أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

رحيل «المعلم» يأتي بالنساء إلى قاعة «الزهراء»: السيد هو أول من أمّ بهن الصلاة في لبنان

الإثنين 05 تموز , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,356 زائر

رحيل «المعلم» يأتي بالنساء إلى قاعة «الزهراء»: السيد هو أول من أمّ بهن الصلاة في لبنان
فقد توافد النساء إلى قاعة السيدة فاطمة الزهراء في جامع الحسنين، من أجل تعزية بعضهن بعضا أولاً، ثم تعزية نساء العائلة اللواتي قدمن إلى القاعة بعد صلاة الظهر، وهن بناته وزوجات أبنائه، وأقاربه، فيما لم تتمكن زوجته من الإقامة في القاعة سوى لوقت قصير، لأنها كانت في حالة حزن وتعب شديدين.
في مرضه الأخير، وخلال وجوده في المستشفى، طلب السيد من ابنته إيمان أن تأخذه إلى جبشيت، بلدة زوجها، لكي يقيم لديها بضعة أيام. تقول إيمان وهي تغص بدموعها: «لم تسعني الفرحة، عندما أبدى رغبته بزيارتي، وكان قد زارني مرتين فقط في جبشيت منذ زواجي، لأن وضعه الأمني وانشغالاته لم تسمح له بالزيارات كثيرا».
لقد أراد في مرضه البقاء قرب أولاده، كما هي الطبيعة الإنسانية دائماً. «لكن أنى لي تلبية رغبته»، تضيف إيمان، «فقد كان وضعه الصحي لا يسمح له بالخروج من المستشفى». تصمت ثم تردد بصوت منخفض: «ماذا سأقول؟ لقد فقدت أبي ومعلمي وقلبي وروحي، لست قادرة على شرح معنى الفراغ الذي تركه رحيله، فأنا لم أستوعبه بعد».
كانت إيمان تأتي برفقة نساء العائلة إلى الجامع للاستماع مع النساء الأخريات إلى محاضرات السيد كل يوم ثلاثاء، فهن لم يكن يكتفين فقط بالتعرف إلى أفكاره، أو سؤاله عن أمر لا يعرفنه، في المنزل.
وتقول زوجة ابنه السيد علي فضل الله، نبيهة محيدلي، وهي مسؤولة «دار الحدائق» الخاصة بإصدار كتب ومجلات الأطفال، إنها من تلامذة السيد منذ صغرها. كانت تقصد جامع الإمام الرضا في بئر العبد، عندما كان يؤم صلاة الجماعة للنساء في المسجد، بعد صلاة الرجال. وتوضح نبيهة أن «السيد» هو أول من أقام صلاة جماعة للنساء في المسجد في لبنان، وقد استمرت صلاة الجماعة للنساء كما هو معروف، في جامع الحسنين، وفي التوقيت نفسه مع صلاة الرجال، كل في قاعة منفصلة.
ومن المعروف أن السيد كان، عند وقوع انفجار بئر العبد الذي استهدفه، يؤم واحدة من صلوات النساء تلك. وتروي أكثر من سيدة جرى لقاؤها في القاعة، أنه لدى انتهائه من الصلاة، ومن إلقاء المحاضرة، استوقفته سيدة تدعى زينب الشامي، قبل خروجه، لكي تسأله عن حلم رأته، وغادر النساء المسجد يومها بينما بقي هو يستمع إلى أسئلة زينب، ويجيبها بتمهل، حتى فرغ صبر حراسه، وأخذوا يستعجلونه، فأجابهم: «سوف أبقى حتى تنهي أسئلتها». فوقع الانفجار والسيد داخل المسجد، ما أدى إلى نجاته. وتوضح نبيهة أنها لم تذهب في ذلك اليوم إلى المسجد، لأنها كانت في حالة ولادة ابنها البكر.
