تعاني أكثرية البلديات في لبنان حصاراً مالياً مقصوداً وممنهجاً، وهذا لا ينطبق على العقود السخيّة لشركات «سوكلين» وشقيقاتها، التي تُصرف من حساب الصندوق البلدي المستقل مباشرةً، ومن دون استئذان المجالس البلدية، وهي المعنية وحدها، بموجب القانون، بكيفية التصرّف بالأموال العائدة إليها... فقد عُطِّل كل دور للسلطات المحلية بسبب هذا الحصار، كذلك انتُهك القانون، الذي يصنّف أموال البلديات أمانات لا يجوز للحكومة التصرّف بها، فأُلحق الصندوق البلدي المستقل بوزارة المال بدلاً من وزارة الداخلية والبلديات، وذلك لتسهيل عملية وضع اليد على أمواله «الإجبارية» عبر احتسابها «زوراً» إيرادات للموازنة، وتسخيرها لهدف «غير نبيل» ينحصر في العمل على تجميل حسابات المالية العامّة «السيئة»، وإظهارها بمظهر أقل سوءاً ممّا هي عليه في الواقع.
تُظهر الإحصاءات الأولية المتاحة أنّ للبلديات نحو 2000 مليار ليرة في ذمّة وزارة المال، وهذه الإحصاءات لا تشمل مستحقات البلديات «الضائعة» بين عامي 1980 و1992، التي ترفض وزارة المال حتى الآن احتسابها تمهيداً لإيجاد مخرج قانوني لها.
وبحسب ما أعلنه النائب ميشال عون، في لقاء عقده التيار الوطني الحر يوم السبت الماضي مع رؤساء المجالس البلدية وأعضائها والمخاتير الفائزين في الانتخابات الأخيرة، والمنتمين إلى التيار أو المدعومين منه، فإنّ هناك نحو 1100 مليار ليرة تعود إلى مستحقات البلديات لعامي 2008 و2009، فضلاً عن 894 مليار ليرة كديون للبلديات مستحقّة على وزارة الاتصالات منذ عام 2002 حتى الآن، وقد تراكم معظمها بسبب عدم اقتطاع حصّة البلديات من الضريبة على القيمة المضافة، المفروضة على فواتير الهاتف الخلوي، إذ كان الوزراء المتعاقبون يعمدون إلى تحويل كل إيرادات الهاتف الخلوي الضريبية وغير الضريبية إلى حساب وزارة المال، بصورة شبه شهرية، لتدخل كإيرادات إلى الموازنة من دون اقتطاع ما يستحقّ للبلديات منها بموجب القوانين المرعيّة الإجراء!
هذا الواقع شجّع النائب إبراهيم كنعان على توجيه سؤال نيابي إلى الحكومة في 22/5/2010، يطلب منها الإجابة عن الآتي:
1 ـــــ هل ستعمد الحكومة إلى تعديل المرسوم الرقم 1917 الصادر بتاريخ 6 نيسان 1979 بحيث تلغي الأحكام التي أدخلت على هذا المرسوم تجاوزاً لنطاق التفويض الممنوح للحكومة بموجب المادة 88 من قانون البلديات، أي وضع نص تطبيقي يحدّد أصول وقواعد توزيع حاصلات الصندوق البلدي المستقل المنشأ لدى وزارة الداخلية؟ وما هي المهلة المتوقعة لإنجاز هذا التعديل؟
2 ـــــ متى ستوزع الحكومة عائدات الصندوق البلدي المستقل المتراكمة عن عامي 2008 و 2009؟ وهل ستلتزم بتوزيعها كاملةً على البلديات واتحادات البلديات؟
3 ـــــ متى ستعمد الحكومة إلى إيجاد أو اقتراح مخرج قانوني لمعالجة عائدات الصندوق البلدي المستقل عن الأعوام من 1980 ولغاية 1992 ضمناً؟ وهل هي راغبة في ذلك فعلاً؟
4 ـــــ تنفيذاً لأحكام قانون البلديات، الذي يعرّف البلدية بأنها إدارة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري، هل ستكفّ الحكومة عن التعدّي على صلاحيات البلديات في الاضطلاع بأعمال النظافة التي أولاها قانون البلديات إياها ضمن نطاقها؟
على الرغم من أنّ المهلة المعطاة للحكومة للإجابة عن أيّ سؤال نيابي لا تتجاوز 15 يوماً، فقد مرّ أكثر من شهر ونصف شهر، ولم يتسلّم النائب كنعان أي إجابة، ما اضطره أخيراً إلى تحويل سؤاله إلى استجواب، علماً بأنّ مصادر مطّلعة كشفت لـ«الأخبار» أنّ وزير الداخلية والبلديات زياد بارود حوّل إجاباته إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء في 10/ 6/ 2010، إلّا أنّ هذه الإجابات لم تصل إلى رئاسة المجلس النيابي، نظراً لما تحويه من اعترافات بوجود مخالفات جسيمة للقوانين في طريقة تعامل الحكومة مع أموال البلديات.
