غصّت شوارع الضاحية الرئيسية، ظهر أمس، بالحشود الغفيرة التي توافدت من كل حدب وصوب، للمشاركة بمسيرة الوداع الأخير للمرجع الديني الكبير السيد محمد حسين فضل الله. فشيع جثمانه عشرات الآلاف من محبيه الذين تقاطروا قبل موعد التشييع بساعات، متجمهرين أمام مسجد «الإمامين الحسنين»، لتنضم إليهم الوفود الرسمية التي تقدمها لفيف من العلماء وشخصيات سياسية بارزة وفد معظمها من الخارج، مع بدء آذان الظهر.
وبدا الوصول إلى منفذ يقود إلى باحة التجمع، عسيراً. فكان طريق المطار القديم مقفراً. غادرته السيارات، فناسها يشاركون في التشييع. كوكبة من السيارات والحافلات مركونة على جانبي الطريق، لتدلّ بوجهة ركونها إلى نقطة الانطلاق في رحلة الوداع الأخير: منزل العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله.
تتحول الشوارع الطويلة المؤدية إلى منزل المرجع فضل الله في حارة حريك، إلى منافذ قصيرة تتكاتف حولها حشود غفيرة، بثياب غلب عليها اللون الأسود، ووجوه مكفهرة، يسير أصحابها من دون كلل أو ملل، أو حتى تذمر. غياب السيارات من الشوارع، يكشف ضيق الطرقات. كأنها مكعبات عارية السقف.
مسجد «الإمامين الحسنين»، الذي كان أمس الأول مقراً للتعزية بالراحل، صار أمس مدخلاً للمسيرة، ليتحول عند الانتهاء من التشييع إلى مركز تجمع ونحيب. فضل الله سيدفن في المسجد الذي أحبّه... في ذاك المسجد الذي لم ينفك يزوره، على الرغم من تعليمات الأطباء الممانعة، في لحظات مرضه الأخيرة.
تنطق الوجوه المتجهمة، الحزينة، بدواخلها. صمت مضطرب يجثم على المكان. النساء المتشحات بالسواد، سيفترقن عن الرجال، من أمام المسجد، ليدخلن من جهة بئر العبد، فيما يكمل الرجال سيرهم باتجاه منزل فضل الله، قرب كنيسة «مار يوسف» في حارة حريك.
تضاعف الموسيقى الحزينة وجوم الحزانى. عندما يخفت صوتها، ترتخي عضلات الوجه.
يعود الوجوم، لتشتد معه عضلات الوجه الحزينة، الغاضبة، خاصة عندما ترفع مكبرات الصوت كلمات السيد فضل الله عن الدين، والحرب، والحياة، وأشياء أخرى.
تقترب الساعة من الواحدة والنصف ظهراً. تشق المسيرة طريقها. شبان، علقت على ياقاتهم شارة «الانضباط»، ينظمون حركة الوفود.
يتردد صوت السيد فضل الله من مكبرات الصوت. يعلو أكثر. تُرفع صوره إلى الأعلى، بأيادٍ حملت الصور كأنها تحضن صاحبها. «بأمان الله... يا حبيب الله»، يقول الرجل الذي قاد المسيرة، فيردد الناس، من كبار السن إلى صغارهم، تلك العبارة، بأصوات تئن، مشهرةً ألمها لفقدان «الأب الروحي»... معلنة حزنها على الرحيل. تقرع أجراس الكنيسة.
يصبغ مشهد المسيرة، التي دخلت في خطوتها الثانية إلى الشارع العريض، اللون الأسود. تبدو كأنها ثوب طويل، أسود اللون، مزركش بصور السيد فضل الله.
الرداء الطويل يصبح قصيراً: تنعطف المسيرة باتجاه مسجد «الإمام الرضا»، حيث كان منزل الراحل القديم. قيظ شديد، يحوم في الأفق.
جثمان السيد فضل الله بعيد. يتراءى تابوت خشبي، ملتحف برداء أسود، من خلف الجموع. شيئاً فشيئاً، يتضح أكثر. محبو «السيد» يتدافعون للمس النعش وتوديعه. تحدث جلبة غريبة. يهتز النعش جراء التدافع المهيب، فيتقرر نقله إلى المسجد بواسطة سيارة إسعاف، تتبعها سيارة تابعة لـ«الشرطة العسكرية». تبقى أكاليل الورد التي كانت مرفوعة خلف التابوت، وأمام رجال الدين والفعاليات التي تقدمت المسيرة، لتصنع حضوراً في ظل الغياب.