وتقول لينا حيدر من جمعية «المبرات» إن النساء كن يعتبرنه مثل أبيهن، يسألنه عن كل ما يحتجن إلى توضيحه، حتى عن علاقاتهن الزوجية، وكان يدعوهن دائما إلى التوازن في العلاقة مع الزوج ومع الأولاد ومع العمل، فهو كان من الداعين لعمل المرأة.
وبقيت النساء يأتين إلى قاعة السيدة فاطمة الزهراء، للاستماع إلى محاضرة يوم الثلاثاء، كلما كان السيد قادرا على المجيء. ولم يعتمد الفصل بين النساء والرجال، بل كان يجلس الرجال في الطابق السفلي من القاعة، والنساء في الطابق العلوي. كما كان يرفض إقامة حاجز أمني بينه وبين الحضور داخل القاعة، بل يطلب دائما أن يكون في مواجهتهم مباشرة.
وقد تحولت تلك القاعة إلى مركز للنساء لتقبل العزاء، بينما تقبل الرجال العزاء في قاعة مسجد الحسنين.
وتقول مديرة مبرة السيدة خديجة علياء كريم إنها تعرفت إلى السيد فضل الله عندما كان يلقي محاضراته في الشياح أوائل الثمانينيات، ثم انتقلت مع انتقاله إلى مسجد الإمام الرضا في بئر العبد، وبعد ذلك إلى جامع الحسنين.
وتنقل عن عدد من الفتيات اليتيمات اللواتي يتعلمن في المبرة، أنهن يشعرن اليوم باليتم الحقيقي، فقد كان يعطي حيزا كبيرا من وقته للفتيات اليتامى، يستقبلهن بفرح، ويستمع إليهن، ويوجههن في حيواتهن المستقبلية، فيدعوهن إلى أن يكن قويات في مجتمعهن وغير تابعات. كان يقول لهن دائما عندما يلتقيهن: «أنتن أحبتي».
وتعلم «المبرات» الفتيات اليتيمات حتى انتهاء المرحلة الثانوية، بينما الصبيان الأيتام يتعلمون حتى إنهاء المرحلة المتوسطة.
وقد جاء إلى قاعة السيدة الزهراء عدد من أولئك الفتيات، الصغيرات في السن، وهن يبكين بدموع حارة.
وتوضح إحدى الفتيات رحيل دندش، وعمرها واحد وعشرون عاما، أنها أنهت المرحلة الثانوية في المبرة، وهي تدرس حاليا الإعلام في الجامعة اللبنانية، والعلوم السياسية في جامعة خاصة. وتقول إنها تعرفت إلى السيد فضل لله في منزله، عندما قررن أن يحتفلن بعيد ميلاده: «كنت في الحادية عشرة من عمري، وذهبت أنا وزميلاتي مع المعلمة إلى منزل السيد، ومعنا قالب كبير من الكاتو. عندما شاهدنا، فرح بنا كثيراً، وأخذ يضحك، وبعدما قطعنا قالب الكاتو، تناول منه قطعة صغيرة وأكلها، فسألت الطفلة معلمتها باستغراب: أنا أحب الكاتو كثيرا، فلماذا لم يتناول السيد منه سوى قطعة صغيرة؟ وقد أجابتني أنه لا يستطيع تناول الحلوى بكميات كبيرة».
ثم بدأ يحدثهن خلال تلك الزيارة عن دروسنا، وتنقل عنه رحيل: «أتمنى لكنّ أن تحصلن درجات نجاح كبرى، وأن تصبحن قادرات على دخول الجامعات».
وتروي رحيل أنها رأت السيد للمرة الأخيرة وجها لوجه، عندما زار مبرة السيدة خديجة منذ ما يقارب العام. وقد تمنــت كثــيرا أن تزوره في المستشفى، لكن وضــعه الصحي لم يسمح له بلقائهن من جديد.
زينب ياغي

Script executed in 0.19892501831055