تكمن المفارقة في أنّ حبس إجابات بارود خلافاً للأصول، ترافق مع ضغوط تُمارَس على وزير الاتصالات شربل نحّاس لإلزامه بتحويل مبلغ بقيمة 500 مليون دولار من حساب وزارة الاتصالات لدى مصرف لبنان إلى حساب وزارة المال، وذلك خوفاً من أن ينفّذ القانون، ويعمد إلى تسديد ديون البلديات على الوزارة المتراكمة منذ عام 2002!
فالمعروف أنّ المادة 44 من المرسوم الاشتراعي رقم 127/ 1959 المرعية الإجراء توجب على وزير الاتصالات أن يعتمد الترتيب الآتي في استعمال فائض موازنة الوزارة الملحقة:
أولاً، إنشاء حساب يسمّى حساب التموين بهدف تأمين الاستثمار وما تحتاج إليه الوزارة من تجهيزات ومستلزمات في عملها ومهمّاتها وصلاحياتها، وبالتالي، فإنّ الوزارة مضطرة إلى الاحتفاظ بنحو 550 مليار ليرة للفترة الباقية من هذا العام وفقاً لمشروع موازنة 2010.
ثانياً، تسديد الديون المترتبة على وزارة الاتصالات، وهي مقدّرة بنحو 1100 مليار ليرة، ويعود معظمها إلى الأموال التي تجبيها الوزارة لمصلحة البلديات، ولا سيما حصّتها من إيرادات الضريبة على القيمة المضافة، المفروضة على فواتير الهاتف الخلوي، والمقدّرة وحدها بنحو 894 مليار ليرة.
ثالثاً، تحويل الفائض، إذا تحقق، كإيرادات إلى الموازنة العامة.
وهذا يعني أنّ وزارة الاتصالات لا يحق لها قانوناً تحويل أيّ إيرادات للموازنة العامّة إلا بعد الوفاء بمستحقّات عليها تبلغ نحو 1650 مليار ليرة في هذا العام، وبالتالي، فإنّ وزير الاتصالات ملزم بحسب القانون بتسديد ديون البلديات، ما دامت عائدات الوزارة تسمح بذلك، وهذا ما أثار رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ووزيرة المال ريا الحسن، اللذين يصرّان على الاستمرار في مخالفة القوانين بذريعة تغطية بعض حاجات الموازنة العامّة، ولو على حساب البلديات وحقوقها وأدوارها المختلفة!
كيف تراكمت ديون البلديات على وزارة الاتصالات؟ ولماذا امتنعت الحكومات المتعاقبة عن تسديدها؟
عندما أقرّ المجلس النيابي قانون الضريبة على القيمة المضافة في عام 2001، ألغي الرسم البلدي على الاتصالات (الثابتة والخلوية) واستُبدل بالضريبة على القيمة المضافة، وقد نص هذا القانون بصراحة ووضوح على أن تقوم وزارة الاتصالات بتحصيل هذه الضريبة، وتحويلها إلى كل بلدية، بحسب حصّتها، مرة كل ثلاثة أشهر.
إلّا أنّ تطبيق هذا النص اقتصر على تحويل حصص البلديات من الضريبة على القيمة المضافة، المفروضة على الهاتف الثابت، نظراً إلى أنّ حصّة كل بلدية محددة وفقاً للاشتراكات في نطاقها الجغرافي... فيما جرى تجاهل حصص البلديات من الضريبة على الهاتف الخلوي لأنّ هذه الحصص تحدَّد وفقاً لحصة كل بلدية من الصندوق البلدي المستقل، باعتبار أنّ اشتراكات الهاتف الخلوي غير محددة ضمن نطاق جغرافي معيّن، وهذا ما سمح لوزارة المال بوضع يدها على «أمانات» تعود إلى البلديات، عبر تسجيلها إيرادات في الموازنة، وعدم تحويلها إلى الصندوق البلدي المستقل لتوزيعها على مستحقيها.
جرى التغاضي عن كل ذلك في ظل طغيان هاجس حاجة الخزينة إلى السيولة، وفي ظل الضغوط التي مارسها وزراء المال المتعاقبون على نظرائهم في وزارة الاتصالات لكي يحوّلوا إيرادات الوزارة إلى حساب المالية العامة بصورة دورية خلافاً للقانون، ومن دون فصل حصص البلديات عن الفائض المحقق، لتنتهي هذه الأموال إيرادات في الموازنة العامة، وتضيع بالتالي حقوق البلديات.