المحال التجارية مقفلة. «لا إله إلا الله»، يقول الرجل بصوت متهدج. فترفع القبضات عالياً وتردد الأفواه، بقوة، مقولة التوحيد. من مسجد «الرضا»، تكمل المسيرة طريقها، تجاه محلة «السندريللا»، حيث تعرّض السيد فضل الله لمحاولة اغتيال في العام 1985.
يقول رجل ثلاثيني، تدلت من يده سبحة طويلة بحبات سوداء، لنجله: «صدفة قدرية نجّت السيد من عملية الاغتيال، عندما قصدته سيدة لتسأله عن أمر ما. فتأخر على موعد خروجه من الجامع، ووقع الانفجار قبل وصوله». يقطب الفتى حاجبيه مستغرباً، ويسأل: «لماذا لم يحالفه الحظ هذه المرة، يا والدي؟»، فيجيبه الأب: «هو القدر نفسه. السيد انتقل إلى رحمة ربه. إلى مثواه الأخير، ليسعد بلقاء ربه».
تشق المسيرة طريقها، من «السندريللا»، إلى المشرفية، لتعود أدراجها إلى المسجد من شارع الغبيري. الناس يتصببون عرقاً. هم لا يتحدثون عن السيد فضل الله. السكوت نفسه لا يزال جاثماً. إنهم ينصتون إلى خطب الراحل. هو يتحدث عن فلسطين القضية، والوحدة الإسلامية. يعظ في الدين، ويخبرهم عن الآخرة. الناس يسمعون. هم تحدثوا عنه كثيراً، وسيتحدثون عنه أكثر. تقترب أكاليل الورد من مدخل المسجد.
تهمس سيدة محجبة، وقفت في الباحة المقابلة للمسجد بانتظار وصول المسيرة، لزوجها: «هذا تيمور وليد جنلاط. صحيح؟». يشرئب الرجل بعنقه ليرى، فيهز برأسه قائلاً: «نعم. إنه تيمور. لكن لماذا أنت مندهشة؟ فوالد تيمور هنا أيضاً، وشخصيات كثيرة كانت تحب السيد شاركت في المسيرة». تمتعض السيدة من تعليق زوجها، كتعبير منها على معرفتها المسبقة بهذه المعلومة.
صور السيد فضل الله تكتسح جدران المسجد. هي نفسها التي ثبتت عند مدخل الكنيسة. وهي نفسها التي علقت على السيارات والدراجات النارية. وهي نفسها التي تدلت من شرفات المنازل، التي خلت من أصحابها.
تغص الباحة بالوفود، التي تداخلت مع حشود المسيرة التي تحمل الأكاليل وتشارف على دخول المسجد، حيث يتواجد جثمان السيد فضل الله، بين محبيه.
تتشابه آراء محبي فضل الله حول مكمن حبهم للراحل. الصفات ذاتها تتكرر: «رجل العطاء والإيمان. والد الفقراء. الرجل الأقل شمولية بين المراجع الدينية»، يقول يحيى حيدر، الشاب الذي أتى من الجنوب برفقة ثلة من الأصدقاء للمشاركة في الوداع الأليم. يجزم حيدر أن نصف الموجودين قد أتوا من الجنوب، والنصف الآخر من الضاحية. يتذكر: «والبقاع طبعاً».
يُسمع صوت نحيب من بعيد. يعلو الصوت أكثر. بكاء وعويل. وقف النساء جنباً إلى جنب، يذرفن دموعهن وينفجرن باكيات. أمام مشهد البكاء، الذي تكرر أكثر من مرة في المسيرة، تغرورق عيون بعض الشبان بالدموع. يهتف أحدهم من مكبر للصوت: «لا إله إلا الله». يقول أن الناس سيصلون الآن عن روح «السيد». بكاء أكثر.
الدخول إلى المسجد، من الباب العملاق، عسير جداً، نظراً لتكاثف الناس أمامه. جثمان السيد في الداخل. السيد محمد علي فضل الله، شقيق الراحل، يتلو الصلاة. يردد الناس خلفه الصلاة، كما كانت تتردد شعارات الموت والتوحيد، لكن بصوت خافت.
