نقولا ناصيف
على طريقة «لا غالب ولا مغلوب»، سُوّيت الأزمة الأخيرة بين اليونيفيل والجيش وحزب الله، بعد صدامات، كان الأهالي الطرف الرابع فيها. لا اليونيفيل خسرت، لأنها أبقت في نهاية المطاف مطلبها الحيوي، وهو حرية التحرّك والإصرار على تطبيق القرار 1701. ولا الجيش خسر، لأنه بيّن للجنود الدوليين أنه لا يسعهم تطبيق القرار 1701 بمعزل عنه، أو تجاهله في نشاطاتهم، أو اجتهادهم حتى في ممارسة الصلاحيات، من دون التزام دقيق بالتنسيق الكامل مع الجيش. ولا حزب الله خسر، لأنه وجّه رسالة بالغة الدلالة إلى اليونيفيل، وهو يؤكّد احترامه قرار مجلس الأمن واستمرار مهمتها في الجنوب، مفادها أنه لا يزال يمثّل قوة ضغط أساسية ومراقبة لتحرّك الجنود الدوليين. ولا الأهالي خسروا، لأنهم ـــــ بتحريض من حزب الله أو من دونه ـــــ أبرَزوا للقوة الدولية أنها لا تستطيع استكمال مهمّتها في بيئة معادية لها إذا شاءت استفزازها.
وهكذا خرج أفرقاء المواجهة الأخيرة جنوبي نهر الليطاني متساوين في المناورة التي تبادلوها منذ أسبوعين: لا غالب ولا مغلوب، ولكلّ هيبته. أتى بيان مجلس الأمن الجمعة الماضي (9 تموز)، بعد ساعات على قرار مجلس الوزراء الخميس التمسّك بالقرار 1701 وبمهمة اليونيفيل وتعزيز الجيش، كي يعطي هؤلاء جميعاً، فضلاً عن توازن القوى على الأرض الذي لا يُرجّح كفة القرار 1701 على حزب الله، الضمانات المتوازنة والمتوازية التي يطلبونها: بقاء القوة الدولية جنوبي نهر الليطاني بلا تعديل في قواعد الاشتباك، استمرار حزب الله الشريك غير المعلن في استقرار الجنوب في ضوء اطمئنانه إلى مهمة اليونيفيل، عدم الرهان على تحييد الجيش في أزمة تنشأ بين القوة الدولية وحزب الله.
عشية سفره إلى نيويورك، بدا ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، مايكل وليامز، مطمئناً إلى التسوية الأخيرة «ما يتعيّن أن يكون واضحاً في نظر الجميع هو أن للقرار 1701 مبدأين، أوّلهما التنسيق مع الجيش، وثانيهما حرية حركة اليونيفيل. لا تصادم بين المبدأين، بل انسجام».
هل يذهب مطمئناً بعد التسوية الأخيرة؟
يقول وليامز: «إن شاء الله انتهى ما حدث أخيراً. لكن من الضروري التأكيد أنه لا يمكن وضع ذلك في نطاق أزمة، وأنا أصف ما حدث بأنه أحداث جدّية. لم نصل إلى مرحلة تجعلنا نصف ما جرى بالأزمة. كان مثيراً للاهتمام أنّ كل الأفرقاء نظروا إلى ما حصل، واتخذوا خطوات إيجابية. كانت الاجتماعات التي عقدتها مع الرئيس سعد الحريري ومع عمّار الموسوي لتهدئة الأجواء، وكذلك جولات الجنرال ألبرتو أسارتا واتصالاته وجهوده، وانتهى الأمر إلى إعادة التزام كل الأطراف القرار 1701. في النطاق نفسه كان اجتماع مجلس الوزراء الخميس، وقد عددته مهماً للغاية مع التزام الحكومة اللبنانية زيادة عديد الجيش اللبناني في الجنوب
لا رابط بين حوادث الجنوب والمحكمة الدولية في اغتيال الحريري
بلواء رابع. بصراحة كان هذا الموضوع مصدر مشكلة صغيرة».
أيّ مغزى إذاً للتحرّك الفرنسي المستعجل لدى مجلس الأمن لإصدار بيان يدعم مهمة القوة الدولية في الجنوب، ويدين التعرّض لها؟
يكتفي وليامز بإحالة السؤال على السفير الفرنسي، كي يشرح هو دوافع التحرّك الفرنسي، لكنه يلاحظ أنه «ربما كانت لدى فرنسا مخاوف على جنودها، فضلاً عن أنها عضو دائم في مجلس الأمن، فيما إسبانيا وإيطاليا ليستا كذلك. في اعتقادي أنّ مجلس الأمن كان ينتظر موقف الحكومة اللبنانية، الذي عبّر عنه قرار مجلس الوزراء، وقد أتى هذا القرار كي يساعد على حلّ ما حدث في الجنوب».
وهل يرى أن الحلّ، الذي اقترحه الجيش بالعودة بالوضع في الجنوب إلى ما قبل الحوادث الأخيرة، مثّل مخرجاً مناسباً للجميع؟
يجيب المسؤول الدولي: «أعتقد أنّ قرار مجلس الوزراء اللبناني كان مهماً للغاية بنشر اللواء الرابع، وهذا سيساعد على خفض التوتر هناك. كذلك أتت الحوادث الأخيرة كي تؤكد أهمية التعاون الوثيق والقوي بين الجيش واليونيفيل. في المحادثات التي أجريتها مع حزب الله، ومع وزراء ومسؤولين، أدركت شعورهم بخطورة ما حدث. الآن أنا مقتنع بأنّ الوضع تحسّن تماماً، وهناك فرصة كي لا يتكرّر ذلك».