لا تزال المحاولات جارية للضغط على الوزير شربل نحّاس، لكي يحوّل الأموال إلى حساب المالية العامّة من دون أن يباشر تسديد ديون البلديات، وهذا ما دفع بالنائب ميشال عون إلى إعلان التزامه وتكتّله النيابي بالعمل على تحرير حقوق البلديات ورفع اليد عن أموالها، وقد كلّف النائب إبراهيم كنعان بإعداد اقتراح قانون معجّل مكرّر، يرمي إلى تسديد عائدات البلديات واتحادات البلديات من حاصلات الصندوق البلدي المستقل، وتقديمه باسمه الى المجلس النيابي في الأسبوع المقبل لمناقشته وإقراره، ويتضمن هذا الاقتراح مادّة وحيدة، تنص على الآتي:
1 ـــــ توزّع حاصلات الصندوق البلدي المستقل العائدة لكل سنة على البلديات واتحادات البلديات المستحقّة في مهلة أقصاها آخر شهر آذار من السنة التالية لسنة الحاصلات.
2 ـــــ تُقتطع نسبة 2% من حاصلات الصندوق البلدي المستقل السنوية قبل توزيعها، وتخصّص للقرى التي ليس فيها بلديات.
3 ـــــ تحدد حاصلات الصندوق البلدي المستقل المتراكمة وغير الموزعة عن السنوات من 1980 ولغاية 1992 ضمناً نسبة 7% من إيرادات الموازنة العامة عن الفترة نفسها، وتوزّع على البلديات واتحادات البلديات المستحقة، وفقاً للأسس المعتمدة في توزيع عائدات الصندوق عن السنتين 2008 و2009.
4 ـــــ يجاز للحكومة إصدار سندات خزينة بالعملة اللبنانية لآجال طويلة ومتوسطة وقصيرة لدفع العائدات المستحقة للبلديات ولاتحادات البلديات من حاصلات الصندوق البلدي المستقل عن السنوات من 1980 ولغاية 1992 ضمناً، بعد تحديدها وفقاً لأحكام الفقرة الأولى من هذه المادة، وعن السنتين 2008 و2009، وذلك بقرارات تصدر عن وزير المال.
5 ـــــ تُطلع الحكومة مجلس النواب في مهلة ثلاثة أشهر من تاريخ العمل بهذا القانون على الإجراءات المتّخذة لتنفيذ أحكامه.
6 ـــــ يُعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
(الأخبار)
المخالفة الأصليّة
نصت المادة 87 من المرسوم الاشتراعي رقم 118 الصادر بتاريخ 30 حزيران 1977 وتعديلاته (قانون البلديات) على أن: «تودَع أمانةً في صندوق بلدي مستقل في وزارة الداخلية حاصلات العلاوات المشتركة العائدة لجميع البلديات».
وبموجب المادة 88 من المرسوم الاشتراعي نفسه، فوّضت الحكومة صلاحية تحديد قواعد توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل وأصوله. إلا أن الحكومة تجاوزت نطاق التفويض الممنوح لها بإصدارها المرسوم رقم 1917 بتاريخ 6 نيسان 1979، فقد أنشأت الصندوق لدى وزارة المال بدلاً من إنشائه لدى وزارة الداخلية والبلديات، كذلك حرمت بعض البلديات واتحادات البلديات الحصول على كامل العائدات المستحقة لها لمصلحة بلديات واتحادات بلديات أخرى أكثر حظوةً من سواها، الأمر الذي يخالف مبادئ العدالة والمساواة، التي تقضي بأن توزع أموال الصندوق البلدي المستقل على جميع البلديات واتحادات البلديات دون تمييز أو محاباة، وقد أمعنت الحكومة منذ التسعينيات في سياساتها التمييزية عندما أعطت عقود سوكلين وشقيقاتها الأولوية في إنفاق أموال الصندوق، علماً بأنّ بلديات واتحادات بلديات كثيرة غير مشمولة بعقود كنس النفايات وجمعها.
ولم توزّع الحكومة عائدات الصندوق البلدي المستقل عن عام 2008، مخالفةً بذلك أحكام القانون التي توجب توزيع عائدات الصندوق عن سنة ما في مهلة أقصاها نهاية شهر أيلول من السنة التالية، علماً بأن هذه المهلة يجب أن تنتهي في نهاية الشهر الثالث من السنة التالية، لكي تتمكن البلديات واتحادات البلديات من الحصول على الأموال وإنفاقها قبل انقضاء سنة الموازنة البلدية .
وما زالت الحكومة ممتنعة عن إيجاد مخرج قانوني لاحتساب عائدات الصندوق البلدي المستقل العائدة إلى الأعوام من 1980 لغاية 1992 ضمناً وتوزيعها بالتالي على مستحقيها، مخالفةً بذلك جميع الأحكام التي ترعى أصول إيداع الأمانات وردّها إلى مودعيها ضمن المهل المحدّدة.