يفرغ الناس من الصلاة، يعودون أدراجهم، يسيرون بحزن. حزن يبلله الدمع، مع كل نظرة تُلقى على صورة الراحل.
جعفر العطار
وبدا الوصول إلى منفذ يقود إلى باحة التجمع، عسيراً. فكان طريق المطار القديم مقفراً. غادرته السيارات، فناسها يشاركون في التشييع. كوكبة من السيارات والحافلات مركونة على جانبي الطريق، لتدلّ بوجهة ركونها إلى نقطة الانطلاق في رحلة الوداع الأخير: منزل العلاّمة السيد محمد حسين فضل الله.
تتحول الشوارع الطويلة المؤدية إلى منزل المرجع فضل الله في حارة حريك، إلى منافذ قصيرة تتكاتف حولها حشود غفيرة، بثياب غلب عليها اللون الأسود، ووجوه مكفهرة، يسير أصحابها من دون كلل أو ملل، أو حتى تذمر. غياب السيارات من الشوارع، يكشف ضيق الطرقات. كأنها مكعبات عارية السقف.
مسجد «الإمامين الحسنين»، الذي كان أمس الأول مقراً للتعزية بالراحل، صار أمس مدخلاً للمسيرة، ليتحول عند الانتهاء من التشييع إلى مركز تجمع ونحيب. فضل الله سيدفن في المسجد الذي أحبّه... في ذاك المسجد الذي لم ينفك يزوره، على الرغم من تعليمات الأطباء الممانعة، في لحظات مرضه الأخيرة.
تنطق الوجوه المتجهمة، الحزينة، بدواخلها. صمت مضطرب يجثم على المكان. النساء المتشحات بالسواد، سيفترقن عن الرجال، من أمام المسجد، ليدخلن من جهة بئر العبد، فيما يكمل الرجال سيرهم باتجاه منزل فضل الله، قرب كنيسة «مار يوسف» في حارة حريك.
تضاعف الموسيقى الحزينة وجوم الحزانى. عندما يخفت صوتها، ترتخي عضلات الوجه.
يعود الوجوم، لتشتد معه عضلات الوجه الحزينة، الغاضبة، خاصة عندما ترفع مكبرات الصوت كلمات السيد فضل الله عن الدين، والحرب، والحياة، وأشياء أخرى.
تقترب الساعة من الواحدة والنصف ظهراً. تشق المسيرة طريقها. شبان، علقت على ياقاتهم شارة «الانضباط»، ينظمون حركة الوفود.
يتردد صوت السيد فضل الله من مكبرات الصوت. يعلو أكثر. تُرفع صوره إلى الأعلى، بأيادٍ حملت الصور كأنها تحضن صاحبها. «بأمان الله... يا حبيب الله»، يقول الرجل الذي قاد المسيرة، فيردد الناس، من كبار السن إلى صغارهم، تلك العبارة، بأصوات تئن، مشهرةً ألمها لفقدان «الأب الروحي»... معلنة حزنها على الرحيل. تقرع أجراس الكنيسة.
يصبغ مشهد المسيرة، التي دخلت في خطوتها الثانية إلى الشارع العريض، اللون الأسود. تبدو كأنها ثوب طويل، أسود اللون، مزركش بصور السيد فضل الله.
الرداء الطويل يصبح قصيراً: تنعطف المسيرة باتجاه مسجد «الإمام الرضا»، حيث كان منزل الراحل القديم. قيظ شديد، يحوم في الأفق.
جثمان السيد فضل الله بعيد. يتراءى تابوت خشبي، ملتحف برداء أسود، من خلف الجموع. شيئاً فشيئاً، يتضح أكثر. محبو «السيد» يتدافعون للمس النعش وتوديعه. تحدث جلبة غريبة. يهتز النعش جراء التدافع المهيب، فيتقرر نقله إلى المسجد بواسطة سيارة إسعاف، تتبعها سيارة تابعة لـ«الشرطة العسكرية». تبقى أكاليل الورد التي كانت مرفوعة خلف التابوت، وأمام رجال الدين والفعاليات التي تقدمت المسيرة، لتصنع حضوراً في ظل الغياب.
