمان للأوضاع العامة، ومعرباً عن أمله إتمام التعيينات قريباً. ومن رئيس إلى آخر، يصل الدور إلى الرئيس أمين الجميّل الجالس إلى يمين الرئيس بري. «العنيد» الذي يعاند قلبه المرض هذه الأيام، استفاد من مداخلته ليلوّح بالعصا الدولية للنظام السوري، فرأى أن التفاهم الثنائي بين الدولتين اللبنانية والسورية بشأن تصحيح الاتفاقيات هو الوسيلة الفُضلى، لكن إذا تعذر ذلك فهو يقترح «رفع الأمر إلى لجنة التحكيم الدولية في لاهاي». ومع ارتسام الوجوم على بعض الوجوه، سارع الرئيس الجميّل إلى إضافة «إلا الله» على الـ«لا إله»، مؤكداً أن اقتراحه ذو طابع استشاري لا قضائي (علماً بأن وزير العدل إبراهيم نجار هو خبير تحكيم). وإذ تذكر الجميّل أن قضية الحوار الأساسية هي الاستراتيجية الدفاعية، اقترح رئيس الجمهورية الأسبق أن يصبح تصويت لبنان في الأمم المتحدة بشأن العقوبات على إيران نهجاً، فيحيّد البلد «أقله عسكرياً وسياسياً (لا مشكلة اقتصادياً واجتماعياً!)، في المرحلة الحالية الحافلة بالأخطار الإقليمية والدولية إلى أن تنتهي الدولة اللبنانية من وضع الاستراتيجية الدفاعية النهائية». وبدا أن الجميّل بات يحمل دائماً في حقيبته أرشيف مواقف السياسيين اللبنانيين، فلم يكد أبو تيمور يحتجّ على مبدأ الحياد، داعياً إلى المقاومة لتحرير مزارع شبعا، حتى ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه الجميّل، ومدّ يده إلى الحقيبة ـــــ الأرشيف ليخرج منها حديثاً أدلى به رئيس اللقاء الديموقراطي إلى جريدة «النهار» في 23 شباط 2007 ويدعو فيه حرفياً إلى «تحييد لبنان في الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي». وقبل أن تتطوّر الأمور أكثر، تدخل رئيس الجمهورية ليشير إلى مرور الوقت، وضرورة الاستفادة جدياً من الاجتماع عبر الاستماع إلى الرؤية المقاومة التي يحملها النائب فريد مكاري، وهكذا كان.
سيطر نائب رئيس المجلس على يده التي كانت ترتجف قليلاً في قبضها على الأوراق الخمس عشرة، وبدأ القراءة. لكن لم يكد مكاري يدعو إلى «الطلب من الجيش اللبناني تقديم رؤية واضحة وبرنامج محدد يتعلق بتمكينه من تكوين قوة ردعية صاروخية بالتزامن مع تحديد برمجة زمنية لوضع القدرة العسكرية والصاروخية لحزب الله في تصرف الجيش اللبناني»، حتى بدأت ملامح الحيرة تغطي وجه الأرثوذكسي الثاني على الطاولة ـــــ وزير الدفاع الياس المر الذي استفاد من أول فرصة ليوضح لجاره في منطقة الرابية أن الجيش سبق أن أوضح موقفه، وشرح أنه لا يقدم إلا ما تطلبه السلطة السياسية مجتمعة منه. وتبيّن للمجتمعين أن صديقهم المبتهج غالباً لا يتقن كثيراً قراءة اللغة العربية، فخريج الهندسة المعمارية من جامعة تكساس أوستن في الولايات المتحدة سار أمس على طريق الحريري في تلاوة البيان الوزاري لحكومته الأولى، وواجهته أكثر من صعوبة في ترداد ما كتبه. وبحسب مكاري، فإن أهمية طاولة الحوار تكمن في «منع اهتزاز الأمن الوطني بسبب الاختلاف بشأن الاستراتيجية الدفاعية، وإبقاء الاختلافات بعيدة عن أي تشنج أو أي انزلاق إلى مواجهة». وعلى طريقة رجال الأعمال، استعار مكاري ثلاثة مبادئ تتردد في النقاش الحاصل اليوم بشأن الموازنة العامة ليطبقها على الاستراتيجية الدفاعية: أولها، شمولية المقاومة، بحيث لا تكون توجهاتها ملكاً لفريق من اللبنانيين، أو لحزب منهم، مهما كانت تضحياته، بل تتشارك في تحديدها كل مكوّنات الوطن، وبحيث يكون سلاحها عنصر موازنة مع العدو لا عامل إخلال بالتوازن الوطني. ثانيها، عدم إدخال الوطن في أَنفاق (بفتح الألف) من خارج «الموازنة السياسية» المتفق عليها بين كل اللبنانيين، ومن خارج مؤسسات الدولة، وعدم التسبب للبنان بدفع المزيد من الأثمان الباهظة نيابة عن هذا الطرف أو ذاك المحور. وثالثها، عدم إهدار أرواح اللبنانيين وممتلكاتهم واقتصادهم وإنجازاتهم في أي مغامرات غير محسوبة. مع العلم هنا بأن فريق مكاري السياسي يرفض في النقاش الاقتصادي المبدأ الثاني الذي يطالب مكاري باعتماده على صعيد المقاومة. ولا تسألوا عن البديل، فنائب رئيس المجلس ينتظر سؤالاً كهذا: 1ـــــ توفير قوة ردع صاروخية للجيش اللبناني. 2ـــــ إعلان حزب الله وإعلامه من يجب أن يعلم أن سلاحه وقوته الردعية هي حصراً وفقط للدفاع عن لبنان في حال الاعتداء عليه. الأمر الذي دفع برئيس كتلة الوفاء للقماومة النائب محمد رعد إلى الرد رافضاً التصريحات التي تتهم حزب الله بالتبعية لإيران وسوريا، قائلاً: «إذا كنتم تطالبون الحزب بعدم تخوين أي جهة فعليكم بالمقابل أن لا تخوّنوا أي جهة أخرى لأن قرار حزب الله هو قرار لبناني».

