أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

رحلة في «فانات» الضاحية تظهر أسباب شكوى الناس منها.. وللسائقين دفاعهم عنها أيضاً

الإثنين 26 تموز , 2010 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 8,467 زائر

رحلة في «فانات» الضاحية تظهر أسباب شكوى الناس منها.. وللسائقين دفاعهم عنها أيضاً
كثيرون يشتمون سائقي الحافلات الصغيرة في الضاحية الجنوبية. يكيلون لهم الشتيمة تلو الأخرى، عقب توقفهم المتكرر تارة، وبعد مراقبة معاملتهم الفظة للناس تارة أخرى. يسير سائقو هذه الحافلات، بمواكب حاشدة، خلف بعضهم البعض، مشكلين فيلقاً مهيباً في الصباح ووقت الظهيرة.
هؤلاء يزدادون يوماً بعد يوم، وتزداد معهم الشتائم التي تلقى من أفواه غاضبة، حانقة. أصوات تطالب الدولة بملاحقتهم وتوقيفهم، بذريعة أن لوحاتهم غير قانونية، فيما أصحاب اللوحات يطالبون الدولة بأمور كثيرة.
معضلة مزدوجة: الناس، والسائقون. في ما يلي، جولة سريعة في إحدى الحافلات، ثم جلسة مسائية مع ثلة من الحالمين بلوحة حمراء.
«رالي» على درب «الوردات»!
ببلاهة واضحة، يزعق سائق الحافلة العشريني، في وجه السيدة الطاعنة في السن، في أثناء مرورها بسيارتها من أمامه. مقاعد الحافلة الصغيرة، التي تعرف باسم «الفان»، تحتضن الركاب من فئات عمرية متفاوتة. يمتعض الركاب من أسلوب السائق الفظ، فيما يكمل الشاب طريقه مسرعاً ليقلّ أكبر عدد ممكن من الزبائن.
يتمهل السائق قليلاً، عند نقطة المشرفية في الضاحية الجنوبية، ويرمق المارة بنظرات سريعة، ملوّحاً لهم بإحدى يديه سائلاً: «إلى أين؟». ولأن طريقه مسدودٌ مسدودٌ، إذ لا «زبائن» في الأفق، يكمل الشاب طريقه، مستكملاً الرحلة السريعة إلى محلة حيّ السلّم. بين الرحلتين، تكثر المواقف الشبيهة بصيحة الشاب في وجه السيدة.
يعلو صوت المغنّي نعيم الشيخ في «الفان». الشيخ يغنّي لـ«وردات الدرب». يتأثر سائق الحافلة بالأغنية. يبدو منفعلاً جداً: يحرّك المقود يمنة ويسرة بيد، ويراقص سيجارته باليد الأخرى، حتى يقع بصره على كائن بشري واقف على ناصية الطريق، أو تحت الجسر، فيرمقه بالنظرة المرسومة بعلامة استفهام، ويسأل: «إلى أين؟».
للسؤال ضريبة لا مفرّ منها: الضغط، بغتةً، على فرامل الحافلة الصغيرة، من دون التفكير بالنظر إلى الوراء، ولو قليلاً. النتيجة: توقف سيارة، أو سيارات عدة، فجأة أيضاً، خلف «الفان» في منتصف الطريق، ما يؤدي إلى ارتفاع أصوات أبواق السيارات وازدحام سريع.
ووفقاً للمزاج، يعبّر سائق الحافلة عن رد فعله من تذمّر الناس: إشكال بسيط، شتيمة، تلويحة يد، أو تجاهل تام.. يكمل «الفان» طريقه بخطوات متباطئة.
في الفقرة الثانية من الأغنية، يعبّر المطرب لحبيبته السمراء عن حبه لها. عشقه لها ليس له حدود. سيقطف لها الوردات. فـ«يقطف» السائق زبونة رفيعة المستوى: فتاة سمراء، ممشوقة القوام، شعرها أسود داكن تماماً كعينيها الواسعتين. تهمس الفتاة: قرب التعاونية الفلانية. فيبلغها الشاب، بينما يحكّ ساعده المزيّن بوشم غير واضح المعالم، أنه بأمرها. لا تكترث.
ينهمك الفتى بالنظر إلى المرآة، فيلمح «فاناً» آخر يقترب منه مسرعاً. يرمي السيجارة وينعطف على المسلك الذي اتخذه سائق الحافلة المنافس، ليتقدمه بأسلوب يحاكي المباغتة والسيطرة، منعاً لالتفاف «الفان» و«قطف» الزبائن. تبدأ رحلة «الرالي»، أو لعبة الثيران: الزبون هو الرجل الذي يحمل السترة الحمراء. يُطفئ السائق المذياع.
كرّ وفرّ. أعصاب الركاب مشدودة، وأنظارهم مشدوهة، والنتيجة: فوز الشاب «المنافس»، بعدما تجرأ على دفع حافلته للاحتكاك بـ«الفان» الكحلي لهنيهات، في إنذار واضح الحدة، بات يتخطى بمضمونه أهمية الزبون، بقدر ما صارت المعركة منافسة حقيقية على الفوز بالكأس. يقهقه السائق ثم يلوح له ضاحكاً. إنه صديقه، ولعبة الثور كانت مزحة!