المحال التجارية مقفلة. «لا إله إلا الله»، يقول الرجل بصوت متهدج. فترفع القبضات عالياً وتردد الأفواه، بقوة، مقولة التوحيد. من مسجد «الرضا»، تكمل المسيرة طريقها، تجاه محلة «السندريللا»، حيث تعرّض السيد فضل الله لمحاولة اغتيال في العام 1985.
يقول رجل ثلاثيني، تدلت من يده سبحة طويلة بحبات سوداء، لنجله: «صدفة قدرية نجّت السيد من عملية الاغتيال، عندما قصدته سيدة لتسأله عن أمر ما. فتأخر على موعد خروجه من الجامع، ووقع الانفجار قبل وصوله». يقطب الفتى حاجبيه مستغرباً، ويسأل: «لماذا لم يحالفه الحظ هذه المرة، يا والدي؟»، فيجيبه الأب: «هو القدر نفسه. السيد انتقل إلى رحمة ربه. إلى مثواه الأخير، ليسعد بلقاء ربه».
تشق المسيرة طريقها، من «السندريللا»، إلى المشرفية، لتعود أدراجها إلى المسجد من شارع الغبيري. الناس يتصببون عرقاً. هم لا يتحدثون عن السيد فضل الله. السكوت نفسه لا يزال جاثماً. إنهم ينصتون إلى خطب الراحل. هو يتحدث عن فلسطين القضية، والوحدة الإسلامية. يعظ في الدين، ويخبرهم عن الآخرة. الناس يسمعون. هم تحدثوا عنه كثيراً، وسيتحدثون عنه أكثر. تقترب أكاليل الورد من مدخل المسجد.
تهمس سيدة محجبة، وقفت في الباحة المقابلة للمسجد بانتظار وصول المسيرة، لزوجها: «هذا تيمور وليد جنلاط. صحيح؟». يشرئب الرجل بعنقه ليرى، فيهز برأسه قائلاً: «نعم. إنه تيمور. لكن لماذا أنت مندهشة؟ فوالد تيمور هنا أيضاً، وشخصيات كثيرة كانت تحب السيد شاركت في المسيرة». تمتعض السيدة من تعليق زوجها، كتعبير منها على معرفتها المسبقة بهذه المعلومة.
صور السيد فضل الله تكتسح جدران المسجد. هي نفسها التي ثبتت عند مدخل الكنيسة. وهي نفسها التي علقت على السيارات والدراجات النارية. وهي نفسها التي تدلت من شرفات المنازل، التي خلت من أصحابها.
تغص الباحة بالوفود، التي تداخلت مع حشود المسيرة التي تحمل الأكاليل وتشارف على دخول المسجد، حيث يتواجد جثمان السيد فضل الله، بين محبيه.
تتشابه آراء محبي فضل الله حول مكمن حبهم للراحل. الصفات ذاتها تتكرر: «رجل العطاء والإيمان. والد الفقراء. الرجل الأقل شمولية بين المراجع الدينية»، يقول يحيى حيدر، الشاب الذي أتى من الجنوب برفقة ثلة من الأصدقاء للمشاركة في الوداع الأليم. يجزم حيدر أن نصف الموجودين قد أتوا من الجنوب، والنصف الآخر من الضاحية. يتذكر: «والبقاع طبعاً».
يُسمع صوت نحيب من بعيد. يعلو الصوت أكثر. بكاء وعويل. وقف النساء جنباً إلى جنب، يذرفن دموعهن وينفجرن باكيات. أمام مشهد البكاء، الذي تكرر أكثر من مرة في المسيرة، تغرورق عيون بعض الشبان بالدموع. يهتف أحدهم من مكبر للصوت: «لا إله إلا الله». يقول أن الناس سيصلون الآن عن روح «السيد». بكاء أكثر.
الدخول إلى المسجد، من الباب العملاق، عسير جداً، نظراً لتكاثف الناس أمامه. جثمان السيد في الداخل. السيد محمد علي فضل الله، شقيق الراحل، يتلو الصلاة. يردد الناس خلفه الصلاة، كما كانت تتردد شعارات الموت والتوحيد، لكن بصوت خافت.
يفرغ الناس من الصلاة، يعودون أدراجهم، يسيرون بحزن. حزن يبلله الدمع، مع كل نظرة تُلقى على صورة الراحل.
جعفر العطار