أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الأضرار النفسية للحرب تظهر تدريجاً

الإثنين 12 تموز , 2010 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,038 زائر

الأضرار النفسية للحرب تظهر تدريجاً


«لا أزال حتى الآن أخفض رأسي إذا سمعت طبشة باب قوية»، تقول نهاد رحال ضاحكةً ضحكة متوترة لا تخفي شيئاً من توترها حين تتطرق إلى ذكرياتها عن حرب تموز. هذه الحركة رافقت رحال طوال 33 يوماً قضتها في برج البراجنة خلال الحرب الفريدة الشراسة. «كان الصاروخ الأول دائماً يصدمنا، فكنا نخفض رؤوسنا ونسرع إلى الملجأ» تقول الفتاة العشرينية، مضيفة وهي لا تزال تضحك: «إذا كانت طبشة الباب قوية، مش بس بوطّي راسي، بل أضع يديّ على راسي تماماً كما كنا نفعل بالحرب أو أصرّخ بصوت مرتفع لأنني لا أملك تمالك نفسي». ردة الفعل هذه سبّبت الإحراج لها مرات عدة، ففي إحدى المرات «كنت عند رفيقتي وتسكّر الباب بقوة فصرخت وخفضت راسي، فما كان من أهلها إلا أن ماتوا من الضحك عليّ» تقول ضاحكةً. بالنسبة إلى رحال، هذه الحركات اللاإرادية التي تقوم بها طبيعية ودليل على سرعة ردة فعلها، لأن «أعصابي بتكون متنبهة بوقت الشدّة». رحال ليست الوحيدة التي أكسبتها حرب تموز عادة جديدة قد يظن صاحبها أنها طبيعية؛ فأغلب من بقوا في الضاحية تركت حرب تموز بصماتها عليهم، ولو أراد أصحابها أن يعطوها صفة «الطبيعية». فنبيلة حمد تقرّ بأن الرعب الذي تشعر به بسبب أصوات المفرقعات يفوق خوفها من أي شيء آخر؛ إذ إنها تحاكي «أصوات الصواريخ» تقول. السبب الرئيسي لخوف حمد ليس خسارتها لمنزلها في حارة حريك، فالسيدة الأربعينية لا تزال ببساطة تذكر صباح اليوم الذي قصفت فيه إسرائيل «الجسر الذي يمر على الرويس، وقتها فقت مرعوبة من الضربة ومن صوت الصواريخ، البيت هزّ كلو فينا والزجاج تكسر من حولنا»، تضيف: «بعدني لهلق بس اسمع صوت مفرقعات بنرعب وبسأل شو في أو إذا في طيران إسرائيلي». هكذا، لا يزال بعض من عايش الحرب وبقي في الضاحية الجنوبية خلالها يشعر بالرعب من أشياء تذكرهم فيها. فعلي باركو الذي لم يغادر منطقة العنان خلال حرب تموز لا يستطيع النوم إلا بعد أن يشق ضوء الشمس. أما السبب، فهو أن «الضربة الأولى التي قامت بها إسرائيل على مطار بيروت كانت عند أول ساعات الصباح تقريباً»، يضيف: «لا أزال حتى اليوم لا أنام إلا بعد الساعة الخامسة والنصف لأنه تقريباً الوقت الذي وجّهت فيه إسرائيل ضربتها الأولى. كذلك فإنني أخاف النوم، وخصوصاً مع كثرة الحديث عن الحرب المقبلة. لذلك، أبقى منتظراً حتى يمر الوقت الذي وجهت فيه إسرائيل ضربتها الأولى، وذلك يشعرني بالاطمئنان» يقول. لكن مرت سنوات أربع على انتهاء الحرب، فلماذا يرفض النوم ليلاً؟

لا يزال بعض الأطفال يبولون على أنفسهم عند سماع صوت الطيران

«كرمال ما فيق مرعوب، ولأن كل القصف والصواريخ كانت تنزل علينا بالليل» يقول. هكذا، وبما أن بعض اللبنانيين يرون أن العلاج النفسي هو لـ«المجانين» كما تقول رحال، ترفض كل من حمد ورحال الخضوع لعلاج نفسي، ولو توافر لهما ذلك لأنه بحسب رأيهما «لا أعاني شيئاً، والخوف الذي أشعر به طبيعي لأننا عشنا 33 يوماً تحت القصف» كما تقول حمد. أما بالنسبة إلى باركو، فهذه العوارض المكتسبة التي يعيشها يومياً هي «طبيعية». و«طبيعي» أن يفكر الرجل بهذه الطريقة إن كانت الحروب في لبنان قد أصبحت «طبيعة ثانية». هكذا، برغم مرور أربع سنوات على انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، إلا أن الآثار النفسية لتلك الحرب لا تزال موجودة عند من عايشها من اللبنانيين، ولم تقتصر تلك الآثار على الكبار، إذ للأطفال حصتهم الكبرى التي لا نعرف حتى اليوم حجمها الحقيقي، تماماً كما حصل لأولاد الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تتكشف إلا بعض عقود. تروي أم محمد حاطوم ما حصل لولدها عندما قصفت إسرائيل مجمّع الإمام الحسن. «كان بمدخل البناية وكانت الدنيا نهار، وقتها ما كان الإسرائيلي يقصف بالنهار، فجأة هزت الأرض وسمعنا صوت الانفجارات. ركضت لعند الصبي لقيتو قاعد بالأرض ومبوّل على حالو» تقول. في تموز 2006 كان محمد يبلغ من العمر ست سنوات، لكن حتى الآن لا تزال آثار تلك الحرب ظاهرة عليه. فتقول والدته: «عندما يسمع صوت الطائرات يبدأ بالبكاء أحياناً، ويقول جاء الإسرائيليون، حتى إنه في بعض المرات يركض ليختبئ تحت سريره ولا يخرج إلا عندما نقول له إن هذا طيران لبناني». أما اليوم، فحال محمد أصبحت أفضل، لأن الطفل أصبح «يعرف صوت الطيران المدني» كما تقول والدته. هكذا، بما أن لبنان لا يعتمد سياسة تقديم المساعدات النفسية لمن يتعرض من مواطنيه لمثل هذه الحوادث على عكس الإسرائيليين الذين يقدمونها بمجرد دويّ صفارات الإنذار وسقوط الصواريخ عليهم، سيبقى اللبنانيون يعانون آثار حرب تموز لأكثر من أربع سنوات، بل حتى لأربعين سنة مقبلة؛ فالحرب الأهلية اللبنانية انتهت منذ عشرين عاماً، لكن لا يزال بعض اللبنانيين يعيشون آثارها النفسية حتى يومنا هذا. أما موقف علماء النفس من مثل هذه الظواهر، فيقول المحلل النفسي د. محمد خير الله إن مَن يعايشون الحرب يعانون حالة «ما بعد الصدمة التي يسترجع الإنسان فيها الأحداث المؤلمة، ويعاني كوابيس ليلية وأحلام يقظة تشمل صور المجازر أو مشاهد العنف. ويحاول كذلك تجنب أي صورة أو فكرة أو شيء يذكره بالحدث».

Script executed in 0.18398308753967