ترتخي أعصاب الركاب، وتعود كلمات الأغنية لتصدح بصوت أعلى.
زحمة سير خانقة. الساعة الواحدة بعد الظهر. بين الفينة والأخرى، سيتوقف الشاب، إما لسؤال زبون عن وجهته، أو إفساحاً للمجال أمام راكب ما ليترجل من «الفان». أصوات أبواق السيارات ستزعق في المحيط، لتعبّر عن امتعاضها. يشق الشاب طريقه. الفتاة السمراء ترهف سمعها إلى الأغنية، فيما صاحب الوشم الغريب يرميها بنظرات مبتسمة، كأنه يقول لها: «هل رأيتِ من أنا يا حلوة؟».
الرحلة توشك على النهاية، لتبدأ عند موقف الحافلات في حي السلم، رحلة ثانية.
«كيف أعثر على الزبون يا تُرى؟»
إنه يشبه كل شيء، أي شيء، إلا المقهى. وتلك ليست مذمة.
كوخ صغير، تتبعثر في داخله مستلزمات القهوة والشاي، فضلاً عن الخبز الإفرنجي وبعض أنواع الألبان. لا أجبان. بمحاذاة الكوخ الخشبي، وعلى بعد متر واحد منه، تمر السيارات، والحافلات طبعاً، على الطريق الضيق إلى حد ما. في المتر الفاصل عن الطريق، تصطف كراسٍ بلاستيكية. تُعرف هذه البقعة المستطيلة الشكل بـ«الموقف». موقف حيّ السّلم.
بعد انتصاف الليل تقريباً، يستقبل «مقهى» المقداد ـ هكذا يسمونه ـ سائقي «الفانات» ليتحلقوا حول بعضهم البعض ويتحدثوا في شجون المهنة، معرّجين على أبرز المواقف التي صادفتهم خلال النهار، فيُفتح «موعد الحساب»: دفع إيجار الحافلة، أو مشاركة «الغلّة» مع صاحب الحافلة الحقيقي. الحوار يأتي بصوت مرتفع، لا محالة.
تحجب القبعة وجه فهد حمادة. الشاب العشريني هو أكثرهم رصانة وعقلانية في الحديث. نخبرهم عن نظرة الناس لهم، بدءاً من الإشكالات التي يفتعلونها، مروراً بلعبة الثور التي يحترفونها، ومخالفاتهم ـ عبر لوحات بعضهم العمومية المزورة ـ لقوانين الدولة، ووصولاً إلى المخدرات التي يقال إنهم يتعاطونها.
قبل التوغل في الحوار، يسأل أحدهم: «ماذا عن الوشم؟ يقال إننا مشهورون بالرسوم التي نزين بها أجسادنا؟». يأخذ حمادة مجرى الحديث من صديقه الذي جلس القرفصاء إلى جانبه. حمادة يريد البوح بأمور كثيرة. يقول: «نحن لن نلوم أحداً. لكن، ألا يفترض بهؤلاء، الذين يتمنون أن نختفي من حياتهم، أن يفكروا، ولو قليلاً؟».
بداية رومانسية. اللعب على الوتر العاطفي؟
الخيط الأول، أو الثاني، للحديث، هو سؤال آخر يسأله الشاب الذي يملك ـ «والملك لله» ـ 3 حافلات صغيرة: «فلنبدأ من الزبون. هذا الراكب، يا أستاذ، هو رزقتي. إنه ربطة الخبز التي سأعود بها إلى المنزل، وهو أيضاً إيجار المنزل. إنه فاتورة الخلوي، وفاتورة المياه والكهرباء. إنه ثمن البنزين. أين، يا تُرى، أعثر عليه؟ فوق الغيوم مثلاً؟ أم بين الأشجار؟».
يهمّ حمادة، تزامناً مع توافد الشبان إلى «المقهى» للاستماع إليه، بتقديم الإجابات على الأسئلة التي طرحها. لكن، فاتت الشاب ثلاثة أمور: فاتورة الكهرباء، والمياه، وثمن البنزين. هل تُدفع فاتورتا الكهرباء والمياه هنا؟ ثم، هل تزود حافلتك بالبنزين أو بالمازوت؟ يجيب: «طبعاً ندفع. أقصد بالبنزين الوقود، أي المازوت. لا فرق!».
يعود الشاب إلى السؤال الذي يعتبره محورياً: «أين أجد هذا الزبون؟ الرزقة التي أبحث عنها؟»، ثم يسرد القصة: «في سبيلنا إلى العثور على الراكب، نواجه عقبات كثيرة. أبرزها كثرة اللوحات المزورة، التي أدت إلى وجود أكثر من ألفي حافلة على خط حي السلم ـ المشرفية!». رقم كبير.
