أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

في قاعة الرجال في مسجد الحسنين: بكاء الفتيان لخسارة من «كان يفهمنا»

الإثنين 05 تموز , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,892 زائر

في قاعة الرجال في مسجد الحسنين: بكاء الفتيان لخسارة من «كان يفهمنا»
وإمام المسجد الذي ينتظره أبو محمد لن يأتي اليوم. يعرف الجد ذلك. ولهذا ربما، أطال السجود، بعدما أنهى الجمع الصلاة. حين رفع رأسه، كان أبو محمد يسأل إن كانت صلاته ستقبل مع كل هذا البكاء الذي منع كلماته من الخروج.
لم يكن أبو محمد وحده من يبكي في الصلاة التي أمّها السيد محمد علي فضل الله، شقيق العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله. حين رفع المؤذن صوته، امتلأت القاعة الخارجية للمسجد بالسكوت للحظات. كأن تكبيرة المؤذن كانت اللحظة التي صدّق فيها الجميع الخبر. ترك المعزّون مقاعدهم واتجهوا دفعة واحدة إلى القاعة التي اعتادوا الركون فيها إلى مرجعهم. صلّوا خلف شقيق الراحل وعيونهم ترنو إلى المنبر الفارغ.
قبل ذلك بساعتين تقريباً، وصل أبو محمد إلى مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، قادماً من الشارع الخلفي، من أمام مستشفى بهمن، حيث كان جسد العلاّمة الراحل «يستريح». سار مع المئات ممن ملأت وجوههم علامات الحزن والذهول. هؤلاء عرفوا بالخبر بطرق مختلفة. الشابان اللذان وصلا للتو كانا عائدين من منتصف الطريق إلى قريتهما الجنوبية. والعجوز التي ضمّت يديها إلى صدرها كانت تعدُ نفسها بلقاء قريب يجمعها بالمرجع بعد شفائه. والفتاة التي كانت تستند على كتف شقيقتها تعمل في إحدى المؤسسات الكثيرة التي يرعاها الراحل. والعشرات الذين توافدوا فرادى من طرقات فرعية، اجتمعوا في مسيرات صامتة، وصلت إلى الشارع الرئيسي أمام باب المسجد، ومعهم عشرات الإعلاميين اللبنانيين والعرب، بعدما ضاقت قاعاته بالمعزين.
هؤلاء اتخذوا من الأدراج القليلة أمام المحال المقفلة مقاعد لهم. التحية التي كان يتبادلها الواصلون في هذا اليوم بدت مختلفة. «خسارة» متكررة تخرج حزينة وخافتة كلما اجتمع اثنان. وشرح أسباب الخسارة يطول: «كان يفهمنا..»، يقول أحد الفتيان الذي ألصق صورة صغيرة للسيد على صدره. ويبادر الآخر ليشرح: «لم نشعر ببعده عنّا يوماً. كان يمكن لأي منّا أن يسأله عن أي موقف، فيبادر إلى نقاشه معنا كأننا أبناؤه». وللحديث تتمة يتولاها ثالث، فيشرح عن «اعتدال السيّد»، وعن «مواقفه الإنسانية التي جمعت بين المسلمين».
في الداخل، كانت مراسم العزاء قد انتظمت على عجل. راية سوداء كبيرة لفّت جدار القاعة الداخلية. وتحتها، جلس لفيف من رجال الدين والنواب والشخصيات الإسلامية، من لبنان وبعض الدول العربية، يحيطون بابني المرجع الراحل السيدين علي وجعفر، ويستقبلون المعزين.
وفي الخارج، شبان من جمعية «المبرات» الخيرية الإسلامية تولوا تنظيم وصول الناس عند مداخل المجمّع الثلاثة وفي الطرق المؤدية إلى المسجد. آخرون انصرفوا سريعاً لإصلاح مكيفات الهواء الذي سيملؤه نحيب الحاضرين بعد قليل، عندما سيتلو آية الله عبد الله الغريفي، أحد كبار علماء البحرين، بيان النعي، في قاعة صغيرة داخل المجمع:
«توقف نبض هذا القلب على خمسة وسبعين من الأعوام.. قضاها جهاداً واجتهاداً وتجديداً وانفتاحاً والتزاماً بقضايا الأمة، ومواجهة لكل قوى الاستكبار والطغيان.. رحل السيد في وهمّه الكبير هو الإسلام فكراً وحركة ومنهجاً والتزاماً في جميع مجالات الحياة على الدوام.. شكل مدرسة في الحوار مع الآخر على قاعدة أن الحقيقة بنت الحوار، فانفتح على الإنسان كلّه، وجسّد الحوار بحركته وسيرته وفكره، بعيداً عن الشعارات الخالية من أي مضمون واقعي».
وفي كلمة الغريفي أيضاً، استعادة لمحطات من حياة العلاّمة الراحل، الذي «استمدت المقاومة من فكره روح المواجهة والتصدي والممانعة وسارت في خطّ الانجازات والانتصارات الكبرى في لبنان وفلسطين وكل بلد فيه للجهاد موقع».
ومن فلسطين التي شكلت الهمّ الأكبر لحركته إلى «المرجعية التي رسمت خط الوعي في مواجهة التخلف، وحملت مسؤولية بناء المستقبل، وتصدت للغو والخرافة والتكفير..»، وصولا إلى الوقوف في مواجهة الفتن بين المسلمين والحرص على تطوير العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في لبنان والعالم، «انطلاقا من المفاهيم الأخلاقية والإنسانية التي تساهم في رفع مستوى الإنسان على الصعد كافة، وارتكازاً إلى قيمة العدل في مواجهة الظلم كلّه».
صدى كلمات النعي كان يتردد في الخارج طيلة فترة ما بعد الظهر. وسيرة المرجع الذي ترك خلفه آلاف المؤمنين كانت محط الحديث الذي لا يلبث أن يتجدد مع استمرار وصول المعزين من القرى التي كان أهل الضاحية يزرونها في هذا الأحد الحزين.
إبراهيم شرارة

Script executed in 0.18199300765991