حسن شقراني - الاخبار
205 كيلومترات هي المسافة التي تفصل بيروت عن لارنكا، لكن يبدو أن التوافق بين المدينتين المتوسّطيّتين على شؤون تهمهما استراتيجياً هي أبعد بكثير. فأنقرة تشدّد على حق الجزء الخاص بها في الجزيرة (قبرص التركيّة) بكرسي على طاولة المفاوضات في شأن الموارد الثمينة في شرقي المتوسّط. وتشدّد على مصالحها الاستراتيجيّة والطاقوية في هذه المنطقة. وظهرت إشارات واضحة عن هذه النيات قبل ثلاثة أعوام حين وقّعت السلطات اللبنانيّة مع نظيرتها القبرصيّة اتفاق ترسيم الحدود البحريّة تمهيداً لبدء استغلال الثروات الطبيعيّة تحت قعر البحر.
ملفّ وتحفّظات
في المؤتمر الذي عقده في وزارة الطاقة والمياه أمس، قال جبران باسيل إنّه حُدِّدت إجراءات ترسيم الحدود البحريّة مع قبرص في مجلس الوزراء، واستكمال هذا الملفّ يقضي بإرسال المشروع إلى مجلس النوّاب للتصديق عليه، غير أنّ هذا الأمر لا يحدث منذ فترة بسبب رفض البعض بناءً على التحفّظات التركيّة.
وأوضح وزير الطاقة أنّه منذ فترة التقى وزير الخارجيّة القبرصي، ماركوس كيبريانو، وأصرّ عليه الأخير على ضرورة المباشرة في حلّ هذه المسألة بأسرع وقت ممكن لأنّ سلطات قبرص اليونانيّة تريد المباشرة بأعمال البحث والتنقيب عن النفط والغاز في المناطق المشتركة، ومن المفترض تحديد الحدود مع لبنان لكي تُحدَّد حصّة الأخير من الثروات المشتركة. وأعقب هذا اللقاء اجتماع مماثل مع السفير القبرصي في لبنان، بالمحتوى ذاته.
وطلب الأخير ضرورة مراجعة قضيّة الحدود نظراً لطابعها الطارئ. «فإذا لم نحدّد ما يجب تحديده في هذه المسألة فسينقل القبارصة اهتمامهم للتنقيب إلى منطقة أخرى ونكون قد خسرنا هذه الفرصة»، قال باسيل.
وسأل الوزير: ماذا ننتظر بعد، وخصوصاً أن الجهود المتعلّقة بهذا الملفّ الحسّاس في المنطقة بدأت تُبذل من جانب البلدان المعنيّة، فيما يقف لبنان متفرّجاً ومستغرباً. فوفقاً لما أوضحه باسيل «بدأت سوريا رسم الحدود وهي تحدّد معالم حواجزها البحرية».
يصلح سؤال باسيل جيداً لكي يوضع في خانة التساؤلات التي تبدو في بعض الأحيان عبثيّة في لبنان، وخصوصاً عندما يتعلّق الأمر بملفّات معقّدة إلى هذه الدرجة. والحقيقة أن ملف الحدود مع قبرص معقّد كثيراً للاعتبارات الاقتصاديّة وتلك المتعلّقة بالمصالح الوطنيّة وطبعاً المصالح التركيّة.
لا يجب أن يُسقط من البحث على هذا الصعيد حقيقة أنّ العلاقات التركيّة اللبنانيّة اكتسبت زخماً قوياً خلال الفترة الأخيرة بسبب قضيّة حصار غزّة وتعرّض القوّات الإسرائيليّة بهمجيّة لأسطول المساعدات، الذي كانت تقوده السفينة التركيّة، «مافي مرمرة»، والخسائر التي تكبّدتها بلاد أتاتورك والالتفاف الشعبي الذي حظيت به، وخصوصاً في مستعمرتها اللبنانيّة السابقة.
الحقيقة هي أنّ موقف أنقرة جدي للغاية في ما يتعلّق بمصالحها في المتوسّط وبطريقة التعاطي مع الجزء الخاص بها من الجزيرة القبرصيّة المقسومة رسمياً منذ عام 1983 حين أعلن القبارصة الأتراك جزءهم الخاص مستقلاً، واعترف بذلك بلدهم الأم فقط.
ففي شباط عام 2007، تحدّثت تقارير صحفيّة عن إرسال تركيا سفناً حربيّة إلى المياه الدوليّة التابعة لقبرص اليونانيّة إثر الإجراءات التي اتخذتها نيقوسيا في ما يتعلّق بالتنقيب عن النفط والغاز في تلك المياه.
فقبل شهر، وتحديداً في 17 كانون الثاني 2007، وقّعت السلطات القبرصيّة مع لبنان اتفاقاً لترسيم الحدود تحت البحر لتسهيل عمليّات التنقيب وتوزيع العائدات في المستقبل.
ونتيجة لهذا الاتفاق تصاعد التوتّر بين تركيا والجزيرة، وخصوصاً أنّ عام 2006 شهد توقيع اتفاق مماثل بين مصر وقبرص، فيما كان لبنان يعاني من عدوان تمّوز.
وحذّرت حينها السلطات التركيّة كلّاً من لبنان ومصر بعدم المضي قدماً بالاتفاق مع قبرص. وقالت إنّها «مصمّمة على حماية مصالحها وحقوقها في شرق المتوسّط ولن تسمح بأيّة محاولة من شأنها أن تقوّضها».
وشدّد رئيس الجزء التركي من الجزيرة حينها، محمّد علي طلعت، على أنّ قبرص التركيّة لن تتخلّى عن حقوقها في التنقيب عن الموارد الطبيعيّة. وقال: «بالطريقة نفسها التي لم نتخلّ فيها عن قبرص، لن نتخلّى عن حقوقنا بمواردها». أضاف: «لدينا حقوق متساوية على الجزيرة».
أمّا تشديد جبران باسيل أمس، فكان: «يجب أن نسارع ونرسم حدودنا».
هل تتحوّل دعوته إلى قضيّة؟ السؤال برسم السباق الذي بدأ بوجود صقور وحمائم في كلا الجانبين. ويكتسب هذا السباق أهميّة خاصّة بوجود صراع مفتوح على جبهة أخرى: صراع الموارد الطبيعيّة مع إسرائيل.