يجمع حمادة، والشبان الذين افترشوا الباحة الخارجية، أنهم مستعدون لبيع منازلهم ورهن مصاغ زوجاتهن، لقاء شراء لوحة عمومية من الدولة، إلا أن الأخيرة ـ على حد قولهم ـ توقفت منذ مدة طويلة عن بيع اللوحات العمومية لأسباب يجهلونها. هم يقترحون: «حسناً. لماذا لا يعمدون، كسائر الدول مثل سوريا، إلى استثمار هذه اللوحات؟ نحن مستعدون للخضوع لذلك. كما أنها ستعود على الدولة بالنفع المادي أكثر من البيع.. أكثر من النهب!».
أبو وديع. تدل سحنته على أنه لم يبلغ الثامنة عشرة بعد. يبرز الفتى دفتر القيادة ممازحاً. يقول إنه لو تعمد الدولة إلى «بيعنا لوحة، والتي يبلغ سعرها الآن حوالى 20 ألف دولار أميركي، فإن اكتظاظ الحافلات التي تشهدها الضاحية سيخفّ، إلى النصف أو أكثر، لأن معظمها غير قانوني ويتوجس أصحابها من الحواجز، فتبقى مسجونة هنا».
«لا دولة»
يتبين من حوار هؤلاء، عند توغلهم في الحديث عن اللوحة الحمراء، إنها شبيهة بالحلم أو الضالة التي يبحثون عنها. يشتهونها. هم لا ينكرون أن هذه المهنة تدر أرباحاً طائلة: «نعم. يوميتنا لا تقل عن الخمسين ألف ليرة، كربح صاف، في الحد الأدنى. والمضحك، يا رجل، أنه في بعض الأوقات، يربح صاحب «الفان» غير القانوني، أكثر من ذاك القانوني. أين العدل؟ أين الدولة؟».
لا دولة. لازمة تتكرر على ألسنة الشبان، في هذه الحلقة المسائية التي صار عدد زوارها أكثر من ثلاثين شاباً، كلما اختنق الحديث عبر سؤال ما، كسؤال أحدهم: «هل يوجد لنا، كسائر الدول أيضاً، مواقف نركن إلى جانبها، فنقلّ الراكب من دون إزعاج أحد من سائقي السيارات؟». الجواب: «لا دولة».
بصراحة، يجيبون على أسئلة الناس: «المخدرات؟ أنظر، هذا الشاب يتعاطى. لكن، هل يعني ذلك أننا جميعنا نتعاطى المخدرات؟». لن يكون الجواب «لا دولة» طبعاً.
بين هؤلاء، رجل ثلاثيني. هو سائق «فان» أيضاً. لكنه، بدءاً من فصل الخريف، «يتحوّل» إلى أستاذ مدرسة. هو لا يريد الحديث. يسمع فقط.
يتحدثون عن أسباب انخراطهم في هذه المهنة. القصص لا تأتي من نسج الخيال. بل من البطالة. لا وظائف. يعود حمادة إلى الحوار بحماسة بالغة، متسائلاً: «أتحدى أي مواطن في هذا البلد، أن يتوجه إلى الهرمل ويجد مصنعاً واحداً. دعك من المصنع، شركة أو مؤسسة تضم 5 عمّال». هو يتحدث عن العمال وليس الموظفين. إنه يدرك أن الموظف بحاجة إلى شهادة، هو لا يملكها. السبب؟ عوز الأب سابقاً؟ ظروف قاهرة؟ أم كسل؟ هذا موضوع آخر...
الصبغة التي تدمغ صورة سائقي «الفانات»، على أنهم لا يحترمون الناس، ويبتاعون الإشكال، ويسيرون في الأرض كالطواويس، لا أصل لها. هكذا يقولون. الناس تتخيّل إذاً؟ يجيب محمود: «كلا. لكن الحقيقة تكمن في أن بعض الزملاء يتشاجرون مع زملاء المهنة على الطريق، لأسباب عائلية قديمة. إشكال يحصل بين أي مواطن وآخر. أنتم، الركاب، تضخمون الأمور أحياناً».
يقول محمود إنه تشاءم من فكرة التعلّم. تشاؤمه هذا يزداد، عندما يرى ابن عمه جالساً خلف مقود الحافلة الصغيرة، عندما يرى ابن عمه الذي حصل على شهادة في الحقوق يركن الحافلة ليلاً في الموقف. «لا دولة»، يردف. ويتذكر الفتى: «ثمة أمر مهم يجب الالتفات إليه أيضاً، هو أن هذه المهنة تشغّل رجالاً كباراً في السن. هؤلاء لا يشبهوننا. أي أنهم ليسوا في دائرة الاتهامات التي توجه إلينا من قبل الناس. إنهم أكثر اتزاناً منا. هذه مجرد ملاحظة. وشكراً».
يُقفل الحوار. ويُفتح «الحساب»: أوراق من فئة الألف ليرة لبنانية، تتطاير من يد إلى يد، وسط صخب واضح. يفند هذا المبلغ دفعه لقاء تزويد حافلته بالوقود، ويشرح ذاك كم ساعة يعمل على الخط في اليوم الواحد. إلا أنهم، جميعاً، ينتظرون الموسم الشتوي وبدء المدارس والجامعات.. وينتظرون الإفراج عن لوحات لونها أحمر.
جعفر العطار

Script executed in 0.19657278060913