لكنّ المشكلة لم تنفجر بسبب عدم وجود لواء رابع للجيش جنوبي نهر الليطاني؟
يقول وليامز: «لم يكن هناك عدد كاف من جنود الجيش اللبناني في الجنوب. وأعتقد بأنّ قرار مجلس الوزراء أتى كي يسدّ هذه الثغرة، ويساعد على حلّ المشكلة. وهو سيساعد بالتأكيد. وهو أيضاً موقف الجنرال ألبرتو أسارتا».
وماذا يرى في الجدل الدائر بشأن المناورة التي أجرتها الكتيبة الفرنسية من دون التنسيق مع الجيش، فوقع الصدام مع حزب الله والأهالي؟
يقول وليامز إنه لا يؤيد هذا الرأي، ويفضّل استخدام عبارة تمارين لا مناورات، تبعاً لما أجرته الكتيبة الفرنسية، لأنها كانت في صدد تمرين لا مناورة. ويلاحظ أنّ ما حدث في تولين «جزء من المشكلة، لأنّ الدورية الفرنسية ضلّت الطريق، ولو كان الجيش اللبناني بصحبتها لما حصل ما حصل. في أيّ حال لا أريد الخوض في المسائل الإجرائية التي هي مهمّة الجنرال أسارتا».
هل كانت المشكلة مع حزب الله؟
يعقّب: «صعب بتّ هذا الأمر. لكنني أؤكّد أنّ الاجتماع مع حزب الله، والسيد الموسوي، ساعد كثيراً على خفض التوتر».
هل يميل إلى الرأي القائل بوجود أزمة ثقة مع قسم من اليونيفيل هم الفرنسيون؟
يقول وليامز إنه لا استنتاج لديه حيال ما حدث في تولين، أو سواها: «قد تكون هناك عوامل أخرى طرأت. ربما منها مخاوف من التمارين العسكرية لليونيفيل، وربما نقص في التنسيق مع الجيش اللبناني كان من الممكن تفاديه، وكان ذلك قد أتاح عملاً مشتركاً أفضل. يمكنني التحدّث هنا أيضاً عن توترات إقليمية قد تكون تركت أثراً في الحوادث الأخيرة. لديّ عامل إضافي خبره الجنود الدوليون، حيث انتشروا في بقاع العالم، وهو أنّ وجود قوات أجنبية في بلد ما من شأنه التسبّب بتوترات، حتى إن كانت قوات حفظ سلام. المهم الوصول إلى آليات تساعد على تفادي مشكلات كهذه».
هي إذاً أزمة ثقة بين اليونيفيل وحزب الله؟
يقول: «لا أعتقد أنّ هناك أزمة ثقة مع الحزب، بل أدّى دوراً إيجابياً في الأيام الأخيرة لخفض التوتر».
لكن حرية التحرّك هذه لم تحظَ، في بعض الأحيان، بموافقة الجيش ولا التنسيق معه كمناورات الجنود الفرنسيين التي لم يؤيّد الجيش إجراءها؟
يضيف: «هناك فرق بين التنسيق والموافقة. الآن الفريقان، اليونيفيل والجيش، اعترفا بأهمية التنسيق للمرحلة المقبلة والمستقبل. الجيش عزّز أخيراً من قدراته في نطاق مساعدة اليونيفيل وتعزيز التنسيق معها. إنّ معظم ما حدث في الأسابيع الأخيرة كان من ضمن تمارين اليونيفيل، وقد جرى إعلام الجيش بها، وكان هناك تنسيق بينهما. حتى في التقارير التي كانت لديّ لم تقتصر الحوادث على جنود الكتيبة الفرنسية، بل طاولت أيضاً جنود النيبال».
هل يرى المشكلة، إذاً، في عدم التنسيق مع الجيش وليس في عصيان الأهالي وتحريض حزب الله لهم؟
يقول وليامز: «كما قلت، كانت هناك عوامل عدّة. التنسيق مع الجيش يمكن تحسينه. لكن يجب أن ننظر أيضاً إلى عوامل محلية».
هل يرى ثغراً في القرار 1701؟
يجيب: «كثير من قرارات مجلس الأمن تُعدّ في أوقات أزمات، ولا أرى أنّ من الجيّد صدور نصوص تحت الضغط. القرار موجود، وأنا هنا كممثل للأمين العام للأمم المتحدة من واجبي احترام هذا القرار والعمل على تطبيقه».
هل وجد دوراً لسوريا في ما حدث جنوبي نهر الليطاني؟
يقول: «لم أرَ أيّ أدلّة على هذا الموضوع».
وإيران؟
يقول أيضاً: «هناك توتر إقليمي هو أحد العناصر التي أسهمت في ما حصل، قد تكون منها القدرات النووية لإيران وقرار مجلس الأمن فرض عقوبات عليها. لكنني أشكّك كثيراً في هذا التقويم، ولا أظنّ أنّ إيران كانت أحد أسباب ما حدث».
وهل يضع رابطاً بين الصدام مع اليونيفيل والمحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، من خلال الضغط على القرار 1701، والاستقرار جنوبي نهر الليطاني؟
يقول وليامز: «لا أعتقد ذلك. لم يحصل شيء في المحكمة الدولية بعد. لا أوافق أبداً الرأي القائل إنّ المشكلة صغيرة، أو إنّ ما حدث كان أزمة كبيرة. أعود وأؤكّد أنّ الحوادث كانت جدّية، وكان من الممكن أن تتطوّر كي تصبح أزمة. لهذا السبب نشطت والجنرال أسارتا لدى المسؤولين والجهات اللبنانية المعنية. وعملنا في اجتماعاتنا الأخيرة على الحؤول دون تحوّل الموضوع أزمة. وهذا في ذاته هدف ناجح».