يبدو أن قضية مزارع شبعا في طريقها إلى الحل؛ لأن الرئيس يغنّي موالاً جديداً مرتبطاً بالنفط

 

الجميّل يقترح رفع الخلافات بشأن الاتفاقيات مع سوريا إلى لجنة التحكيم الدولية في لاهاي

حردان يسأل عن المساعدات الأميركية التي تهدف إلى الحدّ من انجذاب الشباب اللبناني إلى حزب الله

رؤية مكاري استدعت تصويباً من العماد عون أعاد فيه توضيح دور كل من الجيش وحزب الله وواجباتهما، قبل أن يُخرج الجنرال الحاضرين من الجو الذي أدخلهم مكاري فيه، داعياً إلى النظر صوب جرد قوسايا حيث «السلاح الفلسطيني يسرح ويمرح، واللبنانيون يمنعون من الاستثمار في أراضيهم بحجة حماية العمل الفدائي الفلسطيني»، الأمر الذي جعل الرئيس نجيب ميقاتي يعدّل مداخلته، فيعلق على كلام عون بدل التعليق على كلام مكاري، داعياً إلى تطبيق النصوص وحث لجنة الحوار اللبناني ـــــ الفلسطيني على التقدم بالعمل.
بدوره، فجّر حردان الاجتماع بسؤاله عن المساعدات الأميركية لقوى لبنانية غير حكومية «بهدف حدّ انجذاب الشباب اللبناني لحزب الله»، كما قال مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان خلال إحدى جلسات المساءلة في الكونغرس الأميركي. وبالسرعة المطلوبة، أثنى رعد وفرنجية على سؤال حردان. فردّ الحريري مؤكداً أنّ المساعدات الأميركية وصلت للجيش ولجمعيات أهلية ومؤسسات بهدف تنمية المجتمع اللبناني. لكن الرئيس بري فضل تصديق فيلتمان على الحريري، فقاطع رئيس الحكومة قائلاً: «ليس صحيحاً، كان فيلتمان واضحاً، وهذه الأموال لم تسلّم للدولة، لذا يجب معرفة من استفاد منها وأين صرفت وفي أي اتجاه، وخصوصاً أنها موجّهة سياسياً تجاه أحد الأحزاب اللبنانية». واختتم فرنجية النقاش في هذا الموضوع، قائلاً للرئيس برّي: «بركي بتبلّشوا وبتسألوا نايلة (معوّض) وين راحوا المصريات».
تدخل الرئيس ـــــ الحكم مجدّداً ليدعو إلى عدم الخروج عن الموضوع، مسلماً مصير المقاومة إلى رؤية الوزير ميشال فرعون هذه المرة، فانتقل الجميع من العربية بالإنكليزية إلى العربية بالفرنسية. فدعا فرعون إلى ترسيم الحدود أولاً لتشريع حق لبنان في تحرير مزارع شبعا (حق كرّسه البيان الوزاري للحكومة التي يشارك فيها فرعون، بالمناسبة). ورأى فرعون أن المقاومة واجب وتحصين الدولة واجب أيضاً، ويفترض الملاءمة بين الواجبين.
قبل أن يختم الرئيس سليمان الجلسة معتذراً عن عدم تقديم ملخص لكل النقاشات التي حصلت حتى اليوم بشأن الاستراتيجية الدفاعية، بسبب ضيق الوقت، طلب الوزير جان أوغاسبيان الكلام ليؤكد أن ما يحصل اليوم بين لبنان وسوريا يمتّن العلاقات المؤسساتية كثيراً بين الدولتين، ويتطابق مع تطلعات معظم اللبنانيين.
تبقى في النهاية ملاحظة أساسية: تعهد المجتمعون أمس عدم التسريب مجدداً، لكن يكفي التجوال على مواقع الأحزاب الإلكترونية ليتبيّن أن معظم الزعماء لم يستطيعوا حرمان أنصارهم الاطلاع على مواقفهم المشرفة على طاولة الحوار.

نظيف في بيروت

من جهة أخرى، وصل أمس إلى بيروت رئيس مجلس الوزراء المصري أحمد نظيف ليترأس إلى جانب الرئيس سعد الحريري أعمال الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة اللبنانية ـــــ المصرية. ووقّع الجانبان على ثماني عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم وبرنامجاً تنفيذياً، أهمها اتفاق إنشاء خطوط جوية منتظمة، ومذكرات تفاهم في مجالات المراكز التكنولوجية، وحماية البيئة، والتعاون السينمائي والدرامي وغيرها.

Script executed in 0.17545485496521